اليوم المشؤوم

31 آب 1996 يوم مشؤوم أضافه الشعب الكردي إلى الأيام المشؤومة في مجرى التاريخ، حيث فتح الديمقراطي الكردستاني الباب أمام جلادي الكرد للقضاء عليهم.

اليوم المشؤوم
الأربعاء 30 آب, 2023   22:29
مركز الأخبار ـ أحمد سمير

عقب انتهاء حرب الخليج 1991، وانتفاضة الكرد في باشور (جنوب كردستان) ضد حكم حزب البعث، فرض مجلس الأمن الدولي حظراً جوياَ على جنوب كردستان، وجرت انتخابات برلمانية 1992 في مدينة هولير، حيث تقاسم الحزبان الرئيسان (PDK) بقيادة مسعود البرزاني و(YNK) بقيادة الزعيم الكردي الراحل مام جلال طالباني مقاعد البرلمان بالتساوي.

السلام المنشود بين القطبين الكرديين سرعان ما تحوّل إلى خلافات بسبب الصراع على السلطة وتقاسم النفوذ والسيطرة على الموارد، وبدأت شرارة الخلافات بعد معارك في منطقة رابرين عام 1993، وسعى الطرفان إلى إيقاف إراقة دماء الكرد بعد جلسة برلمانية عقدت في 30 حزيران، نجم عنها وقف إطلاق النار.

استعرت الخلافات بين الحزبين من جديد في أيار 1994، حيث طغت المصالح الشخصية والحزبية على الأجندات الوطنية، ودخل الحزبان في معترك احتراب أخوي دموي، وتفوّق الاتحاد على الديمقراطي سياسياً وعسكرياً، وحوصر الأخير في بعض القرى الحدودية.

توغلت حينها القوات الإيرانية في أراضي جنوب كردستان، وتمركزت في جبل هيبت سلطان بمدينة كوي، وشنت هجمات على الديمقراطي الكردستاني.

في17 آب 1996، اشتدت المعارك بين الجانبين في مناطق رواندوز وشقلاوة وانتهت بسيطرة الاتحاد على تلك المناطق واقترابها من المعقل الرئيس للديمقراطي في سري رش الواقعة في مصيف صلاح الدين شمال هولير، وفقد الديمقراطي معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها ولم يعد يسيطر سوى على ثلث مناطق جنوب كردستان.

تبددت خيارات البرزاني بعدما وجد نفسه محاصراً في نطاق جغرافي ضيق، لذلك وجد فسحة للاستنجاد بالذي أراق دماء الكرد، صدام حسين الرئيس العراقي، وطلب منه المؤازرة والدعم العسكري لاجتياح مدينة هولير التي كان يسيطر عليها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وبالفعل تم اجتياحها في 31 آب 1996.

خاطب حينها مسعود البرزاني في رسالة موجهة إلى صدام حسين الذي لم يشبع من قتل 182 ألف مواطن كردي في مجازر الأنفال، بقوله "سيدي الرئيس، عزيزي"، ونصت الرسالة على الآتي:

"عزيزي سيدي الرئيس، باستخدام ذكائك، يجب أن تتوصل إلى حل متعلق بإيقاف تدخل إيران في العراق، نحن نطلب من سموك ترؤس جيشك العراقي والدخول إلى أربيل، من أجل إيقاف المساعي الأجنبية المسبّبة للتهديدات، وأيضاً لإيقاف خيانة جلال طالباني".

استجاب صدام لطلب البرزاني، حيث اجتاحت حشود الجيش العراقي التابع للنظام البعثي، مدججة بالأسلحة الثقيلة والدبابات بالإضافة إلى 30 ألف جندي من قوات الحرس الجمهوري المدرعة مدينة هولير، واستطاع البرزاني بذلك فرض هيمنته على هولير من جديد.

أضاف الشعب الكردي هذا اليوم إلى الأيام المشؤومة في مجرى التاريخ، ففي مثل هذا اليوم حوّل الديمقراطي الكردستاني مقر البرلمان الكردستاني الذي كان نتاج نضال أكثر من 100 ألف شهيد ومقاومة دامت أكثر من 50 عاماً إلى مقر لحزب البعث.

