سؤاله "من هم الرفاق؟" أوصله إلى ذروة الثوريّة

منذ أن كان طفلاً صغيراً كانت الأسئلة تدور في رأسه، عن عمه الشهيد جبار، عن الأشخاص الذين يزورون منزل أهله، يريد أن يعرف من هم الرفاق. هكذا بدأ الشهيد آمد عنترية مسيرة البحث عن الحرية، مسيرة بدأت بالانخراط في صفوف الشبيبة والانضمام إلى وحدات حماية الشعب، حتى وصلت ذروتها، عندما استشهد أواخر أيار الفائت.

سؤاله "من هم الرفاق؟" أوصله إلى ذروة الثوريّة
سؤاله "من هم الرفاق؟" أوصله إلى ذروة الثوريّة
سؤاله "من هم الرفاق؟" أوصله إلى ذروة الثوريّة
سؤاله "من هم الرفاق؟" أوصله إلى ذروة الثوريّة
الأربعاء 7 حزيران, 2023   03:23
قامشلو ـ مصطفى علو

آمد عنترية (كادار عبد الرحيم عيسى) وُلد في بدايات الربيع، في يوم كانت فيه السماء صافية، كانت الساعة تشير حينها إلى حوالي 22:30، أزهر كما تزهر الورود في آذار عام 1998 في مدينة قامشلو، وسبقه إلى الحياة أخوان، وخلفه أخوان إلى جانب صغيرة الأسرة، وهي شقيقته الوحيدة.

طفولة مليئة بالتساؤلات

ابن الربيع أبصر النور في منزل يشبهّه والده عبد الرحيم من مواليد 1966، بمقرّ لحزب العمال الكردستاني؛ لأنه لم يكن يخلو من كوادر وكادرات حزب العمال الكردستاني عام 1987، وهو العام الذي يشير إليه عبد الرحيم كتاريخ لبداية تعرّف الأسرة على حركة التحرر الكردستانية.

كادار الطفل كان رأسه مليئاً بالأسئلة، وكانت صورة عمّه الشهيد جبار (عبد الجليل عيسى) المعلّقة في إحدى غرف المنزل كثيراً ما تثير فيه الفضول. يسأل والديه عن عمه الشهيد ويسأل رفاق ورفيقات دربه في كل زيارة لهم إلى منزلهم، ليعلم أن عمه الذي انضم إلى صفوف حركة التحرر الكردستانية عام 1992 استشهد أواخر عام 1999 في خاكوركه بمناطق الدفاع مديا.

كما كانت النقاشات التي يجريها الثوار والثائرات في منزلهم مصدر جذب له، وكان كادار يجالسهم ويسأل عن أهدافهم وعن الحياة في الجبال، لتداعب مخيلة الطفل الصغير أحلام كبيرة كانت تكبر في جبال كردستان الشامخة وتشق طريقها كنهر هائج في سهول روج آفا.

من قصة عمّه الشهيد، لثم كادار أولى نفحات الحرية وهو الذي أقبل على الدنيا في شهر الزهور، شهر نوروز، يوم الانبعاث بالنسبة للشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الكرد.

من قصة عمّه الشهيد، ارتسمت ملامح مسيرة كادار عبد الرحيم عيسى، ليبدأ هو بعد سنين قليلة بكتابة قصته وشق دربه النضالي، بعدما أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة عثمان بن عفان ودرس الصف السابع الإعدادي في مدرسة بديع الزمان الملاصقة لمدرسته الابتدائية بحي العنترية في مدينة قامشلو.

مسؤولية مبكّرة

في المدرسة، كان محبوباً بين رفاقه ومدرّسيه، لكنّه لم يجد ضالته على مقاعد الدراسة ليكون الصف السابع الإعدادي نهاية رحلته مع المدرسة التي كان عندما يعود منها، يُحدث صخباً وحركة محبوبة كانت بمثابة الجرس الذي يعلن لجيرانه وأسرته عودته إلى المنزل كما تقول والدته ليلى محمود من مواليد 1976، والتي تتذكر أيضاً كيف كان يساعدها كادار في الأعمال المنزلية وكان يتعاطى بمسؤولية مع والديه وكامل أفراد أسرته.

من شبّ على شيء شاب عليه، وهكذا كان كادار الذي شبّ على تحمّل مسؤولية الأسرة، ليسمو بعدها بمسؤوليته إلى تحمّل مسؤولية تحرير الوطن.

الانضمام للنضال التحرري

في سنّ مبكرة ومع البدايات الأولى لثورة شمال وشرق سوريا في 19 تموز، انخرط في صفوف الشبيبة وعمل بنشاط في صفوفهم، لينقل ما تعلمه ممن سبقه في درب الكفاح إلى من جاؤوا من بعده؛ ويساهم في انضمام عدد من الشبيبة إلى حركة التحرر الكردستانية، كما يذكر رفيق طفولته ودربه في النضال باز قامشلو.

في عام 2013، ومع هجمات المجموعات المرتزقة التابعة لدولة الاحتلال التركي على ناحية تل حميس التابعة لمقاطعة قامشلو، اضطرت أسرة كادار للذهاب إلى تركيا، ولكن شقيقه الأكبر، محمد، لم يهدأ له بال ووطنه يتعرض للهجمات وهدد والدته بالانتحار في حال رفضت العودة إلى روج آفا مرة أخرى، لكن ذلك الموقف لم يبقَ لمحمد وحده بل تبناه كادار أيضاً.

