29 حزيران اليوم الذي اتخذ قرار صهر وتذويب الوجود الكردي

يؤكد القائد عبد الله أوجلان: "أن قرار إعدام الشيخ سعيد ورفاقه أدى بالجمهورية إلى الاستبداد وإلى إنكار الوجود الكردي وسياسة الصهر والتذويب القسري في العلاقات الكردية التركية، فقد سحقت تماماً علاقات الشعبين اللذين خاضا التحرر الوطني معاً".

29 حزيران اليوم الذي اتخذ قرار صهر وتذويب الوجود الكردي
الخميس 29 حزيران, 2023   01:42
مركز الأخبارـ أحمد سمير

مع وضع الحرب العالمية أوزارها، وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، أطلق كمال أتاتورك ما تعرف بحرب التحرير الوطنية، انضم إليها الكرد بعد وعود مزيفة من أتاتورك بمنحهم حكماً ذاتياً في باكور كردستان (شمال كردستان).

على الرغم من جهود الكرد في حرب الاستقلال، أنكرت تركيا التي نشأت حديثاً، أي حقوق ووجود للكرد، واعتبرتهم أتراكاً يسكنون الجبال، واتجهت لطمس هويتهم عن طريق إجبارهم على التخلي عن لغتهم الكردية والتحدث باللغة التركية بدلاً عنها. وغيّرت من هندسة مناطقهم واستبدلتها بأسماء تركيا، وأجبرت الكثيرين على تغيير أسمائهم وتبديلها بأسماء تركية.

ويعود جوهر الصراع الكردي ـ التركي الناشب منذ 100 عام، إلى عدم اعتراف الأخيرة بالحقوق والهوية الكردية. منحت بنود اتفاقية سيفر 1920 الكرد حق تقرير المصير في مناطقهم، حتى جاءت اتفاقية لوزان 1923 وشطبت الكرد من الخريطة.

الاستعداد لتنظيم ثورة عارمة

أسس خالد بك جبرانلي جمعية حرية كردستان (AZADÎ)، 1920، ونسق مع قادة جمعية انبعاث كردستان لإرسال مذكرات إلى عصبة الأمم المتحدة (الأمم المتحدة) حول منح الاستقلال لكردستان، وحّدت الجمعية شتات الكرد في شمال كردستان، استعداداً لتنظيم انتفاضة ضد مقررات كمال أتاتورك.

في المقابل، شكّل مصطفى كمال أتاتورك (مجلس الأمة التركي العالي)، الذي ضم بعض الكرد، أمثال حسن خيري الذي أرسل مذكرة باسم الكرد إلى مؤتمر لوزان المنعقد في 23 تموز 1923، وزعم خيري أن الكرد لا يرغبون بالانفصال عن الأتراك، وعليه قرر المؤتمرون إلغاء فكرة استقلال كردستان عن تركيا.

في 29 تشرين الأول 1923، أعلن عن قيام الجمهورية التركية، ونصب مصطفى كمال أتاتورك رئيساً لها، هذا الإعلان أثار غضب الكرد، ومع مواصلة سياسة التتريك البيضاء، بدا الكرد ومعهم شعب المنطقة بفض الخلافات والنزاعات تمهيداً لثورة عارمة يستردون بها حقوقهم.

قرر قادة جمعية كردستان تنشيط حركتهم والاستعداد لتنظيم ثورة في كردستان، ولهذا الهدف اجتمع قادة الكرد في شمال وغرب وجنوب كردستان.

إعدام قادة الجمعية ومؤسسيها

كشفت السلطات التركية التحركات السرية للكرد، واعتقلت قادة الجمعية وأعدمت مؤسسيها، وقررت الجمعية في اجتماع لها اختيار الشيخ سعيد بيران رئيساً للجمعية، وكان له صلات مع الجمعيات والمنظمات والعشائر الكردية؛ والشيخ سعيد بيران من مواليد ناحية بالو في شمال كردستان 1865.

البدء بالمهام التاريخية

واستعداداً للقيام بالمهام التاريخية، وكسب دعم وتأييد الكرد للثورة، قام الشيخ سعيد بيران بجولة في مناطق كردستان، ودعا إلى الاتحاد والاتفاق. وعلى الرغم من الاختلافات القومية، ساهم الشيخ سعيد في عقد اتفاقات استراتيجية، مع (الآشوريين، والأرمن والشركس) وتكاتفوا معاً في مقارعة الاحتلال التركي، الذي اتبع سياسة الإبادة الجماعية وصهر الثقافات الأخرى وحصرها في البوتقة التركية.

