مفتعل الأزمات يفوز بالانتخابات

سيواجه رئيس دولة الاحتلال التركي رجب طيب أردوغان، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، العديد من الأزمات السياسية التي خلقها هو بنفسه، لكن السؤال الأهم هو كيف سيتعامل أردوغان مع هذه الأزمات التي افتعلها هو بنفسه؟

مفتعل الأزمات يفوز بالانتخابات
الإثنين 29 مايو, 2023   21:45
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

انتهت الانتخابات الرئاسية التركية الأهم في تاريخ هذا البلد، منذ تأسيس الجمهورية، بفوز رجب طيب أردوغان لفترة رئاسية ستستمر لخمس سنوات أخرى، وبفارق ضئيل على منافسه كمال كيليجدار أوغلو، فبالإضافة إلى السياسة، فإن العامل الاقتصادي هو أحد أهم العوامل ـ إن لن يكن أهمها ـ التي سيكون لها تأثير على النتائج من جهة، وكذلك على مرحلة ما بعد الانتخابات.

وقد تراجعت قيمة الليرة التركية واقتربت من حدود 20 ليرة للدولار الأميركي الواحد، نتيجة سياسات أردوغان الاقتصادية التي يصر على مواصلتها بعد الانتخابات، وهي محطة من محطات أخرى تراجعت فيها الليرة إلى مستويات قياسية، كما بدأت الأنظار تتجه الآن إلى احتياطيات العملات الأجنبية، وذلك في ظل غياب المناخ الآمن للمستثمرين، وتراجعت بدورها مؤشرات البورصة في تركيا.

السياسة الاقتصادية لأردوغان، وحسب وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني العالمية، أبعدت المستثمرين عن الاستثمار في تركيا، وأدت إلى انخفاض مؤشر التخلف عن سداد الديون الخارجية، وإلى استمرار التضخم وانخفاض قيمة العملة، لذلك تتوقع وكالة التصنيف الائتماني "موديز" أن يستمر أردوغان في سياسته الاقتصادية غير التقليدية، مما سيعمق من خسائر الاقتصاد التركي.

كما وصلت معدلات التضخم إلى ما فوق الـ 80% تموز الماضي، والتي انخفضت إلى 43.68 الشهر الماضي، والتي ما زالت مرتفعة وتنهك كاهل المواطن العادي في تركيا.

وفي 21 تشرين الثاني 2021، تم وضع تركيا على "القائمة الرمادية" من قبل لجنة مكافحة غسيل الأموال، حيث خُلِصَ إلى أن إجراءات مكافحة غسيل الأموال غير كافية.

وفي ظل غياب الثقة في الاقتصاد التركي وسياسات المتحكمين به، تتلقى الليرة التركية الكثير من الصفعات، فجزء كبير من تراجعها هو ناجم عن الدولرة، حيث يتوجه الأتراك لتحويل مدخراتهم إلى الدولار.

التراجع والتقدم الاقتصادي في تركيا هو نتيجة طبيعية ويتأثر ذلك بشكل كبير بالأحداث السياسية في هذا البلد، وهي رهينة لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية.

سياسات أردوغان

حقق الاقتصاد التركي قفزات جيدة بداية 2003 وحتى العام 2011، ويرجع ذلك إلى تبنّي أردوغان بداية حكمه سياسة صفر مشاكل، والذي ما لبث أن تخلى عنها مع بدايات الربيع العربي وتحول من سياسة صفر مشاكل إلى صفر أصدقاء.

في البداية عملت تركيا، العضو في الناتو على استغلال المظاهرات المطالبة بالتغيير في تونس ومصر، فوجّه بدعم الإخوان المسلمين، في هذين البلدين، والتي بفضله (التدخل الناعم) تحولت الثورة المصرية الساعية للتغيير إلى ثورة مضادة أرجعت مصر وتونس عشرات السنوات إلى الوراء، كما ساهم بشكل كبير عبر التدخل الخشن في ليبيا وسوريا في نشر الفوضى والدمار والقتل في هذين والبلدين عبر تكريس غالبية الميزانية التركية في خدمة آلة حربها الخشنة والناعمة وعلى عدة جبهات في الشرق والغرب، وكذلك في دعم آلاف المرتزقة في سوريا وليبيا وأذربيجان، وهو ما خلق العديد من العداءات في أنحاء المنطقة.

ولذلك، فإن استمرار الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السيئة وانخفاض سعر الليرة سيؤثر على مستقبل هذا البلد، وسيحوله من اقتصاد ضمن اقتصادات الدول الكبرى إلى اقتصاد ضعيف وثانوي.

أردوغان والقضايا المحيطة

تحت حكم أردوغان، استعرضت تركيا قوتها الخشنة في سوريا والعراق وليبيا وأرمينيا، فقد احتلت أجزاء كبيرة من سوريا والعراق وقامت بعمليات تغيير ديمغرافي داخل سوريا، وأرسلت المرتزقة إلى ليبيا وأذربيجان، ناهيك عن دعمها المباشر لمرتزقة داعش والقاعدة.

كما شهدت السنوات العشر الماضية، سلسلة من المواجهات الدبلوماسية مع دول المنطقة، السعودية ومصر والإمارات (بخصوص دعم أنقرة للإخوان) واليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية بشرق البحر المتوسط.

وحاول أردوغان اللعب على الحبلين الروسي والأميركي، حيث اشترى أنظمة دفاع جوي روسية، ووضع العراقيل في ضم بعض الدول إلى حلف الناتو، إلا أنه ما زال يواصل سياسة الفوضى الخلاقة الأميركية في المنطقة، كما توسطت تركيا في اتفاق سمح بتصدير القمح الأوكراني عبر البحر الأسود، ناهيك عن إرسال أسلحة تركية للجيش الأوكراني.

ماذا عن العلاقة التركية - السورية

تطبيع العلاقات بين دولة الاحتلال التركي مع حكومة دمشق قضية مهمة، عمل عليها أردوغان منذ قمة طهران الثلاثية في 19 تموز 2022، بالإضافة إلى قضية عودة اللاجئين السوريين، حيث سيعمل أردوغان في الفترة القادمة على إرضاء شريحة القوميين المتطرفين عبر طرد اللاجئين السوريين، إلا أن هذا الأمر سيحد من المساعدات المالية الأوروبية المرسلة إلى تركيا (للحد من الهجرة)، وهو ما سيشكل مأزقاً اقتصادياً لتركيا المتأزم أصلاً.

حكومة دمشق مصرة على انسحاب القوات التركية من سوريا كشرط مسبق لأي تطبيع وأي لقاء بين بشار وأردوغان، إلا أنه من غير المرجح أن ينفذ أردوغان هذا الشرط، والذي سيؤدي في حال تنفيذه إلى إضعاف مرتزقة "الجيش الوطني السوري" وتغيير الوضع في إدلب، حيث تسيطر مرتزقة "هيئة تحرير الشام"، وهو ما سيضعف تركيا على طاولة المفاوضات اللاحقة، وخاصة أن موقف حكومة دمشق بات أقوى في ظل عودة العلاقات بين الأخيرة والدول العربية الرئيسة (السعودية ومصر والإمارات) الرافضة للاحتلال (للوجود العسكري التركي) في سوريا والعراق.

(ي ح)