​​​​​​​خبراء لا يستبعدون حدوث انقلابات جديدة في أفريقيا

حذّر خبراء من احتمالية تمدد حزام الانقلابات الذي تشهده أفريقيا لدول جديدة في القارة، خاصة بعد أن أطاحت انقلابات بـ 5 زعماء أفارقة خلال فترة وجيزة في ظل تشابه الظروف والسياسات التي تعيشها معظم بلدان القارة.. فهل تكون الغابون آخر الانقلابات أم يكون للأفارقة رأي آخر؟

​​​​​​​خبراء لا يستبعدون حدوث انقلابات جديدة في أفريقيا
الثلاثاء 5 يلول, 2023   03:15
القاهرة - محسن المصري

 في ذروة انشغال العالم بأزمة انقلاب النيجر والتهديد بالتدخل العسكري من أجل استعادة النظام الدستوري في البلاد، استيقظ الأفارقة صبيحة الأربعاء 30 أغسطس الماضي على انقلاب جديد بغرب أفريقيا في حلقة جديدة من حلقات الانقلابات العسكرية التي انتشرت مؤخراً بالقارة.

وعقب انتخابات مثيرة للجدل، أُعيد فيها انتخاب علي بونجو كرئيسا للغابون للمرة الثالثة، أعلنت قيادات بالجيش السيطرة على السلطة وحل كل مؤسسات الدولة، وإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية.

وبذلك تنضم الغابون إلى دول غرب أفريقيا مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر التي شهدت انقلابات عسكرية في الفترة الأخيرة وهو ما يفتح الباب للتساؤل عن أسباب كثافة وقوع الانقلابات في دول أفريقيا مؤخراً، وعلاقتها بالسياسات الغربية في القارة.

حزام الانقلابات

وجاء انقلاب الغابون أحد المستعمرات الفرنسية السابقة بغرب أفريقيا بعد قرابة شهر واحد فقط من انقلاب النيجر الذي أطاح فيه الجيش بالرئيس محمد بازوم المحسوب على فرنسا، كما سبقه 4 انقلابات أخرى بدول محسوبة على النفوذ الفرنسي، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة غضب أفريقية ضد السياسات الفرنسية بالقارة.

وخلال العشر سنوات الأخيرة، شهدت القارة الأفريقية عشرات الانقلابات فضلاً عن محاولات الانقلاب، وتحتل منطقة غرب القارة الصدارة التاريخية في هذه الأحداث، بنسبة 44.4% من إجمالي الانقلابات العسكرية، وهو ما دفع إلى تسميتها بـ "حزام الانقلابات"، حيث شهدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما يقدر بـ 7 انقلابات على الأقلّ.

وقبل انقلاب النيجر في 28 تموز الماضي، شهدت مالي انقلابين عسكريين، الأول في آب 2020 والثاني في أيار 2021. وفي بوركينا فاسو حدث انقلابان أيضاً عام 2022، وفي غينيا حدث انقلاب عسكري في أيلول 2021. وفي العام نفسه قُتل الرئيس التشادي إدريس ديبي على يد متمردين.

وحسب مراقبين، فإن الأمر لن يتوقف عند حدود الغابون وربما تشهد القارة انقلابات جديدة خاصة أن الظروف والسياسات تتشابه في معظم الدول، كما يربط محللون هذه الظاهرة بسياسات النهب الاستعمارية التي تنهجها الدول الغربية في القارة.

نشأة معيبة

ويرى خبير الشون الأفريقية، محمود مناع أن "القارة الأفريقية لها سمات ومظاهر تختلف عن أي قارة في العالم، ودولها لها تمايز وصفات مختلفة عن بعض الدول القائمة بالفعل في المحيط الإقليمي والدولي".

وقال لوكالتنا: "خبراء الدراسات الأفريقية دائماً ما يرددون أن نشأة الدول الأفريقية نشأة معيبة"، لافتاً إلى أن "الدول الأفريقية قائمة منذ القدم على الممالك القديمة وكان لها نظام قبلي واضح وكانت الممالك تعتمد على رب القبيلة أو زعيمها مع وجود تنظيم يشبه التنظيم السياسي الحديث".

وتابع "مع وصول المستعمر الغربي إلى أفريقيا عمل على إحداث بعض التوازنات من خلال القبائل والإثنيات المنتشرة في القارة دون حدود جغرافية"، مشيراً إلى أن "نشأة الدول الأفريقية بتقسيمها الحالي نشأة استعمارية بالأساس، وحدودها وضعها المستعمر دون مراعاة للتداخل الإثني بين الدول بدليل وجود الكثير من الإثنيات والقبائل الأفريقية منتشرة ومتشابكة في أكثر من دولة كما نجد في نيجريا والنيجر أو ورواندا وبورندي وغيرها من الدول الأفريقية".

وأشار إلى أنه "عندما رحل المستعمر بجيوشه وعتاده التقليدية بقيت ولاءات النخب الأفريقية التي صنعها المحتل للأصل الاستعماري"، لافتاً إلى أن "الدول الخمس التي شهدت انقلابات مؤخراً وهي مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر والجابون تشترك في أن الأصل الاستعماري لها واحد وهو فرنسا".

