​​​​​​​القمة الروسية – الأفريقية حلقة جديدة في الصراع الدولي على المنطقة

يعود التنافس بين القوى الكبرى في العالم بشأن بسط النفوذ والهيمنة على دول القارة الأفريقية وبأشكال مختلفة إلى عقود ماضية، إلا أن القمة الروسية - الأفريقية الأخيرة جاءت كمؤشر على أن المرحلة القادمة سوف تشهد احتدام هذا التنافس.

​​​​​​​القمة الروسية – الأفريقية حلقة جديدة في الصراع الدولي على المنطقة
السبت 5 آب, 2023   02:39
القاهرة - محسن المصري

جاءت القمة الروسية - الأفريقية التي استضافتها مدينة ستراسبورغ الروسية الأيام الماضية كحلقة جديدة في ملف الصراع الدولي على القارة الأفريقية، بعد عقود من التجاهل العالمي لما تعانيه القارة من أزمات.

ويبدو أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وما أنتجته التغييرات المناخية من تأثيرات على الثروات والموارد بالدول الكبرى، دفعها للبحث عن موارد وثروات جديدة في مناطق جديدة من العالم وخاصة أفريقيا، التي تتمتع دولها بالكنوز والثروات التي لم تكتشف بعد.

وخلال السنوات القليلة الماضية، تحولت قبلة الدول الكبرى نحو أفريقيا، وسعت دول مثل الصين وروسيا وأمريكا لجذب الدول الأفريقية للسير في فلكها، وأغدقت عليها المنح والمساعدات طمعاً في ما تمتلكه هذه الدول من ثروات وموارد وإمكانيات مادية وبشرية.

النفوذ الصيني

رقمياً، تعتبر الصين الشريك التجاري الأكبر للعديد من الدول الأفريقية، حيث مثّل حجم التجارة الصينية مع القارة الأفريقية في عام 2021 حوالي 261 مليار دولار، مقارنةً بـ 64 مليار دولار حجم التجارة الأمريكية مع أفريقيا، واستطاعت بكين ترجمة هذه الاستثمارات الاقتصادية إلى نفوذ دبلوماسي تمثل في انعقاد قمة صينية - أفريقية كل ثلاث سنوات، بالإضافة الى المساندة التصويتية الأفريقية للمواقف الصينية في العديد من المحافل الدولية.

تحذير أمريكي

واشنطن من جانبها، اختتمت عام 2022 بالقمة الأمريكية - الأفريقية وهي الثانية من نوعها بعد تلك التي نظمت قبل ثماني سنوات عام 2014 في ظلّ رئاسة باراك أوباما.

وخلال القمة، حذر وزير الدفاع الأمريكي القادة الأفارقة من أن نفوذ الصين وروسيا في القارة يمكن أن يكون مزعزعاً للاستقرار، كما شهدت القمة الإعلان عن تقديم 55 مليار دولار مساعدات أمريكية للدول الأفريقية.

وتواصل التنافس الأمريكي - الروسي على القارة الأفريقية مع دخول العام الجديد 2023، وفي منتصف يناير كانون الثاني الماضي؛ زارت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، السنغال وجنوب أفريقيا وزامبيا وذلك عقب زيارة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لأفروف، إلى جنوب أفريقيا.

وبحسب مراقبين، فهناك تنافس شرس بين القوى الكبرى؛ لبسط النفوذ والهيمنة على دول القارة الأفريقية وبأشكال مختلفة، معتبرين أن القمة الروسية - الأفريقية تمثل مؤشراً واضحاً على أن المرحلة القادمة سوف تشهد احتدام التنافس الروسي الصيني - الأمريكي على جذب الدول الأفريقية.

الروس وأفريقيا

واعتبرت نائبة رئيس المركز العراقي للدراسات الأفريقية، الدكتورة فريدة البنداري، أن مشاركة 49 دولة من أصل 54 في القمة الروسية - الأفريقية، بحضور 17 رئيس دولة، فضلاً عن أكثر من 25 رئيس حكومة، تؤكد الرغبة الأفريقية والإصرار في التعامل مع الجانب الروسي.

وقالت لوكالتنا: "هناك توجه أفريقي نحو المعسكر الشرقي، وبالأدق نحو الصين وروسيا، ورأينا العديد من القمم الصناعية بين قارة أفريقيا وروسيا والصين، ما يمهد لخلق علاقة توازن بين المعسكر الغربي والشرقي في العلاقات الدولية، بما يدفع نحو تطوير العلاقات الاقتصادية بدرجات مرتفعة بين روسيا والقارة الأفريقية، لتؤكد على حماية العالم النامي من الهيمنة الأمريكية."

 وترى الباحثة أن "المستقبل القريب سيشهد تبادلات تجارية كبيرة بين روسيا والعديد من الدول الأفريقية بالعملات المحلية، وهو ما يرفع معدلات التبادل التجاري والاستثمارات في المنطقة، وينعكس على كافة المستويات ويخدم الدول الأفريقية، خاصة في ظل دور موسكو في مجموعة الـ"بريكس" وشنغهاي". فضلاً عن إعلان بوتين بأنه سيتم توسيع شبكة السفارات الروسية والبعثات التجارية في أفريقيا قريباً".