ومع عودة الأسرة إلى قامشلو، انضم كادار إلى صفوف وحدات حماية الشعب وبالتحديد في طابور الشهيد صبري؛ وأطلق على نفسه اسم آمد عنترية، ليشارك هو أيضاً في حمل راية النضال من أجل تحرير الوطن من المحتلين والتصدي لهجمات المعتدين، سواء كانت الدولة التركية الفاشية أو المجموعات المرتزقة التابعة لها بمختلف مسمياتها.

مشاركة في جميع الحملات العسكرية

من قامشلو ونواحيها إلى الحسكة وريفها، إلى كوباني ومنبج والطبقة والرقة ومقاومة العصر في عفرين ومقاومة الكرامة في سري كانيه وتل أبيض وحملة تحرير الباغوز آخر معاقل مرتزقة داعش، شارك آمد عنترية في جميع حملات التحرير والمقاومة ضد دولة الاحتلال التركي والمجموعات المرتزقة.

وفي مقاومة كوباني تعرض لإصابات بليغة في الظهر وبعض الرضوض في منطقة الرأس نتيجة انفجار لغم بسيارة كان يستقلها ليعمل بعدها كمسعف عسكري، ولكنه يصرّ على المشاركة في الأعمال القتالية، كما فعل في منطقة هجين بريف دير الزور الشرقي خلال حملة التحرير عام 2019 ويذكر رفيق دربه جوان جاف رش، كيف ترك سيارة الإسعاف فجأة وانتقل إلى عربة مدرعة للمشاركة في القتال إلى جانب رفاقه ورفيقاته.

تضحية وإيثار

بينما تنقل والدة الشهيد آمد عن إحدى رفيقاته في النضال، حضرت مراسم عزائه، كيف أنها أصيبت خلال مقاومة الكرامة في منطقة سري كانيه في تشرين الأول عام 2019 وكيف أنقذها الشهيد آمد على الرغم من إصرارها عليه للابتعاد؛ حفاظاً على حياته إلا أن الشهيد آمد قال لها "سأنقذك حتى لو أدى ذلك إلى استشهادي".

كان متأثراً جداً بمقاومة سرزوري في كوباني، وكان يقول لوالده عبد الرحيم إن كل فرد يجب أن يقرأ عن سرزوري، وكان يصفها بالملحمة.

أَحبّ وطنه لدرجة العشق، ورفض أي فكرة تُطرح عليه للسفر إلى أوروبا، ينقل عنه والده أنه كان يقول "لن أترك القطار في منتصف الطريق، المسيرة يجب تتواصل".

وكان رافضاً فكرة الزواج؛ لأنه كان قد قرر أن يمنح كامل حياته للنضال والوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه لرفاقه ورفيقاته الشهداء بمواصلة النضال.

ليس هذا وحسب، بل كان شديد السرية عندما يتعلق الأمر بنشاطه في صفوف وحدات حماية الشعب، وهو أمر ذكره والداه ليلى وعبد الرحيم.

أما عندما كان يتعب أو يتعرض لبعض الكدمات خلال عمله، فإنه كان كتوماً ولا يشكو لأسرته آلامه ويرفض أن يتلقى منهم أي أموال.

الدفاع عن شنكال

لم يكتفِ آمد عنترية بالدفاع عن مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا، وعندما هاجم مرتزقة داعش قضاء شنكال 2014، كان من أوائل المقاتلين والمقاتلات الذين هبوا لنجدة الإيزيديين في شنكال وفتحوا ممراً آمنا لهم إلى روج آفا، في وقت كان فيه المسلحون التابعون للحزب الديمقراطي الكردستاني والجيش العراقي يتسابقون بين بعضهم البعض على الفرار من شنكال.

قريب من الجميع

على صعيد العلاقة مع رفاقه ورفيقاته، كان قريباً من الجميع ويولي أهمية خاصة لجرحى وجريحات الحرب ويزورهم باستمرار وكان يزور الجرحى والجريحات في كل فرصة تتاح له.

مهارة في استخدام مختلف صنوف الأسلحة

كما كان قريباً من المكون العربي، ويدخل معهم في النقاشات ويعرّفهم على الثورة وأهمية النضال وكان سبباً في انخراط الكثيرين منهم في صفوف النضال في شمال وشرق سوريا، أو أصبحوا كوادر في صفوف الكريلا، كما يقول رفيقه، جوان جاف رش، الذي يذكر كيف كان آمد يستخدم بمهارة وحرفية أسلحة الدوشكا والكلاشينكوف وقاذف (RBG) وسلاح (B K C).

ويتذكر رفيقه كابار عنترية الذي تعرّف عليه عام 2011، كيف كان آمد عنترية يؤدي عمله بحب خلال وجوده في صفوف الشبيبة ويتناقش معهم حول الثورة وضرورة الانضمام إليها ويمنحهم معنويات عالية.

لم يكن آمد ينتظر توجيهات من أحد ليلبي نداء الواجب، وكان من أوائل الذين شاركوا في إنقاذ الجرحى في مقاومة الكرامة في سري كانيه، يضيف كابار عنترية.

بينما يقول رفيق طفولته ودربه باز قامشلو والذي قابله قبل ساعات من استشهاده، إن الشهيد آمد كان حاضراً في كل مناسبة ويساعد كل من يحتاج إليه ويذكر كيف كان يؤدي نوبات الحراسة عن كل رفيق كان يتعذر عليه تأديتها.

واستشهد المقاتل آمد عنترية في حادث سيرٍ تعرض له في 30 أيار الفائت بالرقة، عندما كان يؤدي واجبه، وفقاً لبيان لقوات سوريا الديمقراطية.

(آ)

ANHA