إعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية مع أطراف متناقضة.. أسبابها ونتائجها

مع وصول محمد بن سلمان إلى العرش في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2015، ظهر فجأة نهج إقليمي أكثر تبايناً لسياسات متداخلة، وحمل تحولات سياسية جديدة، وعلاقات مع أطراف متناقضة كروسيا والصين وأميركا، إضافة إلى مصالحتها مع إيران. ما الأسباب وما النتائج المترتبة على هذه التحالفات؟

إعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية مع أطراف متناقضة.. أسبابها ونتائجها
الإثنين 12 حزيران, 2023   00:12
بيروت – زياد ابو غزالة

يُجمع كثير من المحللين والمختصين بالشأن الخليجي، أن ثمة تغيرات ملحوظة في السياسة الخارجية السعودية، والتي شهدت تحولات عدة على مدار العامين الأخيرين. ويبدو الأمر كما لو أن ثمة مراجعة وإعادة تقييم لهذه السياسة، وذلك على قاعدة "المكاسب والخسائر"، وبشكل بدت معه هذه السياسة أكثر انفتاحاً وبراغماتية، لكنها بالوقت نفسه تطرح أسئلة عن سبب إقامة تحالفات مع دول وأطراف متناقضة.

ولعل السؤال المركزي الذي تطرحه هذه التغيرات، يتعلق بأسبابها ودوافعها، وعما إذا كانت بالفعل تحولات جوهرية واستراتيجية، أم أنها مجرد تغيرات تكتيكية مؤقتة، تصب بمصالحها الشخصية، في المقابل تطرح أسئلة عن الأسباب التي تدفع هذه الدول لإقامة علاقات مع السعودية.

/ar/uploads/files/2023/06/11/191758_aly.webp

يقول الكاتب والمختص بالشأن الخليجي، علي مراد، إن: "هناك كثيراً من الأسباب التي تدفع هذه الدول لإقامة علاقات جيدة مع السعودية. أولها أن السعودية دولة ذات دور قيادي في المنطقة العربية بفعل نفوذها القوي وقدرتها على تحريك جزء مهم من الدول العربية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية".

وأضاف مراد لوكالتنا أن: "مقدسات المسلمين الأهم موجودة في الأرض التي تحكمها السعودية، وبالتالي من الطبيعي أن تسعى هذه الدول إلى الاستفادة من قدرة السعودية على التأثير في الساحة الإسلامية. إضافة إلى أن السعودية دولة عظمى طاقوية، فهي من المنتجين النفطيين الثلاث الأكبر عالمياً، ولها قدرة على التحكم بأسعار النفط وفق مصالح وتحالفات (تحالف أوبك +)".

ويتابع مراد بالقول: "يمكن فهم الأسباب الاقتصادية لسعي دول مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتحسين علاقتها بالرياض وضمان التوصل إلى تفاهمات واتفاقات تضمن مصالحها الطاقوية".

وأكد مراد أن: "في العلاقات الدولية اليوم هناك مفهوم (الدول المتأرجحة)، الذي بات يُروج، والسعودية تعتبر أنها مؤهلة لتكون من هذه الدول. دول تنسج علاقات مع القوى الصاعدة (روسيا والصين) وتبقي على علاقاتها مع دول الغرب، لا سيما أميركا. سيكون لهذه الدول (الهند، وتركيا، والبرازيل، والسعودية) تأثير مهم على تشكل النظام العالم الجديد، وهو ما يدفعها إلى الحرص للبقاء على علاقات جيدة مع جميع القوى العالمية الأخرى لضمان أكبر قدر ممكن من الاستفادة من الجميع، وتجنب الانخراط في الأحلاف والانحياز لمحور دون آخر".

هذا من جهة، فماذا عن بعض الدول الداعمة لجماعة "الإخوان المسلمين"، مثل تركيا وقطر وإيران.. هل من الممكن أن يعزز نهج السعودية الجديد، التقارب السياسي مع أعداء الماضي القريب، كـ "حركة حماس" في فلسطين، و"حزب الإصلاح" في اليمن، و"الإخوان المسلمين" في سوريا؟

يقول المختص بالشأن الخليجي، علي مراد، لوكالتنا إنه: "من خلال اعتماد السعودية سياسة تصفير المشاكل، والانفتاح الذي كان باتجاه قطر وتركيا خلال العامين الماضيين، وتحديداً الدور المهم للسعودية في دعم الاقتصاد والعملة التركية قبل الانتخابات الرئاسية، يبدو واضحاً التوجه الذي يعتمده ولي العهد السعودي تجاه الدول التي احتضنت تيارات الإخوان المسلمين".

وأضاف مراد أن: "النظام في السعودية يحاول ترسيخ العلاقة مع الدول والحكومات بمعزل عن الإيديولوجيا. وهذا يعني بالضرورة أنه حيثما وجد صانع القرار السعودي مصلحة في العلاقة مع حركة تتبنى الفكر الإخواني سيفعل، وحيثما فرضت مصالحه تباعداً سيبتعد".

"البراغماتية المصلحية"

وأكد مراد أننا: "أمام مرحلة لافتة في السياسة الخارجية السعودية عنوانها "البراغماتية المصلحية". اليوم، بما أن مصالح الرياض في التصالح مع إيران بعد تركيا وقطر، تستوجب التراجع خطوة إلى الوراء في ملف التطبيع، سنجد مؤشرات إيجابية من السعودية تجاه حماس".

"أما في اليمن، فحزب الإصلاح تقريباً في جيب السعودية ولا مشكلة بين الطرفين". يؤكد مراد: "جزء كبير من قيادات الإصلاح لا تزال تسكن في الرياض. أما في سوريا فأيضاً هناك تطبق القاعدة البراغماتية نفسها، المصالح الآن أخذت الرياض إلى دمشق وبالتالي ستكون علاقتها مع إخوان سوريا في تراجع".

وأمام هذه السياسات والعلاقات مع الأطراف المتناقضة، يبقى السؤال الأهم، ما التحديات والمخاطر التي ستواجه مستقبل استقرار السعودية الداخلي بسبب هذه السياسة؟

قال علي مراد إن: "التحدي الأبرز أمام استقرار النظام في السعودية سيكون من الولايات المتحدة الأميركية، مع تحسن علاقة الرياض بإيران وباقي جيرانها، وأيضاً تطوير العلاقة مع الصين وروسيا".

وأضاف مراد أن: "مشكلة الرياض هي أن واشنطن تريدها في معسكرها بشكل طبيعي، والهامش الذي نشأ بعد الحرب في أوكرانيا يستفيد منه ابن سلمان بشكل جيد". لكن السؤال يبقى، هل ستسلم أميركا بسهولة بحقيقة أن تخرج السعودية من دائرة "حلفائها الطبيعيين" وتقبل بأن تدخِل الصين إلى المنطقة من البوابة العريضة بالشراكة مع إيران؟

قال مراد: "هنا مكمن الخطر على استقرار السعودية، لكن في نهاية المطاف محمد بن سلمان قوى نفسه داخلياً ويحكم بالقبضة الحديدية، وبالتالي من الصعب على أي جهة أن تنقلب عليه حتى وإن كانت هذه الجهة تحظى بدعم الغرب، والأميركيين تحديداً؛ لأن هذه الخطوة سينتج عنها حالة فوضى وعدم استقرار ولن يكون في مصلحة واشنطن أبداً، وهو خط أحمر لن يقبل بتجاوزه الأميركيون؛ لأنهم يصنفون الحكم في السعودية كحاجة لمصالحهم، حتى وإن كان يناور وينوع علاقاته".

(ي ح)

ANHA