القائد عبد الله أوجلان: المسيرة المبتدئةُ من نوروز 1973 كانت حرب الكرامة

"المسيرةُ المبتدئةُ في نوروز عام 1973 على شواطئ سدِّ جوبوك بأنقرة، والتي كانت مُفعمةً بالغبطة والعنفوان الأقرب إلى حالة "المجنون"؛ أَفضَت إلى إطلاق اسم "حزب العمال الكردستاني PKK". كنا سنعتَبرُ أننا قد أَنقَذنا شرفَنا، وهل كان ثمة هدفٌ أعظم من هذا؟".

القائد عبد الله أوجلان: المسيرة المبتدئةُ من نوروز 1973 كانت حرب الكرامة
الأحد 19 آذار, 2023   20:35
مركز الاخبار

نوروز التي دخلت عامها الـ 2635، وصلت إلى معناها الحقيقي مجدداً من خلال نضال حرية كردستان الذي قاده القائد عبدالله أوجلان. وما حدث خلال الـ 51 عاماً الماضية يؤكد هذه الحقيقة. خاصة أن القائد عبد الله أوجلان قد بدأ مسيرته في أحد أيام نوروز قبل 51 عاماً.

لذلك فإن الشعب الكردي وجميع شعوب الشرق الأوسط التواقة إلى الحرية، تعتبر يوم نوروز يوماً لتصعيد النضال من أجل الحرية الجسدية للقائد عبدالله أوجلان.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع، فإننا ننشر فيما يلي مقتطفاً من تقييمات القائد عبد الله أوجلان الواردة في مرافعاته والتي يتطرق فيها إلى النضال الذي أوصل نوروز إلى يومنا هذا.

"ما طرحتُه في أول اجتماع للمجموعة عُقدَ في نوروز عام 1973 م، والذي كان يتعينُ الاحتفاظُ به سرًا حينها، حسبَ رايي، هو حقيقةُ أنّ "كردستان مُستَعمَرة". ورغمَ ادعاء كمال بورقاي وممتاز كوتان، الممثلَين عن مجموعتَين بارزتَين للتيار المتواطئ والصَّهريِّ في تلك الأوقات، بأنهما استخدَما هذا المصطلح؛ إلا إنني متأكدٌ من عدم صحة ذلك. فلو كان الأمرُ كذلك، لَما رأيتُ داعياً للاحتفاظ بهذا المصطلح كسرّ.

 بعدَ ذلك، بدأَت النقاشاتُ بصدد الكرد تدورُ تأسيساً على مصطلح "كردستان مستعمَرة". أما غالبيةُ اليسار التركيّ، فكانت تقولُ أنّ "كلَّ تركيا مستعمَرة أو شبه مستعمَرة"، منكبةً بذلك على تعكير القضية وتشويشها. أما بالنسبة لي، فقناعتي هي أنه قد ثبتَ وجودُ الطراز الثوريِّ لدى الكر د بتحدثهم عن هذا المصطلح كمُفردة، والذي دفعَ كل من ماهر جايان ودنيز كزميش وابراهيم كايبا كايا ورفاقُهم حياتَهم ثمناً له منذ البداية.

وما تَبَقّى بعد ذلك كان قضيةَ الحرية والتحرر من قيود الوضع القائم. لقد كانت نظريةُ "كردستان مستعمَرة" بدايةً سديدةً على هذا الدرب.

وما كان لنا في فتر ة المجموعة إلا أ ن نسميَّ أنفسنا "ثوارَ كردستان". ولَم نجرؤ على إطلا ق التسمية الحقيقية على أنفسنا، إلا بعدَ مرور خمس سنين على ولادتنا كمجموعة. أما المسيرةُ المبتدئةُ في نوروز عام 1973 على شواطئ سدِّ جوبوك بأنقرة، والتي كانت مُفعمةً بالغبطة والعنفوان الأقرب إلى حالة "المجنون"؛ فعندما أَفضَت إلى إطلاق اسم "حزب العمال الكردستاني PKK " على أنفسنا في قرية "فيس" التابعة لناحية "ليجة" بمدينة ديار بكر في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1978، كنا سنعتَبرُ أننا قد أَنقَذنا شرفَنا. وهل كان ثمة هدفٌ أعظم من هذا؟ فأياً يَكُن، فقد أُسِّسَ تنظيمٌ عصري لطبقة عصرية.

كانت المقاومةُ والمستجداتُ الأيديولوجيةُ والسياسيةُ بعد سنة 1980 ستتسمُ بمعان نفيسة في التعبير عن الواقع الكرديِّ كحقيقة قائمة بذاتها. كان الانتقالُ إلى الكفاح المسلح واشراكُ الشعب في الحرب سيُشَكِّلان خطوتَين تاريخيتَين. إذ كان ذلك سيُمَكِّنُ من إسماع صوت الحقيقة بشكل مُدَوٍّ في الأوساط التي نفضَ الكلُّ يدَه منها.

