​​​​​​​العراق بعد "سانت ليغو".. قبول بالأمر الواقع أم هدوء ما قبل العاصفة؟

يكتنف الغموض مستقبل الانتخابات العراقية بعد تمرير البرلمان تعديلات على قانون الانتخابات وفق نظام "سانت ليغو"، والتي أثارت جدلاً واسعاً بين النواب والقوى السياسية؛ إذ يرجح مراقبون من أن العراق مقبل على احتجاجات شعبية بسبب "كسر إرادة" الشارع، فيما يرى آخرون أن التصعيد الشعبي وارد إلا أن دوره لن يكون فاعلاً في تغيير مجريات القضية.

​​​​​​​العراق بعد "سانت ليغو".. قبول بالأمر الواقع أم هدوء ما قبل العاصفة؟
الإثنين 3 نيسان, 2023   04:43
مركز الأخبار- جودي إسماعيل

عاد الهدوء النسبي إلى العراق، بعد مرور نحو أسبوع على إقرار البرلمان العراقي تعديلات على قانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات وفق نظام "سانت ليغو" المثير للجدل والذي تم تمريره فجر الإثنين 27 آذار/مارس بعد خلافات حادة بين النواب المعترضين ورئيس مجلس النواب، بالتزامن مع خروج مظاهرات رافضة شهدتها عدة مدن وسط وجنوبي البلاد في ظل انتشار أمني مكثف، فهل يمكننا أن نترجم هذا الهدوء على أنه قبول الشارع العراقي وبالأخص النواب المستقلين والقوى الناشئة بالأمر الواقع، أم هدوء ما قبل العاصفة؟

بداية، يعود مسمى نظام "سانت ليغو" إلى مبتكرها وعالم الرياضيات الفرنسي، أندريه سانت ليغو عام 1912، والذي يهدف إلى توزيع الأصوات على المقاعد الانتخابية في الدوائر متعددة المقاعد، وتقليل العيوب الناتجة بين عدم التماثل في الأصوات وعدد المقاعد المتحصل عليها.

ويعتمد "سانت ليغو" في طريقته الأساسية توزيع المقاعد على حاصل قسمة عدد الأصوات للقائمة الانتخابية على الأرقام الفردية 1، 3، 5، 7.. ويكون عدد هذه الأعداد الفردية وفق عدد المقاعد البرلمانية المخصصة لهذه الدائرة الانتخابية.

أما في طريقتها المعدلة فتم تعديل القواسم لتصبح 1.4، 3، 5، 7، 9..، وفي العراق تحديداً، اعتمد القانون أول مرة عام 2014، لكن القاسم الانتخابي في البلاد اعتمد على الرقم 1.9 آنذاك عوضاً عن 1.4.

وتكمن مشكلة نظام "سانت ليغو" في قانون الانتخابات العراقي المعدل والذي تم تمريره الإثنين الفائت، في القاسم الانتخابي الأول 1.7 المقر في القانون، وهو ما يرى ناشطون وأحزاب سياسية معارضة أنه يقلل حظوظ المستقلين والأحزاب الناشئة في الوقت الذي يخدم فيه الأحزاب والكتل الكبيرة.

ووفقاً لنظام "سانت ليغو" المعتمد في قانون الانتخابات الجديد بالعراق، فإنه سيتم احتساب كل محافظة دائرة انتخابية واحدة ليصبح عدد الدوائر في البلاد 18 دائرة (عدد المحافظات العراقية)، لاغياً بذلك نظام الدوائر المتعددة الذي اعتمد في انتخابات عام 2021.

لماذا تم إلغاؤه في السابق؟

مع اندلاع انتفاضة تشرين 2019 واستقالة حكومة عادل عبد المهدي أقر البرلمان نزولاً عن رغبة فئات مجتمعية، قانون الانتخاب رقم 9 لسنة 2020، تم فيه تبني نظام الغالبية بدلاً من نظام النسبية الذي كان قائماً في كل الانتخابات التي سبقت انتخابات عام 2021، كما أقر القانون رقم 9 لسنة 2020 الترشح الفردي حصراً، بعد أن كان ترشيح القوائم الانتخابية الحزبية هو السائد سابقاً، مع تقليل عمر المرشح المسموح به من 30 إلى 28 سنة لإتاحة فرصة أكبر للشباب في الانتخابات.

