الصراع في النيجر يهدد بحرب بالوكالة بين القوى الكبرى

تتصاعد الأحداث منذ الانقلاب في النيجر بشكل متسارع، وسط اهتمام دولي كبير لم يحدث في انقلابات مشابهة بدول أفريقية أخرى مثل بوركينا فاسو ومالي، فما سر هذا الاهتمام الدولي وإلى أين تتجه الأوضاع؟

الصراع في النيجر يهدد بحرب بالوكالة بين القوى الكبرى
الخميس 31 آب, 2023   02:43
القاهرة - محسن المصري

على غير العادة، تصدرت أخبار منطقة الساحل وغرب أفريقيا عناوين الصحف ووسائل الإعلام العالمية بعد انقلاب ليس بجديد على المنطقة التي تمثل الانقلابات العامل الأساسي في التغيير بمعظم دولها.

سر الاهتمام بالنيجر

ومنذ الانقلاب في النيجر تتصاعد الأحداث بشكل متسارع وسط اهتمام دولي كبير لم يحدث في انقلابات مشابهة في دول أفريقية أخرى مثل بوركينا فاسو ومالي، وهو ما يعكس ما تمثله النيجر في الصراع بين القوى الكبرى التي تتنافس على مواردها وثرواتها.

وحسب تقارير، فإن النيجر التي تعتبر من أفقر دول أفريقيا منتج رئيس للذهب واليورانيوم، كما توصف بأنها البلد الذي يضيء شوارع باريس بينما يعيش أغلب سكانه في الظلام.

وتعتبر النيجر رابع أغنى دولة في العالم من حيث احتياطيات اليورانيوم، وهو ما جعلها محط صراع بين القوى الكبرى، وتزداد أهمية يورانيوم النيجر في ظل الحرب الأوكرانية ورغبة الغرب في تقليص الاعتماد على اليورانيوم القادم من روسيا أو عن طريق حلفائها.

وتعيش النيجر وعموم دول غرب أفريقيا منذ الانقلاب حالة من الترقب، خاصة في ظل تصاعد حالة التوتر بين نيامي وباريس، على خلفية قرارات المجلس العسكري الحاكم بطرد السفير الفرنسي من البلاد وتعليق كل الاتفاقيات مع فرنسا التي تدعم التدخل العسكري لاستعادة نفوذها وسيطرتها على البلاد التي تضيء شوارع باريس بمواردها.

وحسب مراقبين، فإن الحرب حال اندلاعها ستكون الجماعات المتطرفة أكبر المستفيدين منها، وستمتد تداعياتها وتتسع بشكل يهدد عموم المنطقة، خاصة أنها قد تتحول لحرب بالإنابة بين الدول الكبرى؛ حيث تدعم روسيا المجلس العسكري، في حين تدعم فرنسا والغرب الرئيس المعزول ومجموعة إيكواس.

الموقف من التدخل العسكري

ويرى الخبير المصري في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي أن: "الأوضاع بالنيجر ما زالت إلى الآن في مرحلة الصراع السياسي، ولم يصل الأمر لتدخل عسكري بشكل واضح أو مؤكد"، لافتاً إلى أنه "حتى الآن احتمالية التدخل العسكري تظل مقبولة نظرياً ولكنها شديدة التعقيد عملياً".

وقال زهدي لوكالتنا: "هناك عوامل كثيرة تتحكم في هذا الصراع حالياً في النيجر، والأمر الآن عبارة عن أوراق ضغط متبادلة بين الطرفين، حيث يلوّح قادة الانقلاب بمحاكمة بازوم بتهمة الخيانة العظمى، في حين أن مجموعة إيكواس تتراجع عن طرح فكرة التدخل العسكري لإعادة الشرعية لكنها في نفس الوقت تعطي أوامر لجاهزية الجيوش وتعلن خطة عسكرية للتدخل لمزيد من تأكيد التهديد والضغط على القادة العسكريين بالنيجر".

وحسب الباحث، فإنه "حتى الآن الحلول السلمية الأقرب للتطبيق؛ لأنه مهما كانت خسائر السلم لن تكون مثل خسائر الحرب. ومن يستطيع بدء الحرب لن يملك إنهاءها أو وقف تمددها".

وأشار إلى أن "هناك انقسام في مجموعة إيكواس وخلافات بين دولها حول التدخل العسكري، كما أن هناك خلافات بين الاتحاد الأوروبي وخاصة بين فرنسا وإيطاليا التي ترفض التدخل العسكري، فضلاً عن موقف الولايات المتحدة التي لم تصف ما حدث في النيجر بالانقلاب، إضافة للاتحاد الأفريقي الذي يرفض التدخل أيضاً".