 كان صدى الكفاح المسلح سيترددُ في هكذا مراحل بالتحديد، بوصفه صوتَ الحقيقة المدويّ والعادل. وهذا ما حصلَ فعلاً. حيث ترددَت أصداءُ حملة 15 آب 1984 بقوة ضمن الواقع الكرديّ، رغمَ عدم التمكن من البدء بها بأفضل نحو تقنياً وتكتيكياً.

وهكذا، كان الكردُ الذين يجري البحثُ عنهم يفرضون حضورَهم، وينخرطون على موجات متوالية رغمَ كلِّ سلبيات هم. كانت مجموعاتُ الفنانين والموسيقيين تتكاثر، ويتضاعفُ عددُ الأصدقاء. وهكذا كنتُ أمزقُ ستارَ العزلة وأحققُ مجتمعيتي.

 فواقعُ الحقيقة التي طالما حننتُ إليها، كان يعززُ من حقيقة الواقع القائم. أما مجيءُ الفنانين إلى صفوف الكريلا بالذات في تلك الأعوام، واحتشادُ ما يناهزُ عشرا ت الآلا ف من أبناء الشعب في ساحات المعسكر في مناسبات عيد نوروز؛ فكان يبثُّ فينا الروحَ والحماس. في حين إنّ وفودَ آرام تيكران إلى ساحتي وافتتاحَ "فضائية ماد Med TV " بدأَ يزرعُ الأملَ في روح "العشق اليائس". كما كان تدفقُ الفتيات حماسياً وجياشاً. ولأول مر ة كنتُ أحتضنُهنّ بفخر واعتزاز. فعدنا نلعبُ ثانية، ورحتُ أحملهنّ على كَتفَيّ أحياناً، مُطيحاً بخجل المرأة أرضاً. وكلما رأيتُ تَحَقُّقَ الحياة الحرة فيهنّ، كانت معاني الحيا ة تزدادُ ارتقاءً ورفعة وجمالاً.

كانت فاشيةُ 12 أيلول عازمةً على إبادة الهوية الكردية علناً، بعدما كانت تنظمُها خفية من خلال حظر اللغة الأمِّ وبصورة لا مثيلَ لها في التاريخ. وعليه، كانت الحربُ طريقة الوجود الوحيدة. حيث أغلقَت جميعُ السُّبُل الأخرى من الأساس للتعبير عن الذات. قصدي من الإغلاق هنا هو المجموعاتُ الأخرى.

 كما لَم تُترَ ك مجالاً أمام الكرد لإثبات الوجود أو العيش بحرية. لذا، لَم تَعُد الحربُ السبيلَ الوحيدَ للحياة الحرة والوجود فحسب، بل باتت بمنزلة العلاج الشافي للصمود؛ أياً كانت كلفتُها، ومهما كانت عواقبُها. بَيدَ أنّ القوى الأخرى لَم تَعُد حاضرة. بل وسقطَت من إطار الحيا ة الاجتماعية، لعجزها عن اتّباع هذه الوسيلة بجدارة. في حين أنّ الواقعَ الذي مثَّلَته لَم يَكفي لإحيائها.

ما أثارَ اهتمامي في تلك الفترة هو اكتسابُ حرب الشرف، التي فرضَتها أمي، لمعناها الحقيقيّ، في الحقيقة، كانت أمي ترغبُ في تلقيني إحدى قواعد الحياة الاجتماعية. لكنها كانت تخطئ الهدفَ والتوقيتَ وأسلوبَ التنفيذ، لافتقارها إلى القدرة على التعبير السليم للواقع المُعاش.

في واقع الأمر، فقد أُنقذَ الشرفُ المجتمعيُّ والوجودُ والكرامةُ الكرديَّين مع حرب الوجود الذاتيِّ هذه. ولأول مرة اكتُسبَ حقُّ الحياة المُشرِّفة مع هذه الحرب. أي أنّ ما جرى كان اكتسابَ حقِّ الحياة من قبَل جميع الكرد المنتفضين والمتبنّين لحرب الوجود والخائضين إياها.

إذ لَم يَكُن ثمة فارقٌ كبيرٌ بين الموت أو الحياة في تلك الأعوام. بينما كان الاستحواذُ على حقِّ الحياة المشرّفة هو المهمّ. وقد عُرضَ مثالٌ آخر على ذلك بين جدران سجن ديار بكر.

فعمليةُ مظلوم دوغان في نوروز، واضرامُ فرهاد كورتاي ونجمي أونر وأشرف آنييك ومحمود زنكين النارَ في أبدانهم الغضة، واستشهادُ كمال بير ومحمد خيري دورموش وعاكف يلماز وعلي جيجك في عملية الإضراب عن الطعام حتى الموت؛ كلُّ ذلك لَم يَكُن في حقيقته سوى حرب الكرامة المشرفة بكلِّ ما للكلمة من دلالات.

لقد كان هؤلاء دُرَراً نفيسةً على درب الحر ب الشعبية. وشعارُ "ستنتصرُ حربُ الكرامة!"، الذي صرخوا به معاً، كان تعبيرًا ساطعاً عن هذه الحقيقة".

(أم)