ليبيا بعد القذافي.. 12 عاماً من الفوضى والمفاوضات وصراع الحكومات

مع نهاية شباط /فبراير 2023 دخلت الأزمة الليبية، عامها 13 دون أن تنجح الأطراف الليبية التي أعقبت سقوط النظام السابق في تكوين مؤسسات حكومية مستقرة أو جيش عسكري موحد أو أن تحرر أراضيها من الميليشيات والمرتزقة.

ليبيا بعد القذافي.. 12 عاماً من الفوضى والمفاوضات وصراع الحكومات
السبت 4 آذار, 2023   00:24
القاهرة – محسن المصري

17 شباط /فبراير من كل عام تكون ذكرى انطلاقة الأزمة الليبية أو الانتفاضة الشعبية حسب ما يرغب أن يسميها البعض والتي تمكنت من الإطاحة بحكم العقيد، معمر القذافي بعد قرابة 42عاماً قضاها في السلطة.

42 عاماً في السلطة، لم تحم ِالقذافي من مصير مشؤوم، حيث اُعتقل على يد من يسمون أنفسهم بالثوار في 20 تشرين الأول 2011 ليتم التنكيل به وقتله وعرض جثمانه أمام العامة في واقعة أثارت استياء البعض وأسعدت آخرين.

نهاية القذافي لم تكن كما تخيلها البعض بداية جديدة لليبيا بل على العكس، دخلت البلاد منذ ذلك الحين في أزمات متتالية سياسياً وعسكرياً لتصل في النهاية لما تعيشه الآن من أزمة شرعية وصراع مؤسسات وحكومات وفصائل وميليشيات عسكرية تنشر الفوضى في البلاد.

بعد قرابة 12 عاماً من اغتيال القذافي، فشلت القوى السياسية الليبية في توحيد صفوفها وتنظيم انتخابات رئاسية تنهي سنوات الفوضى التي أنتجتها كثرة الأجسام والكيانات السياسية في البلاد.

أزمة ليبيا عبّر عنها المبعوث الأممي، عبد الله باتيلي في إحاطته أمام مجلس الأمن بتاريخ 27 شباط /فبراير الماضي بقوله: "إن النخبة السياسية في ليبيا تعيش أزمة شرعية حقيقية"، مؤكداً أن أغلب مؤسسات الدولة؛ فقدت شرعيتها منذ أعوام.

أجسام غير شرعية 

مؤسسات الدولة غير الشرعية التي يقصدها المبعوث الأممي، تتمثل في مجلسي النواب والدولة وحكومتي الدبيبة وباشاغا، فضلاً عن المجلس الرئاسي.

وهي مؤسسات تطالب قوى شعبية بحلها، حيث سبق وشهدت ليبيا احتجاجات شعبية في تموز/ يوليو 2022، للمطالبة برحيل كل الأجسام السياسية. واعتبر المحتجون وفق ما نشرته وسائل إعلام ليبية في وقت سابق أن بقاء هذه الأجسام أحد أسباب أزمة ليبيا وعامل أساسي وراء إطالة أمد الأزمة.

المجلس الأعلى للدولة

كان يسمى المؤتمر الوطني العام؛ وهو أول برلمان ليبي مؤقت، انتخب عام 2012، وبموجب اتفاق الصخيرات المبرم عام 2015 تم تغييره اسمه إلى المجلس الأعلى للدولة وأصبح يمثل الغرفة الثانية الاستشارية للبرلمان ودوره استشاري.

رئيس المجلس الحالي، خالد المشري أحد القيادات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين ويرتبط بعلاقات كبيرة مع الدولة التركية المحتلة.

مجلس النواب

تم انتخابه 2014، لمدّة 4 سنوات للإشراف على الانتقال إلى دستور جديد تصيغه هيئة منتخبة، انتهت فترته القانونية في 2018 وعلى الرغم من ذلك مازال يمارس مهامه ويقوم رئيسه، عقيلة صالح بتقديم نفسه كممثل الشرعية الوحيدة في ليبيا حيث حظي البرلمان باعتراف دولي عقب اتفاق الصخيرات، 2015.

يتصارع البرلمان ومجلس الدولة على الشرعية حيث يدعي كليهما أنه الممثل الشرعي للشعب الليبي، وكثيراً ما حدثت صدامات بين الطرفين لكن الفترة الأخيرة شهدت بعض التقارب بين رئيس المجلسين "المشري وصالح" في مواجهة حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة.

