سوريا.. أزمة تسابق أزمة

تتزايد معاناة السوريين في مناطق حكومة دمشق؛ بسبب توالي الأزمات عليهم، لا سيما الاقتصادية، فيما يعيد مراقبون أسبابها لسياسة حكومة دمشق الإقصائية والمركزية المطلقة، مؤكدين أنها لا تشكل حبل النجاة لحل الأزمة السورية.

سوريا.. أزمة تسابق أزمة
السبت 18 آذار, 2023   22:40
دمشق- عشتار عبد الفتاح

أثناء مرورك ضمن أزقة دمشق الضيقة، تتكشف لديك وجوه المارة المتعبة، وتبدأ بالظهور شيئاً فشيئاً عربات الفاكهة والخضار الملونة التي تعتلي الأرصفة لتتشابك مع مظهر البعض، هنا وهناك يتجادلون بالأسعار مع الباعة، لينتهي بهم المطاف بالتخفيف من وطأة الحياة على قلوبهم ببعض الابتسامات الساخرة.

في بعض الأحيان تجد ما لذ وطاب من الفاكهة البديعة كالمانجو، والكيوي وغيرها بأسواق شعبية محلية، كسوق الشعلان (التنابل) بدمشق، بأسعار تعادل راتب موظف حكومي في مناطق سيطرة الحكومة، فعند سير المواطن في هكذا زقاق يشعر أن السلعة متوفرة في بعض الأحيان، لكن عليك المشاهدة والتحسر على ما لا تستطيع شرائه من الخضار والفاكهة.

يحدث الآنف الذكر يومياً، في طريق المواطنين للعمل أو لمقصده، فإما أن تدفع أو تعيشها بالمخيلة.

في الآونة الأخيرة، طفت قضية (البصل) على السطح، وأدرجت هذه المادة الغذائية النادرة في البطاقة الذكية، وأصبحت مصدر تهكم لرواد مواقع التواصل الافتراضي.

البصل يصل الأسواق ويختفي

امرأة من ريف دمشق، فضلت عدم ذكر اسمها خوفاً من الملاحقة الأمنية، قالت: "ذهبت لاستلام مستحقاتي من المؤسسة الاستهلاكية للبطاقة الذكية، فوجدت مادة البصل؛ يقوم العمال بفرزها لكميات مخصصة (كيلو لكل أسرة)، وكانت بكميات كبيرة، فطلبت منهم استلام حصتي من مادة البصل، فقال لي العامل إنه لا يمكن أن تأخذي اليوم.

وطلب مني أن أعود في اليوم التالي، فذهبت باكراً في اليوم التالي الموعود لاستلام مخصصاتي، فقال لي لا يوجد لقد نفذت الكمية، فاندهشت وتعجبت من هذا الأمر لأنه موجود بكميات كبيرة ولا أدري أين تتبخر، وعاود الطلب مني المجيء في وقت لاحق لحين توفر الكمية، علماً أن كل أسبوع يحق للأسرة أن تأخذ كيلو واحد من البصل، وسعره الحقيقي 6500 ل.س ولكن في السوق السوداء ضعف ذلك، فهل هذه المادة ذهبت لتجار المواد أم ذهبت للتصدير خارج البلاد، في هذه الظروف والحاجة التي نمر به كسوريين".

وكيف لا تكون أزمة البصل واحتكارها في مناطق الحكومة من الأمور المريبة للمجتمع وهي المادة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.

وبدوره، قال عضو مجلس إدارة حماية المستهلك التابعة لحكومة دمشق، سابقاً، فراس نديم من دمشق: "هناك تراجع كبير وخطير في مجمل المحاصيل الزراعية والتي من أسبابها الموضوعية؛ عدم تأمين المستلزمات الزراعية في مواسمها، وعدم استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة وعدم وجود إحصائيات وأرقام دقيقة للإنتاج، وكل ما يوضع من خطط وبرامج على الورق فهي على أرض الواقع مختلفة تماماً".

وأشار أن تلك الأسباب، إلى جانب عدم تمكن حكومة دمشق تأمين المشتقات النفطية والأسمدة وارتفاع التكاليف، تدفع لعزوف معظم أصحاب الأراضي الزراعية عن الزراعة، مما أدى إلى خروج ٧٠٪ من الأراضي الزراعية عن الإنتاج.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وبدء استعدادات جني المحاصيل الزراعية تعود إلى الواجهة مشاكل الفلاحين في الأرياف، التي لا تكترث لها حكومة دمشق، فمثلاً تقول ناشطة من القلمون تحفظت عن ذكر اسمها: "إن مواسم الكرز في قرية مثل المشرفة (فليطة) الحدودية وأيضاً بلدة رأس المعرة المشهورتان بأجود أصناف الكرز السوري، تشهدان ارتفاع في أسعار الفاكهة؛ بسبب تصدير الأنواع الجيدة منها إلى دول أخرى كروسيا".

وفي ظل كل هذه المشاكل والأزمات تزداد معاناة الفلاحين والمواطنين السوريين في مناطق حكومة دمشق، وسط تساؤلات وتهكم حول دور ما يسمى "اتحاد الفلاحين" وغيره من المؤسسات التي تدعي أنها تمثل السوريين في تلك المناطق.

وبعد مرور 12 عاماً على الأزمة السورية، واستمرار التراجع الاقتصادي، والواقع المعيشي المتردي في مناطق حكومة دمشق، تغيب الإجراءات الفاعلة لحكومة دمشق في البحث عن مسببات الأزمة، فالاستقرار الاقتصادي الذي يجذب الاستثمارات الأجنبية، والدعم الحكومي للفلاحين والاهتمام بمشاكلهم وتشجيعهم للمضي قُدماً بعملهم لا يزال غائباً.

ويرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن حكومة دمشق تتعمد عدم وضع خطط استراتيجية قصيرة وبعيدة المدى لضمان وصول المواد للأماكن التي تعاني من ندرة فيها، وأنه يتوجب عليها تفعيل تسهيل تبادل الخضار بين عموم المناطق السورية، ودعم الفلاحين، والتخفيف من التصدير الجائر غير المتوازن ومراقبة ومحاسبة محتكري المواد.

فيما يرى سياسيون أن سبيل سد الطريق أمام الأزمات التي يعاني منها الشعب السوري، والاقتصادية أحداها، تكمن في تخلي حكومة دمشق عن ذهنية اللجوء إلى الحلول العسكرية، واللجوء إلى إجراءات بناء الثقة بين الحكومة والأطراف الديمقراطية وفتح حوار سياسي يحقق الديمقراطية والمساواة، لتحقيق الأمن السياسي الذي بدوره يؤمن الاستقرار الاقتصادي، والاستقرار في عموم القطاعات، مؤكدين أن الذهنية الإقصائية في السياسات العامة، والمركزية المطلقة، لا تشكل طوق نجاة لحل الأزمة السورية بكل مفاصلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى ما يتعلق بالحقوق الثقافية والفكرية.

(ي ح)

ANHA