العلاقات الروسية - التركية.. تاريخ طويل من المد والجزر

تعرضت العلاقات الروسية – التركية لشبه انتكاسة سياسية على خلفية قيام تركيا بعدة خطوات ترى فيها روسيا عدائية، ما يطرح أسئلة عديدة حول مصير التحالف الناشئ بين الطرفين.

العلاقات الروسية - التركية.. تاريخ طويل من المد والجزر
الخميس 20 تموز, 2023   03:00
مركز الاخبار- كيفارا شيخ نور

يُعرف عن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ورئيس دولة الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان على أنهما أكثر رئيسين كالا المديح والثناء لبعضهما البعض، على الرغم من الخلافات الكبيرة بين الطرفين، فروسيا هي وريثة الاتحاد السوفييتي وتسعى إلى الهيمنة على دول تسعى تركيا - وريثة العثمانيين وعضوة الناتو المعادي لروسيا- نفسها إلى الهيمنة عليها.

وانطلاقاً من ذلك، كيف يمكن قراءة طبيعة العلاقات التركية - الروسية؟ وهل أنقرة بصدد المضي نحو إقامة تحالف فعلي مع موسكو؟ أم ستعود إلى الحضن الغربي؟

أساسيات العلاقة

تعتمد غالبية الدول في علاقاتها مع الدول المحيطة على المصالح المتبادلة، ولكن طبيعة هذه المصالح باتت أكثر تعقيداً، وهي ما ينطوي عليها من مد وجزر في علاقات الدول فيما بينها، ولعل هذه الحالة بدرجة كبيرة، تنطبق على طبيعة العلاقة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان، فالبلدان يكادان يختلفان سياسياً في كل شيء، بدءاً من سوريا ومروراً بأرمينيا وليس انتهاءً بليبيا وأوكرانيا، إلا أن المصالح المتشابكة تجمعهما.

سمة العلاقة بين البلدين (روسيا وتركيا) تاريخياً، كانت العداء ووصلت في كثير من الأحيان إلى الاشتباك العسكري، وهو ما حصل أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث حاربت روسيا (القيصرية) تركيا(العثمانية)، وهو ما أسفر عن هزيمة البلدين، وانهيار نظامي الحكم القيصري والعثماني، ليرث الاتحاد السوفييتي الإمبراطورية القيصرية، وينهي كمال أتاتورك الحكم العثماني، وينشأ الجمهورية التركية.

بعد هزيمة العثمانيين وتأسيس الجمهورية التركية، ركنت تركيا في الحضن الغربي، وعلى الضد من السوفييت الذين استطاعوا مد نفوذهم إلى أقاصي الأرض في آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وخاصة بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية على الألمان، المد الشيوعي أرّق الغرب والذي بذل قصارى جهده كي يوقفه، عبر قبول عضوية تركيا في الناتو، بعد تمكّن الشيوعيين في سوريا والعراق والعديد من دول الشرق الأوسط، من التمدد في تلك البلدان.

كما لم يكتفِ الغرب بضم تركيا إلى الناتو لوقف المد الشيوعي، بل قام بتأسيس حلف بغداد، والذي اعتبر أحد الأحلاف التي شهدتها حقبة الحرب الباردة، أسس بتاريخ 24 شباط 1955 للوقوف في وجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط، وكان يتألف إلى جانب تركيا، من المملكة المتحدة العراق وإيران وباكستان.  

ونتيجة الدور الوظيفي الذي أوكل إلى أنقرة عبر سعيها إلى وقف المد الشيوعي، تدهورت العلاقات بين السوفييت وتركيا، ولكنها لم تصل إلى حد الاشتباك العسكري، طيلة الحرب البادرة.

مرحلة بوتين وأردوغان

على الرغم من انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتغيير الموازين الدولية، لم يساعد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي الذي عاشته تركيا وروسيا خلال التسعينات، البلدين في إحراز تقدّم ملموس في علاقاتهما، إلى أن أتى كل من بوتين وأردوغان إلى الحكم.

الوضع الاقتصادي المتدهور في روسيا وتركيا ساهم في تقريب الطرفين من بعضهما البعض، وذلك نتيجة لما تتيحه السوق الروسية من فرصة للصادرات التركية، أو لحاجة تركيا المتزايدة لمصادر الطاقة الروسية والسياح الروس.

إلا أن الأزمة السورية التي اندلعت آذار 2011، ونظراً لدور تركيا التخريبي في الأزمة السورية عبر إرسال وتسهيل مرور المرتزقة من كل حدب وصوب إلى سوريا وتحويل هذا البلد إلى حاضنة للتطرف والإرهاب، كل هذا ساهم في تناقض الآراء الحاد بين أنقرة وموسكو، حيث اتهمت حينها وزارة الدفاع الروسية عائلة رجب طيب أردوغان بالضلوع بشكل مباشر في تجارة النفط مع مرتزقة داعش.

