​​​​​​​مناورات ورسائل.. لماذا أوقف البرلمان الليبي فتحي باشاغا وما مصير الانتخابات؟

شهدت الأزمة الليبية، خلال اليومين الماضيين، تطوراً جديداً تمثل بإعلان البرلمان إيقاف رئيس الحكومة المكلف فتحي باشاغا عن العمل وإحالته للتحقيق، فما هي مؤشرات وأهداف ذلك؟

​​​​​​​مناورات ورسائل.. لماذا أوقف البرلمان الليبي فتحي باشاغا وما مصير الانتخابات؟
الجمعة 19 مايو, 2023   02:22
القاهرة – محسن المصري

يأتي القرار في ظل حالة انقسام حاد تشهدها الأزمة الليبية في ظل وجود حكومتين بالبلاد، واحدة في الغرب وتطلق على نفسها حكومة الوحدة الوطنية ويرأسها عبد الحميد الدبيبة الذي يرتبط بعلاقات قوية مع تركيا، في حين يرأس باشاغا الذي تم إيقافه عن العمل بقرار برلماني حكومة الشرق المدعومة من الجنرال خليفة حفتر.

أزمات ليبيا

وعلى مدار شهور، فشلت الحكومتان معاً في تأمين إجراء الانتخابات، التي لطالما كان يعوّل عليها المجتمع الدولي والأمم المتحدة والليبيين أنفسهم من أجل نقل البلاد إلى المسار الديمقراطي، بعد سنوات تعدّت العشر من الحرب والفوضى والإهمال وتدنّي الخدمات في كامل ربوع البلاد.

وبعيداً عن أزمات حكومة الدبيبة، التي يعتبرها البعض فاقدة للشرعية، تتعرض حكومة باشاغا التي عيّنها البرلمان العام الماضي ودعمها، منذ أشهر للعديد من الانتقادات، عقب إخفاقها المتكرر في دخول العاصمة طرابلس والعمل من هناك، وتلقّيها اتهامات بإهدار المال العام، فضلاً عن فشلها في تأمين المصادر اللازمة لتمويل الموازنة الخاصة بها، لامتناع مصرف ليبيا المركزي الخاضع لحكومة الدبيبة عن مدّها بالأموال المطلوبة لتسيير أعمالها.

قرار البرلمان الليبي

وبحسب وسائل إعلام ليبية فإنه عقب إعلان باشاغا تنحيه وتعيين نائبه علي القطراني لرئاسة الحكومة الليبية المكلفة من قبل مجلس النواب، في ذات اليوم قام مجلس النواب بإيقافه عن العمل وإحالته إلى التحقيق فوراً.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم البرلمان الليبي "عبد الله بليحق" أن حكومة فتحي باشاغا التي تشكلت العام الماضي بتكليف من مجلس النواب فشلت في الوفاء بتعهداتها التي كلفت بها. مشيراً إلى أن باشاغا لم ينفذ وعوده وفي مقدمتها العمل من داخل العاصمة الليبية طرابلس.

غضب داخلي

وأثار قرار البرلمان غضب خالد المشري، رئيس مجلس الدولة، الذي عبّر عن غضبه من قرار إيقاف رئيس الحكومة فتحي باشاغا عن العمل وإحالته إلى التحقيق، قائلاً في تغريدة عبر تويتر "يستمر مجلس النواب في عبثه السياسي، فبعد قيامه بحجب الثقة عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بدون التشاور مع المجلس الأعلى للدولة، وعدم اعتماده لميزانية عامة للدولة، الأمر الذي جعل حكومة الوحدة الوطنية تصرف الأموال وتستخدمها بلا رقيب ولا حسيب".

ودعا المشري في تغريدته مجلس النواب إلى الالتفات لما وصفه بـ مصلحة الدولة العليا بالاتفاق مع المجلس الأعلى للدولة على خارطة طريق واضحة تؤدي إلى الانتخابات في ظل حكومة موحدة صغيرة لغرض إجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية والكف عن الإسهاب في إصدار القوانين والتشريعات التي لا تتطلبها المرحلة الحالية".

وبحسب مراقبين، فإن قرار إيقاف باشاغا عن العمل يعبّر عن حجم الخلافات بين الأجسام السياسية في ليبيا، وسيكون له تأُثير على فكرة إجراء الانتخابات التي يسعى لها المجتمع الدولي.

استقطاب وخلافات

وقال الباحث السياسي الليبي أحمد عرابي "إنه لم يتم سحب الثقة من الحكومة، ولكن تم الاكتفاء بإيقاف باشاغا عن العمل وتكليف وزير المالية بحكومته أسامة حماد بمهام رئاسة الحكومة إلى حين انتهاء التحقيق مع باشاغا". لافتاً في الوقت نفسه إلى "أنه لم يتم الكشف عن طبيعة الاتهامات التي سيتم التحقيق فيها معه من قبل لجنة مشكّلة من مجلس النواب".