حكومة الدبيبة

تطلق على نفسها حكومة الوحدة الوطنية ويترأسها رجل الأعمال، عبد الحميد الدبيبة الذي تربطه بتركيا علاقات واسعة.

تشكلت الحكومة على إثر هدنة وقف إطلاق النار بمقتضى اتفاق جنيف وكان من المفترض أن تكون حكومة مؤقتة تنتهي ولايتها بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية 24 ديسمبر/كانون الأول 2021 لكنها فشلت في التقيّد بخارطة الطريق وتنظيم انتخابات كما ترفض تسليم السلطة حتى الآن على الرغم من انتهاء مدتها القانونية ورغم تعيين حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا من قبل مجلس النواب الليبي.

حكومة باشاغا

3 مارس/آذار 2022 أدت حكومة فتحي باشاغا اليمين الدستورية أمام مجلس النواب الليبي كحكومة جديدة لإدارة أمور البلاد، وعلى الرغم من مرور عام على تعيينها إلا أنها فشلت في الحصول على اعتراف دولي خاصة بعد فشلها في دخول طرابلس العاصمة بعد اشتباكات مسلحة من قبل القوات الموالية لرئيس حكومة ما يعرف بالوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة.

 وتدير حكومة باشاغا من مدينة سرت في ظل تمسك حكومة الدبيبة بالحكم ورفضها تسليم السلطة لدرجة أن ثلاثة وزراء من حكومة باشاغا لم يتمكنوا من حضور جلسة أداء اليمين بعد احتجازهم من طرف مسلحين وتعيش ليبيا حالياً في ظل حكومتي باشاغا والدبيبة وكثيراً ما تقع اشتباكات بين القوات والميليشيات المسلحة الموالية للطرفين.

المجلس الرئاسي الليبي

إلي جانب الحكومتين والمجلسين التشريعيين، يأتي المجلس الرئاسي الليبي كممثل لـ السلطة التنفيذية في ليبيا، حيث شُكل بموجب بنود الاتفاق السياسي الليبي في 2015 برعاية الأمم المتحدة.

 وتمت إعادة تشكيله وفق خريطة الطريق في 2020، وتم انتخاب أعضاء المجلس من الأقاليم الليبية الرئيسية الثلاثة في الغرب والشرق والجنوب، ومنذ تأسيسه لم يقدم المجلس الرئاسي الذي يترأسه محمد المنفي دور يذكر في حلحلة الأزمات الليبية المتراكمة.

صراع الكيانات الموازية

تعدد الحكومات والبرلمانات أمر ليس غريباً على الوضع في ليبيا بعد سقوط القذافي، بالعودة للوراء قليلاً نجد أن أزمة الكيانات الموازية في ليبيا بدأت على شكل حرب أهلية عام 2014 بعد إطلاق اللواء المتقاعد، خليفة حفتر ما أسماه بعملية "الكرامة" ضد ميليشيات مسلحة في طرابلس وردت عليها كتائب من الغرب الليبي بإطلاق عملية عسكرية سميت "فجر ليبيا"؛ أدت إلى انبثاق حكومتين "الإنقاذ الوطني" في الغرب، و"المؤقتة" في الشرق، وانعكس فيها الانقسام على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وجاءت الحرب الأهلية بعد إعلان المؤتمر الوطني العام "الذي أصبح فيما بعد المجلس الأعلى للدولة" عودته للحكم وتشكيل حكومة وذلك قبيل انعقاد أولي جلسات مجلس النواب، يوم 4 أب 2014، والذي انتخب، 25 مايو/ أيار 2014، ليحل محل المؤتمر الوطني.

صراع الشرق والغرب

صراع البرلمانين " المؤتمر الوطني ومجلس النواب" ورفض الأول تسليم السلطة للثاني، دفع بليبيا إلى أزمة سياسية خانقة، تمثلت في وجود برلمانين إضافة إلى حكومتين؛ وهما حكومة الإنقاذ، التي شكلها المؤتمر 25 أغسطس/ أب 2014، والحكومة المؤقتة، التي انبثقت عن مجلس النواب، في سبتمبر/ أيلول 2014، وسيطرت الأولى على الغرب، بينما سيطرت الثانية على شرق البلد.

كما تكرر المشهد مرة أخرى عقب توقيع اتفاق الصخيرات بالمغرب برعاية الأمم المتحدة، كانون الأول/ ديسمبر 2015 ، حيث تشكلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج ولكنها لم تنل ثقة البرلمان في الشرق الليبي المدعوم من خليفة حفتر، ولم تتمكن من فرض سلطتها على القوى السياسية والعسكرية في البلاد.