البدء بالمعركة وتحرير مناطق عدة

خاض الشيخ سعيد عدّة معارك ضد الدولة التركية وقتل فيها عدداً من جنود جيش الاحتلال وأسر آخرين، وبعدها هاجم مقاتلوه الكرد نقاط تمركز الاحتلال وأعلنوا تحرير مدينة كينج في آمد واختيرت عاصمة مؤقتة لكردستان.

ذاع صيت الثوار وبدأت الثورة تنتشر كالنار في الهشيم في 14 مدينة كردية، انضم إليها الكثير من العشائر الكردية، قرر الشيخ سعيد التوجّه نحو آمد لتحريرها، وجوبه هذا القرار بإصدار الاحتلال قوانين وأحكام عرفية لإجهاض الثورة، وأرسل تعزيزات ضخمة إلى المناطق التي وطئتها أقدام الثوار الكرد.

محاصرة آمد

حرر الثوار الكرد الذي قُدّر عددهم بـ عشرات الآلاف مناطق واسعة بين محافظات موش، وإلازغ، وبتليس وآمد، فرض الثوار حصاراً خانقاً على مدينة آمد، لكنهم عجزوا عن دخول المدينة بسبب تحصين قوات الاحتلال لأنفسهم فيها.

أرسلت قوات الاحتلال أرتالاً عسكرية مدججة، بعدها أغلقت الحدود أمام الكردستانيين المناصرين للثورة في الأجزاء الأخرى من كردستان، وتمكنت قوات الاحتلال من رفع الحصار عن آمد، وبدأت عملية عسكرية واسعة أسفرت عن إنهاء الثورة.

كيف اعتقل قائد الثورة الشيخ سعيد؟

أواسط نيسان 1925، وقع قائد الثورة الشيخ سعيد بيران، وعدد من أعضاء اللجنة القيادية في كمين على جسر جار بهار في فارتو بولاية موش على ضفة نهر الفرات ليلاً، إثر خيانة دليل القافلة "قاسو"، عديل الشيخ سعيد، وابن عم خالد بك جبري الذي كان متوجهاً إلى السليمانية للقاء الشيخ محمود الحفيد وسمكو آغا شكاكي من أجل التنسيق وطلب الإمداد.

وبعد اعتقال الشيخ سعيد و46 من قادة الثورة، انطلقت أواخر أيار محاكمتهم واستمرت مدة شهر كامل، وبعدها قررت المحكمة إعدام قادات الثورة شنقاً حتى الموت.

"أحفادنا لن يخجلوا أمام الأعداء"

وأُعدم قائد الثورة شيخ سعيد ورفاقه في آمد في 29 حزيران 1925، وأمام حبل المشنقة قال الشيخ سعيد متباهياً: "إذا مُتّ فكل كردي سعيد، وسيخلصون كردستان ويخرجونها من أعينكم. لقد بلغت نهاية الحياة الطبيعية، لست نادماً على أنني الآن أضحي بحياتي في سبيل وطني ومن أجل شعبي ويكفينا أن أحفادنا سوف لن يخجلوا أمام الأعداء".

وبعد نشر نبأ اعتقال الشيخ سعيد وإعدامه من قبل دولة الاحتلال التركي، انهارت المقاومة على كافة الجبهات. وعلى الفور باشرت الدولة التركية إعدام ونفي وسجن الآلاف من الزعماء والباشاوات والبكوات ورؤساء العشائر والنخب الاجتماعية والوطنيين الثوار.

خلال عملية قمع الثورة، أعدم الاحتلال الآلاف من أبناء الشعب الكردي، ودمر المئات من القرى، ووفق بعض التقارير المنسوبة للجرائم التركية في تلك الحقبة، فقد تسبب الاحتلال في قتل أكثر من 15 ألف كردي، وتدمير 200 قرية، واتخذت سلطاته إجراءات من شأنها إضعاف الوجود الكردي في مناطقهم وتهجير السكان الأصليين إلى المدن الكبيرة واستبدالهم بأتراك.

رصاصة 15 آب بداية لأكبر عمليات الكرد

بعد قضاء دولة الاحتلال التركي على ثورة الشيخ سعيد، برزت عدّة ثورات وانتفاضات كانتفاضة ديرسم، إلا أن نمط القضية الكردية برز بشكل أكثر وضوحاً مع إطلاق حزب العمال الكردستاني الرصاصة الأولى في 15 آب 1984 في صدر الغزاة، وكانت بداية لواحدة من أكبر الثورات الكردية في كردستان، لتبدأ مواجهة عسكرية هي الأطول والأكثر استراتيجية منذ عقود وما تزال مستمرة حتى يومنا الراهن.

ذاع صيت ثورة حزب العمال الكردستاني في عموم كردستان، وتحولت إلى مصدر إلهام لعموم الديمقراطيين في كردستان والعالم، لذلك حاولت القوى الرأسمالية القضاء على الحركة عبر دعم تركيا بالعتاد والسلاح والعمل الاستخباراتي، وأبرم مؤامرات بشكل مستمر من أجل القضاء على قائد الثورة عبد الله أوجلان.