"يا أهلاً بالغزاة، هلموا لنضرب الأشقاء"، بهذه المقولة وهذه العقلية أفسح الديمقراطي الكردستاني الباب أمام جلّادي الكرد، منذ عام 1992 وإلى يومنا هذا، وجعل من جنوب كردستان مستعمرة ومسرحاً للقواعد العسكرية التركية لضرب مقاتلي حركة حرية كردستان.

سياسيات قهرت الشعب الكردي

تكررت هذه النماذج في تاريخنا الحديث، ودفع الإيزيديون ضريبة انسحاب الديمقراطي الكردستاني من شنكال في 3 آب 2014، وترْك أبنائه عرضة للإبادة الجماعية إبان هجوم مرتزقة داعش. وطعن الديمقراطي خاصرة حركة حرية كردستان، بعدما استنجد بها الإيزيديون للمساعدة في إنهاء خطر داعش على جنوب كردستان.

وبدلاً من أن يتعظ الديمقراطي من التجارب ويستفيد منها، انسحب من كركوك الكردستانية بعد الاستفتاء الفاشل الذي حصل في 25 أيلول 2017، وتغيّرت ملامح هذه المدينة ذات الغالبية الكردية، بعد تغيير التركيبة السكانية فيها وإعادة توطين آخرين محلهم، هذه السياسات قهرت الشعب الكردي، وبذلك فقد جنوب كردستان أكثر من 51% من جغرافيتها.

ليس هذا وحسب، إذ يحشد الديمقراطي الكردستاني قواته بين الحين والآخر إلى جانب جيش الاحتلال التركي ويساعده في احتلال والتوغّل في جبال كردستان، من بهدينان وشمال هولير بعمق يصل مداه إلى 30 ـ 40 كم.

اليوم، وبعد 27 عاماً على الأحداث الدموية، تحتدم الخلافات السياسية بين الطرفين من جديد، فالسلطة تُورّث من الأجداد للآباء ثم الأبناء، وينصبّ جل اهتمام الديمقراطي الكردستاني على المال والجاه والسلطة، ناهيك عن الانقسام والتشرذم الداخلي.

ويرفض الحزب الديمقراطي الكردستاني تشكيل مرجعية سياسية وعسكرية موحّدة تقاتل تحت راية واحدة، على الرغم من الإلحاح الغربي والتلويح بإيقاف المساعدات العسكرية ودعمهما.

وتستغل الحكومة المركزية هذا الفراغ وملئه بإعادة سلطتها التي فقدتها إبان انتفاضة الشعب الكردي عام 1991 ضد نظام صدام حسين.

وفرضت محكمة التحكيم العليا في باريس حظر بيع سلطات جنوب كردستان النفط إلى تركيا دون موافقة الحكومة العراقية، حيث إن سلطات جنوب كردستان كانت تبيع 450 ألف برميل يومياً.

وضع الديمقراطي الشعب الكردي الذي حارب على مدى عقود لتحقيق حلم التعلم والتكلم باللغة الكردية في مأزق كبير ووضع يرثى له. حيث يعود التعلم بالعربية إلى الواجهة من جديد، ويترعرع الجيل الجديد في بيئة واغتراب بعيد عن واقعه، ولا يستطيع تهجئة ونطق اللغة الكردية، وتطفو اللغة العربية على السطح لتحل على واجهات المحال التجارية في مدينة هولير.

وكانت مجلة الإيكونوميست قد ذكرت في مقال لها أن نجل زعيم كردي خاطب الجمهور في حفل تخرجه من إحدى الجامعات المحلية باللغة العربية، ونقلت عن دبلوماسي غربي قوله: "هناك خطر يتمثل في فشل مشروع كردستان، ويقع اللوم على الكرد إلى حد كبير".

عدم الحفاظ على المكتسبات التي أراق الكرد دماءهم من أجلها في جنوب كردستان، ومواصلة مساعدة أعداء الشعب الكردي، قد يطيح بمكتسبات الكرد في جنوب كردستان ويتلاشى هذا الحلم إلى الأبد.

(ك)

ANHA