ولفت إلى أنه "بغض النظر عن أن الانقلابات تخالف النظام الديمقراطي والدستوري والأعراف الدولية ألا إن الوعود بالتنمية منذ استقلال هذه الدول كانت كبيرة، وعلى رغم ذلك لم تشهد هذه الدول منذ عام 1960 أي تنمية".

الاستعمار الجديد

وحسب الخبير بالشؤون الأفريقية، فإن "كتاب الزعيم الأفريقي كوامي نكروما رئيس غانا الأسبق الذي يحمل عنوان الاستعمار الجديد وصدر منذ أكثر من 50 عاماً يضع خارطة طريق لنهضة أفريقيا يربطها برحيل الاستعمار، كما أعطى الكتاب وصفة للتحرر الحقيقي من الاستعماري"، لافتاً إلى أن "هذه الوصفة هي ما ينادي بها قادة الانقلابات في الدول الأفريقية".

وحسب الباحث، فإن "هذه الانقلابات صرخة في وجه الاستعمار الفرنسي والأصل الاستعماري، هذه الوصفة التي نادي بها نكروما منذ أكثر من 50 سنة ينادي بها قادة الانقلابات الآن من أجل الوصول لحلول أفريقية للازمات الاقتصادية والبحث عن التنمية الحقيقة ورفض التبعية، والعودة للمقولة التي نادت بها الجامعة الأفريقية في القرن العشرين والفلاسفة الأفارقة في القرن التاسع عشر أن أفريقيا يجب أن تكون للأفارقة".

تحديات وسيناريوهات

وأشار إلى أن "الخوف هو سقوط هذه الدول في مستنقع الفوضى وعدم الاستقرار، وأن يستغل سماسرة الحروب وتجار الدماء في اشارة للإرهابين والجماعات المتطرفة للوضع في تعزيز وجودها بهذه الدول".

وعن السيناريوهات المستقبلية للأوضاع في أفريقيا، يرى الخبير بالشأن الأفريقي أنه "إذا استطاعت تلك القيادات والزعامات الأفريقية الجديدة في الدول التي شهدت انقلابات الفرار من الأصل الاستعماري، وكان لديها مقومات حقيقة داخلية لتحقيق التنمية الاقتصادية وهو أمر ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض فمن الممكن أن تتحرك هذه الدول نحو التنمية حتى لو كانت هذه التحركات ببطء"، لافتاً إلى "وجود بعض القوى الإقليمية والدولية مثل الصين وروسيا لديها الرغبة والاستعداد لملء مكان فرنسا في هذه الدول وفق مبدأ المصالح المتبادلة وهو أمر قد ترحب به أفريقيا".

وعن إمكانية حدوث انقلاب جديد، يرى الباحث أن "أفريقيا قارة لديها قدر كبير من المحاكاة ولا يمكن الجزم بعدم تكرار الانقلابات ولكن المؤكد أن الوضع قابل للتكرار في أفريقيا عموماً"، لافتاً إلى أن "الرئيس الكاميروني الذي يحكم منذ 40 عاماً أصدر منذ أيام قرارات رئاسية بتغيير كل القيادات العسكرية في بلاده خوفا من الانقلاب عليه".

مرحلة جديدة

من جانبه، يرى الباحث السوداني عباس صالح إن "تزايد وتيرة الانقلابات العسكرية والسيطرة العسكرية المتصاعدة على الحكم في العديد من دول القارة الأفريقية، تؤسس لمرحلة جديدة من النظم السياسية بعد انقضاء حقبة نظم ما بعد الاستعمار ونظام الدولة الوطنية التي قادتها النخب الوطنية وانطواء الموجة الأولى من الانقلابات التقليدية التي وقعت خلال العقود الماضية."

وقال لوكالتنا "بكل تأكيد هناك أيادي خارجية وراء موجة الانقلابات الأخيرة، تم فيها توظيف العوامل المحلية لتحقيق تغيرات سياسية تعيد رسم الحقائق الجيوسياسية في أقاليم القارة السمراء، في خضم حرب باردة جديدة تمر بها القارة الأفريقية".

وأشار إلى إن "حتمية وقوع الانقلابات أو السيطرة العسكرية في عموم القارة، قد تؤجج من التنافس بين الدول الكبرى، التي تتنافس على النفوذ والمصالح، لتشجيع وقوع انقلابات إما لاستباق وقوعها من قبل أطراف داخلية موالية لدول منافسة لها، فضلاً عن احتمالات انتشار "عدوى الانقلابات" وبالتالي دفع العسكريين المغامرين للقيام بتحركات للاستيلاء على السلطة في ظل الدعم الشعبي الواضح لهذه التحركات".

وحسب الباحث فإنه "مع اتساع نطاق حزام الانقلابات الذي يتمدد حالياً من الساحل الكبير إلى وسط أفريقيا بعد الانقلاب الأخير في الغابون، يبدو أن "دومينو" الانقلابات سوف يشمل العديد من الدول التي تتوفر على عوامل داخلية مشابهة لتلك الدول التي حدثت فيها انقلابات عسكرية".

(ي ح)