​​​​​​​من مذكرات الشهيدة دنيز فرات

​​​​​​​من مذكرات الشهيدة دنيز فرات
الثلاثاء 8 آب, 2023   02:22

استشهدت الصحفية دنيز فرات في 8 آب عام 2014، خلال هجوم مرتزقة داعش على مخمور وهي على رأس عملها، وبمناسبة ذكرى استشهادها السنويّة، نشارككم هنا جزءاً من مذكراتها التي كتبتها بخط يدها.

"يفتح الخريف برونقه قلبي على صفحات جديدة، لقد جاءني اليوم رفيق من موطني القديم، موطن سعادتي وحزني الأوّل أي موطن عشقي متينا، فأنا اعتبر متينا أرض أفراحي وأحزاني، ففي متينا دفنت روحي وحب حياتي وأنا أقاوم لوعة قلبي. صفعتني رياح الدهر لئلّا أنسى هذه الصفعة ما دمت أعيش على هذه الأرض. ومن المستحيل بالطبع أن أخرجها من حياتي، فقد سلبتني متينا الرفيقة ساريا، لقد حرمتني من أعزّ رفيقاتي، علّمتني أنّه يمكن للمرء أن يحب مكاناً ويكرهه معاً. أيا نبض قلبي متينا، يا سارقة حبّي التي لا ترحم، ألم تكتفِ بالتضحيات التي قدّمتها في سبيلك؟ فلماذا كافأتني بهذا الشكل؟ ماذا سيكون ردّك على هذه الحقيقة يا ترى؟

لقد تحوّلت متينا إلى أطلالٍ وأرضٍ قاحلة في حياتي، تحولت إلى لوعةٍ وحسرةٍ تكوي قلبي المجروح بدون أن تكترث لروحي. كنت أبحث عنك في المجهول، وعندما كانت رياح الخريف تحمل معها بشائر من دياري، كانت تحملني إلى جلسة عزلةٍ مع الذكريات القديمة وأنا أتأمّل الغروب غارقةً بالهموم أكثر. أنا الآن استمع إلى سيزان آكسو، فلها معزّة خاصة في قلبي، إذ اعتبر سيزان آكسو وجوان حاجو رفيقا السعادة والحزن في حياتي. فأنا أتشارك معهما أو لنقل مع صوتهما جميع أفراحي وأتراحي وهمومي. أفكّر أحياناً أن أشاركهما مشاعري وأنا أستمع لأغنياتهما، فما دامت سيزان هذه مرهفة المشاعر إلى هذه الدرجة، فلن أكتفي بسماع صوتها أبداً.   

فيا أيتها اللاجئة في أي أرض خربة تقيمين اليوم؟ ما الذي تخبرك به النجوم في ليلك دون أن تسألك عن مشاعرك، أم أنّها تكتفي بسماع نبضات قلبك، تشهد النجوم على جميع المشاعر التي تخالجك في الليالي المظلمة، لذا فهي شاهدة على الأحلام والأمنيات التي لم تتحقق، إنّها شاهدة على كلّ المشاعر البريئة في قلوبنا، إنها تبحث عن البراءة من بين أنقاض تلك الأرض الخربة. 

يعلن الخريف حلوله من خلال أوراق الشجر، إنّه موعد الحزن وينذر الطبيعة باقتراب الشتاء، حيث تعقبه عواصف ثلجيّة مستمرّة، جميع الفصول تحمل معها شيئاً ما، لكنّ الشتاء لا يحمل معه سوى شيئين أمّا الكفن أو فستان الزفاف. يدلّ فستان الزفاف لدى جميع الشعوب على الخير لكنّه وفقط لدى نساء وطننا هذا يُعدّ نذير شؤم، إذ ينذر بموتهنّ فقط.

وأنا أتأمّل ملامح وجهك

الزم الصمت

أحمل نظرات عينيك

إلى الجبال العالية

والوديان العميقة

على أمل أن أرى ابتساماتك في كل الدروب والأماكن

لأقبّل الكلمات التي تخرج من بين الشفتين المتشققة

تلك الكلمات التي لا يخفي معناها إلّا صدق ابتسامةٍ بريئة

أريد السفر في دروب ابتساماتك

أريد أن أجعل نبضات قلبي ترافق أمواج بحر حبي لك

وأن أتذكّرك في كل لحظة بدون ذنب

وأبحث في دموع عيني

عن أثر أشواقك

وليرتعد جسدي من هول رثائي لك

ولترتجف يدي

ولتفقد كلّ الكلمات معناها كلّما امسكت قلمي لأصفك"

(ر)

ANHA