العبرة ليست بالتوقيع.. هل تنجح الصين في إلزام السعودية وإيران بتنفيذ اتفاق بكين؟

قد يواجه الاتفاق الذي رعته الصين بين السعودية وإيران من أجل عودة العلاقات الدبلوماسية، العديد من المعضلات التي تجعل من الصعوبة بمكان إتمام نجاحه، ربما أهمها أن الطرف الصيني ليس لديه الخبرات الكافية.

العبرة ليست بالتوقيع.. هل تنجح الصين في إلزام السعودية وإيران بتنفيذ اتفاق بكين؟
الثلاثاء 21 آذار, 2023   23:28
القاهرة - محسن المصري

الاتفاق الذي فاجأ الكثيرين، جاء بعد جولات ماراثونية من المفاوضات بين البلدين، خاضها ممثلو طهران والرياض في دول مثل العراق وعمان قبل أن تنجح الصين في الفوز بلقب راعي عملية السلام بين السعودية وإيران التي كانت حتى وقت قريب أحد أشد العلاقات تعقيداً في الشرق الأوسط.

وشهدت العاصمة الصينية بكين في العاشر من مارس/ آذار الجاري، الإعلان عن اتفاق سياسي بين السعودية وإيران برعاية صينية يشمل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة فتح السفارتين المغلقتين منذ 2016 في غضون شهرين.

وكانت الرياض وطهران قد قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية عام 2016، بعد أن تعرضت المقار الدبلوماسية السعودية في إيران لهجوم من محتجين إيرانيين، وذلك بعد أن أقدمت السلطات السعودية على إعدام رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر.

 واعتبر خبراء أن الصين تقدّم نفسها من خلال هذا الاتفاق كلاعب قوي ومؤثر في النظام السياسي العالمي وطرف نزيه في قضايا الشرق الأوسط، مشيرين إلى أنه حال تم تنفيذ بنوده فقد يمثل هذا نقطة تحوّل في الكثير من ملفات الشرق الأوسط خاصة أن الطرفين يتشابكان معاً في قضايا مثل سوريا ولبنان والعراق.

وعلى جانب آخر، يرى البعض أن الاتفاق لن يُكتب له النجاح بشكل كبير نظراً لعدم امتلاك الصين أوراق ضغط تستطيع من خلالها إلزام الطرفين بتنفيذ بنوده بشكل كامل.

مصلحة الصين

/ar/uploads/files/2023/03/21/193808_abw-bkr.webp

وقال الباحث في الشؤون الأسيوية، أبو بكر أبو المجد أن الدور الصيني يأتي في ظل رؤية جديدة لعالم متعدد الأقطاب، لافتاً إلى أن هذه الفكرة طالما كانت مطلب للكثير من دول العالم خاصة أن العالم أحادي القطب تسبب في الكثير من الأزمات سواء بالشرق أو بالغرب.

وأوضح لوكالتنا إن الصين كانت دوماً تلعب على الملف الاقتصادي باعتباره أحد أهم مصادر القوة والوسيلة المثلى لتحقيق التأثير العالمي وهو ما حدث بالفعل، حيث نجحت الصين في لعب دور في عودة العلاقات بين السعودية وإيران أحد أهم أزمات الشرق الأوسط مستغلة ضعف الدور الأميركي وتراجع نفوذه وتأثيره على عدد من دول المنطقة في الوقت الحالي.

وأشار إلى أن الصين تدخلت في النزاع السعودي الإيراني انطلاقاً من سعيها لعالم متعدد الأقطاب خاصة أن السعودية من أكثر شركائها التجاريين فضلاً عن علاقاتها المتميزة بإيران وهو ما منح بكين القدرة على إنهاء صراع بين دولتين طالما كان العداء والصراع سمة أساسية في علاقاتهما.

لافتاً إلى أن التحرك الصيني في هذا الملف جاء انطلاقاً من رغبة بكين في لعب دور مؤثر في أزمات الشرق الأوسط لتقديم نفسها كلاعب نزيه وقوي يمكنه التأثير في النظام العالمي بديلاً عن الدور الأميركي الذي يفتقد الحياد في الكثير من الملفات.