وأكدت أن "القمة تعطي دفعاً قوياً لحجم التبادل التجاري بين روسيا ودول أفريقيا، وكذلك فتح المجال للاستثمارات الروسية ضمن قاعدة "رابح رابح"، عكس السياسة الغربية التي سلبت القارة مواردها لعقود وخرجت الدول الأفريقية منها مديونة وفقيرة ومليئة بالصراعات".

منفعة متبادلة

وبحسب فريدة "استفادت أفريقيا من التقارب الروسي، وكانت أوضح صور تلك الاستفادة إعفاء روسيا  القارة الأفريقية من ديونها، والتي تقدر بـ 20 مليار دولار، وكذلك في مجال نقل التكنولوجيا وخاصة تكنولوجيا البنى التحتية ممثلة بالطرق والجسور والسدود"، لافتة إلى أن "الوكالة الفدرالية الروسية للنقل الجوي ووكالة النقل وقعت مع الهيئة الوطنية للطيران المدني في جمهورية أفريقيا الوسطى، اتفاقية عمل للتعاون في مجال صلاحية الطيران، في 27 يوليو 2023، وذلك في إطار القمة الثانية للمنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي الأفريقي، فضلاً عن وجود تعاون بين روسيا والدول الأفريقية في مجال الري الزراعي الحديث، والمجال الأمني"، مشددة على "أن القمة كانت مهمة جداً لدول أفريقيا، وأيضاً بالنسبة لروسيا لأن أفريقيا تعد المتنفس الخارجي لها من العقوبات الدولية".

وتعتقد الباحثة أن "القمة الروسية الأفريقية كانت مهمة جداً لروسيا كما هي مهمة لأفريقيا، ولذا أصرت على إقامتها رغم ظروف الحرب بأوكرانيا والعقوبات الدولية، وذلك لإرسال رسائل للغرب أن روسيا مازالت فاعلة في السياسة الدولية وبقوة".

 وأشارت إلى أنه "رغم اختلاف السياق الجيوسياسي عما كان عليه في عام 2019 وقت انعقاد القمة الأولى، فإن الاستراتيجية الروسية في أفريقيا لم تتغير، وخطوطها العريضة هي استغلال الفراغ الذي تركه الغرب في مجال القوة والتأثير بتكلفة منخفضة وسياسة مختلفة عن الغرب".

مطمع إقليمي

بدوره، يعتقد الباحث في الشؤون الأفريقية، محمود مناع، أن" الصراع على القارة الأفريقية ليس قاصراً على القوى الكبرى فقط".

وأوضح لوكالتنا "هناك قوى إقليمية مثل تركيا وإيران وبعض الدول العربية تتنافس على التواجد داخل الدول الأفريقية"، لافتاً إلى أن "الكل يريد التواجد والسيطرة على أفريقيا لعظم ما تمتلكه من موارد فضلاً عن جودة وثراء هذه الموارد أيضاً".

بين الماضي والحاضر

وأشار الباحث إلى أن القارة الأفريقية كانت دوماً في عقل المستعمر الأوروبي بشكل عام"، لافتاً إلى أن "بداية الاهتمام بأفريقيا كانت في مرحلة الكشوف الجغرافية وبالتحديد من قبل إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وهي الإمبراطوريات التي تسعى لاكتشاف مناطق الثروات في العالم".

وبحسب مناع فإن "المرحلة من القرن 15 وحتى التاسع عشر شهدت تقاسم الامبراطوريات الكبرى للدول الأفريقية. فرنسا من جانب اهتمت بمنطقة الساحل غرب أفريقيا، وبريطانيا ركزت على مناطق الوسط وشرق أفريقيا، في حين اكتفت إيطاليا بتواجد ضئيل في القرن الأفريقي"، لافتاً إلى أن "مؤتمر برلين في القرن التاسع عشر كان شاهداً على تقسيم هذه المستعمرات لاستغلال موارد الدول الأفريقية".

وقال إن "ما يحدث الآن هو شبيه بما حدث في القرن التاسع عشر، ولكن التنافس الآن يحمل التودد للأفارقة بشكل مختلف".

وأشار إلى أن "الصين على سبيل المثال، قدمت خلال القمة الصينية الأفريقية 40 مليار دولار مساعدات مالية لدول القارة"، لافتاً إلى أن "بكين تعتمد استراتيجية اقتصادية وتجارية مكنتها من التوسع في القارة بشكل كبير، وهناك قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ 2017".

ولفت إلى أن "أمريكا تدرك حجم النفوذ الصيني بأفريقيا وتسعى لمحاصرته ولذا استضافت القمة الأمريكية - الأفريقية نهاية 2022. روسيا بدورها، تعزز وجودها وتسعى للتقارب أكثر من الأفارقة واستضافت القمة الروسية الأفريقية منذ أيام".

أما عن فرنسا فيؤكد الباحث أن "هناك تراجع للنفوذ الفرنسي في دول الساحل وخاصة مالي وبوركينا فاسو وحاليا النيجر"، معتبراً أن "مشهد الأعلام الروسية في العاصمة نيامي خير دليل على  ذلك".

ويعتقد الباحث أن "القادة الجدد بأفريقيا لديهم توجهات تعتمد على تحقيق المصالح للدول الأفريقية مع الدول الكبرى سواء كانت روسيا أو أمريكا أو الصين"، مشيرا إلى أن "النتيجة الحتمية لهذ التقارب بين الأفارقة والدول الكبرى هو التحول نحو نهاية التبعية للأصل الاستعماري بشكل كامل".

(ي ح)