وفي عملية استخباراتية إقليمية ودولية مشتركة، اعتقل القائد عبد الله أوجلان في 15 شباط 1999، في نفس اليوم الذي أطلق فيه الشيخ سعيد شرارة الثورة 1925.

وبدأت محاكمة القائد عبد الله أوجلان في 31 أيار 1999، وفي 29 حزيران أصدرت المحكمة التركية حكماً تضمنت اتخاذ قرار حكم الإعدام بحق القائد عبد الله أوجلان، في مشهد مماثل لما حصل مع الشيخ سعيد بيران.

بهذه السياسة، أرادت دولة الاحتلال التركي تذكير الكرد بأحداث تاريخية وحال لسانها يقول: "لقد قضينا على ثورة شيخ سعيد بإعدام قادته، ونستطيع القضاء على ثورة حزب العمال الكردستاني بقرار إعدام القائد عبد الله أوجلان".

عقب القرار الذي صدر من السلطات التركية عمت مظاهرات عارمة في عموم أرجاء كردستان والعالم، أجبرت سلطات دولة الاحتلال على العدول عن قرارها بتخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد في تشرين الأول 2002.

ومنذ اعتقال القائد عبد الله أوجلان تفرض السلطات التركية المتعاقبة عزلة مشددة منافية للقوانين التركية والدولية، ولا ترد أي معلومة عن وضعه منذ أكثر من 27 شهراً. حيث تحظر السلطات التركية أسرته ومحاميه من اللقاء به بحجج واهية، وهي فرض عليه "عقوبات انضباطية" بحقه والتي يتم تجديدها كل 3 أشهر.

إمرالي أشبه بتابوت

إمرالي الرهيبة ذات الصيت السيئ والقريبة من تحطيم البنية الجسدية والنفسية للإنسان يستحيل العيش فيها، تحولت إلى منطقة عسكرية محظورة شديدة الحراسة، أنشئ نظام جديد لاتباع سياسات خبيثة لكسر إرادة القائد عبد الله أوجلان الذي وصف الأوضاع فيها بمثابة وضع الإنسان حياً داخل تابوت.

ويتحدث القائد عبد الله أوجلان في مرافعته (من دولة الكهنة نحو الحضارة الديمقراطية)، أن: "إعدام الكردي وإبادته ونفي وجوده، يعني إغلاق أهم الأبواب في وجهها، علماً بأن متطلبات العصر لم تعد تقبل بأن يرتضي الكرد لأنفسهم قرار الموت. إن قرار إعدام الشيخ سعيد ورفاقه أدى بالجمهورية إلى الاستبداد وإلى إنكار الوجود الكردي وسياسة الصهر والتذويب القسري في العلاقات الكردية التركية، فقد سحقت تماماً علاقات الشعبين اللذين خاضا التحرر الوطني معاً".

ونوّه القائد عبد الله أوجلان: "في المحكمة قمت بذكر عام 1925 مرة أخرى، وأكدت على أن السبيل السليم هو استنباط الدروس من التاريخ، ففي هذه المرة سيتحول قرار الموت الصادر على التمرد الكردي وعلي أنا إلى سلام مشرف وأخوة ذات مضمون يخيّم على الجمهورية".

يجب إعادة العلاقات إلى مسار الأخوة التاريخية

وشدد القائد عبد الله أوجلان: "يجب أن يكون هدف الجميع هو أن تدخل العلاقات بين الثنائي الكردي ـ التركي بالسلام إلى مسار الأخوة التاريخية والبحث عن ذلك في الوحدة والسلام المشرف".

وأوضح القائد عبد الله أوجلان: "عندما قامت أوروبا بالتصديق على تأسيس الجمهورية التركية في لوزان، يقوم عصمت إينونو بنقاش المسألة الكردية ويقيم الأوضاع على شكل "نحن الأتراك والكرد معاً (...)"، ما يدل على أن للكرد أيضاً مطالب ثقافية على الأقل لا يمكن إنكارها، وبذلك تعود الجمهورية عن خطأ تاريخي".

ويؤكد القائد عبد الله أوجلان: "لقد قام الكرد بخدمة الأتراك على الأغلب وعلى مدى التاريخ، ولا يمكن أن يكون ثمن ذلك إنكار الوجود والحرمان من كل حقوقه المعاصرة، والقيام بالتلويح بقرار الموت فوق رؤوسهم مثل سيف ديموقليس هو أمر غير ممكن على الإطلاق، بل يجب الالتزام بالعظمة وإثبات الاخوة من خلال القيام بمتطلباتها".

(أ ب)

ANHA