واعتبرت القوى الصغيرة والمستقلة التي تحاول المنافسة والدخول للبرلمان؛ القانون الذي جاء بعد حراك أكتوبر نصراً لها، واستطاعت في انتخابات 10 تشرين الأول/أكتوبر 2021 من دخول البرلمان، (مثل "حركة امتداد" التي حصلت على 9 مقاعد و "حركة إشراقة كانون" التي حصلت 6 مقاعد)، وفي حالة التعديل الانتخابي الجديد وفق نظام "سانت ليغو" المعدلة، لن تتمكن هذه القوى من التمثيل في البرلمان، بل سيعاد سيناريو انتخابات ما قبل 2021، والمتمثل بعودة القوى التقليدية وإدارتها.

"بعد هدوء الزوبعة"

رأى الباحث في مجال الانتخابات والعضو القيادي في مركز "عشتار السياسي لدعم الديمقراطية"، لاوان عثمان، في حديث لوكالتنا أن إعادة إقرار قانون الانتخابات وفق نظام "سانت ليغو" جاء بعد هدوء "الزوبعة" (أي انتفاضة تشرين)، مضيفاً: "بعد النتائج التي سجلت في انتخابات 2021 والتي انتهت بخسارة جزء كبير من القوى التقليدية، كالإطار التنسيقي الذين اعتبروا خاسرين في الانتخابات؛ بغض النظر عن النتائج وتشكيل الحكومة التي شكلت بقيادتهم بعد انسحاب مقتدى الصدر الفائز بالانتخابات، ولكن نتائج الانتخابات أسفرت عن خسارتهم، ولهذا السبب تم العودة إلى قانون سانت ليغو".

"مفصل لصالح القوى الكبيرة"

وتمنح التعديلات الأخيرة هيمنة واضحة للأحزاب التقليدية التي تملك ما يكفي من الإمكانات لحشد الرأي العام والتعبئة الجماهيرية لصالح القائمة الانتخابية الخاصة بالكتل أو التحالفات السياسية، حسب ما يراه مراقبون.

ويتفق عثمان مع ذلك موضحاً بالقول: "قانون سانت ليغو سيضر بالقوى الناشئة الصغيرة التي لا تمتلك دعماً مالياً كبيراً أو التي لا تمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة صامدة، وهذا القانون بصيغة 1.7 مفصل بشكل كبير لصالح القوى الكبيرة".

إيجابيات وسلبيات

ولفت عثمان إلى وجود أسباب وفقرات داخل القانون أثارت سخط الغالبية، مبيناً: "فيما يتعلق بعمر المرشح، هناك مفارقة عجيبة فيما يخص قانون الأحزاب العراقية، والذي يقر ويسمح لمن اكتمل 25 من عمره بأن يؤسس حزب سياسي، ولكن في التعديل الانتخابي الجديد، يقر السن الترشيحي على أن يكمل الشخص 30 من عمره، وهنا تكمن المفارقة، فكيف يُسمح لشخص بأن يؤسس حزب سياسي وهو في بادئ العمر في سن 25 ولكن لا يسمح له بأن يترشح للانتخابات؟"

خلافاً لذلك رأى عثمان أن للتعديل بعض الإيجابيات موضحاً بالقول: "هذا القانون يخلق جو سياسي يفرض على القوى الناشئة المتصارعة فيما بينها أو غير المنضوية داخل إتلاف مدني، تجعلها تحت ضغط الأمر الواقع بأن تنخرط داخل ما يشبه بالتحالف أو الإتلاف الانتخابي، كما يخلق قانون سانت ليغو جو عام يساعد على بلورة تحالفات بين القوى الناشئة"، على حد تعبيره.

تصعيد محتمل؟

ويرجح مراقبون "أن تشهد البلاد احتجاجات مرتقبة بسبب "كسر إرادة" الشارع الذي كان أحد مطالبه؛ تغيير قانون الانتخابات والمفوضية إبان احتجاجات تشرين، وقد يعتبر الشارع الاحتجاجي هذا القرار البرلماني انقلاباً على التعهدات التي قطعت للمتظاهرين مقابل إنهاء احتجاجاتهم".

وعن احتمال أن تؤدي هذه التعديلات إلى تصعيد شعبي في الأيام المقبلة، قال عثمان: "قد يحدث تصعيد كما شهدنا في الأسابيع القليلة الماضية بتدخلات خفية من أحزاب وأطراف سياسية منسحبة من العملية السياسية، أو التي ادعت الانسحاب من العملية السياسية وقد يتكرر هذا النوع من التصعيد"، وأضاف مستدركاً في ختام حديثه: "القانون ذهب وتم تمريره خلال البرلمان وسيتم نشر نسخته الأخيرة قريباً في المجلة الرسمية، ولذلك لا أعتقد أن يكون للتصعيد الشعبي أي دور فاعل في تغيير مجريات هذه القضية".

(ي ح)

ANHA