ماذا بعد الاتفاق

وبحسب الباحث في الشؤون الآسيوية، فإنه لا يمكن القول إن بكين نجحت في الاتفاق بشكل عام، فالاتفاق تم توقيعه فقط ولكنه لم ينجح بعد فما زال الوقت مبكراً للحكم على مدى التزام إيران بتعهداتها واتفاقياتها السياسية، لافتاً إلى أن نجاح الصين سيكون في قدرتها على الضغط على الطرفين لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشكل كامل وهو أمر مستبعد بحسب قوله.

ويرى أبو المجد أن النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط سيتأثر في حالة نجاح الاتفاق والتزام إيران بتعهداتها بعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، وفقاً لما نصت عليه الاتفاقية، معرباً عن اعتقاده بصعوبة حدوث ذلك لتعارضه مع الإستراتيجية والسياسات الإيرانية بشكل عام.

معضلات التنفيذ

ووفقاً للباحث، فإن الاتفاق يواجه العديد من المعضلات تجعل من الصعوبة بمكان إتمام نجاحه ربما أهمها أن الطرف الصيني ليس لديه الخبرات الكافية في إدارة ملفات شائكة على المستوى السياسي، فضلاً عن عدم قدرة الصين على ممارسة ضغوط على السعودية أو إيران للالتزام بما تم التوافق عليه، لافتاً إلى أن الصين بالنسبة للسعودية شريك تجاري فقط، ولا تملك بكين نفوذاً قوياً على الرياض، كما لا تملك أوراق ضغط على إيران رغم علاقات الصداقة بين البلدين.

وتابع أن الصين ليست كأميركا التي تملك الكثير من أوراق الضغط على كثير من دول الشرق الأوسط، سواء عسكرياً أو سياسياً، خاصة أن واشنطن تعتبر الحامي الفعلي للخليج في ظل امتلاكها العديد من القواعد العسكرية بمعظم الدول الخليجية فضلاً عن كون معظم تسليح جيوش دول الخليج وعلى رأسهم السعودية من السلاح الأميركي.

رسالة سعودية لواشنطن

ويرى أن موافقة السعودية على التقارب مع إيران برعاية صينية يمثل رسالة من الرياض لواشنطن برفض بعض الممارسات والسياسات الأميركية غير المناسبة للمصالح السعودية.

/ar/uploads/files/2023/03/21/193914_abw-almjd.webp

واتفق معه في الرأي، محمد شعت، الباحث في الشؤون الإيرانية مشيراً إلى أن الاتفاق السعودي الإيراني بعد عامين من المفاوضات في العراق وعمان، في ظل وجود ملفات خلافية كثيرة ومعقدة.

وأوضح لوكالتنا "جاء التقارب بعد دخول الصين على الخط، وقد يكون وجود الصين هو الضامن للسلوك الإيراني وهو ما دفع السعودية باتخاذ الخطوة، خاصة في ظل غياب الدور الأميركي أو تراجع ثقة دول المنطقة في ما يمكن أن تقدمه واشنطن في ظل إدارة بايدن التي لجأت إلى الدبلوماسية وسعت إلى إتمام الاتفاق النووي بكل السبل دون السعي للوفاء بالتزاماتها تجاه دول المنطقة".

التزام إيران

وأشار إلى أن تأثير الاتفاق على ملفات المنطقة مرهون بمدى التزام طهران بالاتفاق، وحال الالتزام سيكون هناك انعكاسات إيجابية على كثير من الملفات وحلحلة الأزمات في سوريا ولبنان واليمن؛ لأن الاتفاق يقضي بعدم التدخل في شؤون دول المنطقة وعدم دعم الميليشيات، وهو ما سينعكس بالضرورة على المنطقة التي عانت لسنوات جراء الأذرع الإيرانية، وكان هذا السلوك وراء توتر العلاقات بين إيران ودول المنطقة، فإذا التزمت إيران بالاتفاق فستتحقق مكاسب كبيرة للمنطقة التي ستشهد هدوءاً لم تشهده منذ سنوات.

وبحسب الباحث، فإن العلاقات بين السعودية وواشنطن لن تتأثر؛ لأن السعودية تبحث عن تعدد علاقاتها وليس عن بديل، كما أن واشنطن باركت الاتفاق وصرحت بأنها كانت على علم بخطوات التفاهم الذي تم بين الأطراف الثلاثة، وهو ما أكده مسؤولون سعوديون بأن واشنطن كانت مطلعة على مسار الاتفاق.

(ي ح)

ANHA