وازدادت حدة العداء بين الطرفين خريف 2015، حيث أسقطت تركيا بتاريخ 24 تشرين الثاني، طائرة حربية روسية بالقرب من الحدود السورية، وهو واحد من أخطر الاشتباكات المعترف بها علانية بين بلد عضو في حلف شمال الأطلسي وروسيا منذ نصف قرن.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حينها، إن الطائرة هوجمت حينما كانت على مسافة كيلومتر داخل الأجواء السورية وحذر من عواقب وخيمة لما سماه "طعنة في الظهر" دبرها المتواطئون مع الإرهابيين. وقال بوتين: "لن نتهاون أبداً مع جرائم كتلك التي ارتكبت اليوم".

الفعل التركي وردة الفعل الروسية بفرض عقوبات الاقتصاد والسياحة التركية، لم يكن إلا تعبيراً عن الخلافات العميقة بين البلدين في الساحة السورية، حيث يقف على طرفي نقيض بخصوص دعم كل طرف الأرض السورية.

ولكن ارتباط تركيا بعلاقات تجارية واقتصادية وطيدة مع روسيا، على الرغم من انتماء تركيا إلى الحلف الأطلسي، هو الذي حال دون الاشتباك بينهما، وهو ما أجبر أردوغان على الاعتذار من الرئيس الروسي عن إسقاط الطيارة الروسية، عبر رسالة أرسلها بتاريخ 27 حزيران 2016 مفادها أن "الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقّى رسالة من نظيره التركي رجب طيب أردوغان يعتذر فيه عن مقتل الطيار الروسي قائد قاذفة سو-24 التي أسقطها سلاح الجو التركي في أجواء سوريا".

العلاقات الروسية – التركية تحت الاختبار

ساهم هذا الاعتذار في تحسين العلاقات ما بين الطرفين، كما ساعد الموقف الروسي من "الانقلاب" في رفع مستوى العلاقة بين البلدين، وذلك على حساب العلاقة الأميركية مع دولة الاحتلال، وذلك بعد أن امتنعت واشنطن تسليم أنظمة الباتريوت الأميركية لأنقرة، وهو ما حدا بالأخيرة - وبمنطق براغماتي بحت - بعقد صفقة مع روسيا تتضمن شراء أنظمة صواريخ روسية، وهو ما اعترضت عليه واشنطن، والتي بموجبه أخرجت واشنطن أنقرة من برنامج الطائرة إف-35، عقوبة لها على شراء منظومة إس-400 الروسية المضادة للطائرات.

وبغية إبعاد تركيا عن الولايات المتحدة والناتو ولشرائها منظومة إس-400 الروسية، كافأت موسكو أنقرة، بإفساح المجال أمام تركيا للقيام بعمليتين احتلاليتين في الشمال السوري، بموافقة روسية ضمنية ناهيك عن توقيع اتفاقية بناء خط الغاز الروسي المباشر عبر تركيا، ترك ستريم، في 2017، الذي افتتح رسمياً بوجود قادة البلدين بعد ذلك بعامين، ولاحقاً منحت روسيا عقد إنشاء أول مفاعل نووي تركي لتوليد الكهرباء.

ساهم هذا التوجُّه الروسي في العلاقة مع تركيا، في تغلغل الأخيرة أكثر في سوريا عبر مسار أستانا وبتسهيل روسي مفتوح، والذي انطلقت يومي 23 و24 كانون الثاني 2017، وانتهت في 20 و21 حزيران 2023 والذي كان يهدف لبسط سيطرة حكومة دمشق على المناطق التي خسرتها بداية الأزمة السورية، مقابل غض نظر روسيا عن الاحتلال التركي للشمال السوري للوصول إلى التطبيع بين حكومة دمشق ودولة الاحتلال التركي وذلك على حساب الشعب السوري، وضرب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

محطة أخرى ساهمت في وضع العلاقات الروسية التركية تحت الاختبار، ألا وهي التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، حيث حاولت أنقرة (العضو في الناتو) لعب دور الوسيط بين كييف وموسكو والتوصل إلى اتفاق البحر الأسود لتصدير الحبوب في تموز الماضي.

وتلا ذلك توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية بين الدولتين، ناهيك عن سعي روسيا إلى تحويل تركيا إلى مركز عالمي لتوزيع الغاز الروسي.

إلا أن الاختبار الأساسي للعلاقة بين الطرفين، كان اجتماع الناتو الأخير والذي عُقد في ليتوانيا على مدار يومين 11 و12 تموز، والذي ألغى فيه أردوغان اعتراضه (على الضد من رغبة بوتين) على عضوية السويد للناتو مقابل قبول عضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي والحصول على طائرات أميركية متطورة، في خطوة توحي بأن أنقرة بدأت تتجه غرباً وبأن شهور العسل مع الروسي انتهت.

(ي ح)