وأوضح لوكالتنا "هناك خلافات حول توزيع أموال الموازنة العامة الليبية، وهي كانت السبب وراء قيام باشاغا بتفويض نائبه القيام بجلّ مهامه، بعد إعلانه تعرضه إلى ضغوط كبيرة من تيارات سياسية مختلفة حول تصريف الموازنة العامة لليبيا".

وأشار عرابي إلى إنه "منذ فترة وهناك حالة استقطاب داخل مجلس النواب ما بين تيار مؤيد لباشاغا ويدافع عن بقائه، وآخر داعم للدبيبة ويريد الإطاحة بباشاغا وحكومته، وثالث يريد حكومة جديدة بعيدة عن المحاصصة".

مستقبل الانتخابات

ويعتقد الباحث الليبي "أن مستقبل الانتخابات في ظل هذه الخلافات الحالية وحالة الاستقطاب والتقارير التي تتحدث عن تزوير في الأرقام الوطنية للناخبين، يجعل إجراء الانتخابات قريباً في ليبيا أمراً صعباً جداً"، مشيراً إلى أنه "حتى لو تناست الكتل السياسية هذه الخلافات والتزوير وأجريت انتخابات بالفعل، فستكون مزورة وسيتم الطعن فيها بسهولة ولن يتم قبول نتائجها بالإجماع".

وبحسب الباحث، فإنه لا يمكن قراءة هذه الخطوة خارج سياق الإعداد والتحضير لإجراء الانتخابات بعد الضغوطات الدولية؛ لا سيما الأمريكية على جميع الأجسام السياسية لتحقيق هذه الغاية، لافتاً إلى أن هنالك الكثير من التطورات السياسية في الأيام القادمة قد تشهدها ليبيا، ولعل إيقاف باشاغا أولها وليس آخرها".

رسالة سياسية

من جانبه، أكد الباحث المصري المتخصص في الأزمة الليبية، علاء فاروق، أن قرار إيقاف باشاغا وإحالته للتحقيق يمكن توصيفه سياسياً بأنه محاولة من قبل رئيس البرلمان عقيلة صالح ومجلسه للتخلص من عبء باشاغا تمهيداً للتماشي مع التطورات الإقليمية والدولية الجديدة التي تدفع نحو الانتخابات، وذلك عن طريق تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة ذات مهام محددة.

وقال لوكالتنا: "التخلص من باشاغا ليس جديداً بل هو فكرة تتردد منذ فترة في أروقة البرلمان، خاصة بين التيار الذي يرى ضرورة إنهاء حكومة باشاغا، مثلما سحب البرلمان الثقة من الدبيبة، حتى يكون هناك مساحة للتحرك سواء بالتوافق على حكومة جديدة أو زيادة الضغط على الدبيبة محلياً ودولياً".

أما بخصوص تأثير إيقاف باشاغا على الانتخابات، فيعتقد الباحث المصري "أن التأثير قد يكون إيجابياً، كونها خطوة سيفسرها المجتمع الدولي الضاغط على عقيلة ومجموعته أنها مرونة من الأخير، في محاولة لمسايرة التغير الدولي في التعاطي مع الأزمة الليبية، أي أن الخطوة تمهد لتوافقات أكثر ومنح عقيلة فرص أكبر للمراوغة والتفاوض".

الدور الخارجي في الأزمة

وحول وجود دور خارجي أو سعودي بالتحديد في الأزمة خاصة بعد التقارب الأخير بين حكومة الدبيبة والرياض، يرى فاروق أنه لا علاقة للسعودية أو أي قوى أخرى بما حدث لحكومة باشاغا كون كل هذه القوى منذ البداية لم يعترفوا بباشاغا ولا حكومته، بل أغلقوا وجوههم في وجهه. حتى مصر التي ظن كثيرون أنها حليفة لباشاغا وداعمة لحكومته.

وحول توقعاته لمصير الانتخابات الليبية خاصة بعد إعلان المبعوث الأممي عبد الله باتيلي خطة لإجرائها هذا العام، أكد الباحث المصري أنه لا يعتقد أن تجرى الانتخابات خلال هذا العام لعدة أمور لوجستية وقانونية؛ خاصة بعد الكشف عن تزوير في الأرقام الوطنية وتشكيل النائب العام للجان نيابية للتحقيق في الأمر وضبط منظومة الأحوال المدنية وهو أمر قد يستغرق شهوراً عدة، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنه ربما ينجح المجتمع الدولي متمثلاً في البعثة الأممية في الضغط أكثر لتجري انتخابات برلمانية أول العام المقبل.

(ي ح)

ANHA