وتابع : "كما أن هناك تباين في مواقف الدول السبع التي تمثل جوار النيجر؛ حيث أعلنت مالي وبوركينا فاسو وقوفهما مع النيجر عسكرياً والتدخل لمواجهة أي عمل عسكري ضد نيامي، كما رفضت 3 دول هي ليبيا والجزائر وتشاد التدخل العسكري سياسياً رغم مطالبتها بعودة الشرعية، في حين وافقت دولتان فقط هما نيجيريا وبنين على التدخل العسكري"، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن"نيجيريا التي تقود مجموعة إيكواس تواجه رفضاً داخلياً للعملية، حيث رفض مجلس الشيوخ أي عمل عسكري بالنيجر، خاصة أن قبائل الهوسا وهي قبائل مشتركة تعيش في النيجر ونيجيريا ولها نفوذ كبير في إدارة الأمور بنيجيريا”.

مستقبل الساحل الأفريقي

وحسب الباحث، فإن "قارة إفريقيا حدث فيها 205 انقلاب في آخر 70 سنة، نجح منها 100 انقلاب، وهناك عدد كبير من الانقلابات لم تعلن من الأساس أو تم التكتم عليها"، مشيراً إلى أن "آخر 25 انقلاب في إفريقيا كان منهم 21 في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، فهذه منطقة معتادة على الانقلابات حيث لا يجدون وسيلة للخلافات السياسية سوى الانقلاب أو المواجهات المسلحة".

وأكد زهدي أن "النيجر ذاتها تعيش الانقلاب الرابع، حيث شهدت 3 انقلابات سابقة منذ استقلالها ولم يحدث زخم أو اهتمام دولي أو تهديد بتدخل عسكري ضد انقلاب بإفريقيا وما أكثرها كما يحدث الآن في انقلاب نيامي الأخير".

 لافتاً إلى أنه "تم التعامل مع ما تم من انقلابات في الساحل والصحراء الأفريقية وآخرها ما شهدته بوركينا فاسو ومالي وغينيا بيساو التي شهدت انقلاب على الانقلاب، وانتهي الأمر بتقنين وضع المنقلبين مع توفر قدر مناسب من الإرادة الشعبية لقبول الوضع الجديد".

سيناريوهات الحرب

وعن سيناريوهات الحرب حال اندلاعها، يرى الباحث أن "التكلفة الاقتصادية المباشرة للحرب تتعدى 2 مليار دولار وظروف الدول بالمنطقة لا تسمح لها بتمويل الحرب، وبالتالي سوف يتضح موقف التمويل الدولي بشكل مباشر أو معلن".

وتابع: "التكلفة غير المباشرة للحرب كبيرة جداً، لأن اقتصاد المنطقة مرتبط ببعضه البعض، خاصة أن النيجر دولة حبيسة يحدها 7 دول، وتجمعها حركة تجارة كبيرة مع كل هذه الدول، وهناك أنابيب بترول وغاز تمر عبر أراضيها وهو ما يهدد بتوقفها أو تفجيرها، ما سيكون له تداعيات كبيرة على المنطقة".

ويرى خبير الشؤون الأفريقية أن "الخطر الأكبر حال اندلعت الحرب، هو وجود قواعد عسكرية فرنسية وألمانية وأمريكية داخل النيجر، وبالتالي هذه القواعد تكون مصدر أزمة في حالة الحرب لأنها ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاشتراك بشكل مباشر في الحرب، وهو ما يجعلها في مواجهة شبه مباشرة مع روسيا التي تدعم الانقلاب وستساعده عسكرياً".

أما الخيار الثاني، حسب زهدي فهو أن "لا تشترك القواعد العسكرية الأجنبية في الحرب وتكتفي بالدعم اللوجيستي للإيكواس. ولكنها في هذه الحالة أيضاً ستكون أهدافاً سهلة للقوات العسكرية في النيجر والقوات المتحالفة معها أو الجماعات الإرهابية أو الأفراد الذين يمكنهم القيام بعمليات ضد مصالح هذه الدول".

خطر الفوضى

وحذّر الباحث من: "أن هذه البيئة هي الأنسب للجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تجد في الفراغ والفوضى والأزمات، طريقاً ممهداً لتقديم نفسها كبديل للحكومات، وتستطيع أن تتمدد في هذه الأجواء وتتمكن من تحقيق أهدافها بشكل كبير".

وعن مستقبل الوجود الروسي في أفريقيا بعد مقتل زعيم فاغنر، أكد الباحث أنه "لا يمكن الجزم بمستقبل فاغنر في أفريقيا بعد مقتل زعيمها وخطط روسيا في المستقبل تجاه هذه القوات التي حققت نجاحات كبيرة في أفريقيا، وهل ستواصل تلك النجاحات أم يكون مقتل زعيمها بداية النهاية لفاغنر وعملياتها سواء في أفريقيا أو غيرها من مناطق الصراع".

(ي ح)