وعلى مدار سنوات ظلت حكومة السراج في الغرب تسيطر على طرابلس وتتخذها مقراً لها، في حين بقي الشرق الليبي تديره الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني بدعم عسكري من الجنرال خليفة حفتر.

وعلى الرغم  من أن حفتر والسراج عقدا اجتماعين في باريس، عامي 2017 و2018 في محاولة للوصول إلى تسوية وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، إلا أنهما فشلا في الوصول إلى اتفاق ليقرر حفتر في نيسان2019، شن حملة عسكرية على طرابلس من أجل السيطرة عليها ولكنه واجه مقاومة عنيفة من القوات الموالية لحكومة الوفاق المدعومة من تركيا التي نقلت عشرات آلاف من المرتزقة السوريين إلى ليبيا للقتال بجانب الحكومة خاصة بعد توقيع أنقرة اتفاقيتين؛ إحداهما بشأن التعاون الأمني وأخرى في المجال البحري مع الحكومة الليبية في تشرين الثاني 2019.

كانون الثاني 2020 أعلن أردوغان، بدء نشر جنود أتراك في ليبيا، دعماً لحكومة الوفاق الوطني في مواجهة قوات خليفة حفتر وهو ما جعل حكومة الوفاق تقدم مقاومة شرسة في مواجهة محاولات خليفة حفتر اقتحام طرابلس، كما شنت قوات الحكومة هجوماً معاكساً وحققت تقدماً وكادت تسيطر على مناطق في الشرق الليبي، لكن حزيران/ يونيو 2020 هدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا في حال تقدم قوات الوفاق نحو سرت.

وقف إطلاق النار

وبضغوط دولية وإقليمية أُعلن وقف إطلاق نار 21 أغسطس/آب 2020 وبدأت عجلة المفاوضات تدور في ليبيا عززها إعلان فائز السراج 17 سبتمبر/أيلول نيته ترك منصبه وتسليم السلطة إلى سلطة تنفيذية جديدة بحلول نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول، وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

وعلى مدار سنوات الأزمة، شهدت معظم العواصم العربية والغربية اجتماعات ومؤتمرات؛ لبحث سبل الوصول لتسوية سياسية في ليبيا، حيث استضافت الجزائر وتونس وأبو ظبي والمغرب، إضافة إلى باريس وباليرمو (إيطاليا) وموسكو وبرلين اجتماعات برعاية أممية وإقليمية.

اتفاق جنيف

معظم هذه اللقاءات لم تحقق الهدف المنشود بالوصول إلى تسوية سياسية للأزمة، حتى جاء حوار جنيف حول ليبيا الذي رعته الأمم المتحدة 5 شباط/فبراير 2021 وتم خلاله الاتفاق على توقيع اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار "بمفعول فوري".

كما جرى الاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، نالت ثقة البرلمان في آذار/ مارس من أجل السير بالبلاد نحو تنظيم الانتخابات.

ولاقى اتفاق جنيف ترحيباً دولياً وإقليمياً كبيراً واستبشر الليبيون خيراً بقرب حل الأزمة والوصول لانتخابات عامة كان من المقرر أن تكون 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021 قبل أن يتم تأجيلها لتاريخ غير محدد حتى الآن.

مشهد من فيلم قديم

واليوم بعد أكثر من 12 عاماً من الأزمة، مازالت ليبيا تدور في فلك الحكومات الموازية في ظل وجود حكومة الدبيبة التي ترفض تسليم السلطة، وحكومة باشاغا التي لا تملك اعتراف دولي، وهناك أنباء عن تشكيل حكومة ثالثة في وقت قريب.

ومازالت الأمم المتحدة ترعى اجتماعات ولقاءات بين الفرقاء الليبيين؛ بزعم توحيد القوى العسكرية وإخراج الميليشيات والمقاتلين الأجانب وتقريب وجهات النظر بين مجلسي النواب والدولة وكأننا نعيش في مشهد من فيلم قديم كُتب على الليبيين أن يشاهدوه مئات المرات دون الوصول لنهاية ينتصر فيها البطل صاحب الحق والشرعية كما عودتنا الأفلام العربية القديمة في ظل تعدد "الأبطال" الذين يدعون امتلاك الحق والشرعية دون غيرهم في ليبيا.

(ي ح)

ANHA