أين ذهبت أموال ضرائب الزلزال؟.. هل حقاً اتخذت السلطات التركية إجراءات وقائية مضادة؟

كشف الزلزال في 6 شباط، زيف ادعاءات السلطات التركية التي استخفت بأرواح الملايين، فالأبنية هشة ولا مراعاة لشروط السلامة فيها، ومشاريعها محت تاريخ حضارات قديمة عاشت في المنطقة، والضرائب التي جُمعت، صرفت في خدمة الدولة، والمساعدات بيعت للمتاجر؛ إنها دولة حرب همها إبادة الكرد.

أين ذهبت أموال ضرائب الزلزال؟.. هل حقاً اتخذت السلطات التركية إجراءات وقائية مضادة؟
الجمعة 17 شباط, 2023   20:47
مركز الأخبارـ أحمد سمير

بعد زلزال 1999، لمع نجم أردوغان في تركيا، حيث بدأ حملة ضد حكومة بولنت أجاويد، وحمّله مسؤولية التقصير في كل شيء من عدم مراعاة شروط البناء إلى عمليات الإنقاذ، وكانت الطريقة التي استغل بها الزلزال ولعب بها بمشاعر السكان، أحد أسباب صعود حزبه إلى السلطة في تركيا.

وآنذاك، وعقب الزلزال، قال أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية، إن "الزلزال مشكلة الحكومة، وبهذا الزلزال تنتهي الحكومة"، والآن يعكس أقواله، مدعياً "هذه الأشياء دائماً تحدث، إنها جزء من مسار القدر".

وعندما ضرب زلزال آخر، منطقة جولك 2003، صرّح أردوغان وقتها أن الأبنية التي تدمرت لم تُبنى وفق شروط وقوانين الإنشاءات، واتهم المقاولين بسرقة مواد البناء، وقال "سنواصل العمل لتجنّب المآسي ذاتها مرة أخرى". 

هل حقاً اتخذت السلطات التركية إجراءات وقائية مضادة للزلزال؟

أطلقت تركيا مشروع "التحويل الحضاري" الذي بدأ فعلياً 2013، استعداداً "للزلزال الكبير القادم"، وكانت خطابات المسؤولين تقول دائماً "لا بد أن تكون هناك معايير جديدة للبناء". وكانت الغاية المعلنة من هذا المشروع؛ إعادة تأهيل الأبنية، وبناء ملايين الوحدات السكنية الجديدة المقاوِمة للزلازل.

كشف رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم آنذاك الستار عن خططهم بخصوص بعض المشاريع، وادعى أنها مشاريع ضخمة وستعود بالمنفعة على الاقتصاد التركي، وكان أهمها مشروع تطوير وتحسين الأحياء العريقة التاريخية في إسطنبول وتحويلها من أحياء تاريخية إلى أحياء حديثة.

مشاريع دمرت حضارات

شُيّد هذا المشروع على أصالة شعوب تاريخية قديمة قطنت هذه المنطقة منذ القدم، وعُرفت بتنوعها الديموغرافي وعراقتها وأصالتها، العمرانية والدينية المختلفة.

وبدلاً من هدم الأبنية غير المقاوِمة للزلازل، تم ردم تاريخ الحضارات ومحوها من الوجود من أجل تحويل إسطنبول إلى مدينة سياحية رائدة في العالم.

مراكز الحياة الاجتماعية والاقتصادية

كانت منطقة بك أوغلي التاريخية، تُعرَف بأنها مركز الحياة الاجتماعية والاقتصادية، قطن فيها إلى جانب المسلمين، اليهود واليونان والأرمن، وتعود معظم المباني فيها إلى القرن التاسع عشر. وقد تم ردمها؛ لبناء حي تارلا باشي، وهو مشروع "التحول الحضاري"، حيث تحولت المنطقة التي كان تقطن فيها الطبقة الفقيرة المعدومة إلى حي حديث يقصده المستثمرون والمالكون.

حاول سكان المنطقة تعطيل المشروع على أنه لا يخدم المصلحة العامة، لكن القضاء أقرّ بالاستمرار في المشروع، وذلك في عهد حزب العدالة والتنمية.

تغيير ملامح أحياء تاريخية خدمة للأثرياء

كان مصير حي بلاط التاريخي مشابهاً لمنطقة بك أوغلي، حيث كان ملجأ للأقليات الدينية وخاصة اليهود، وقد غيّرت المشاريع الاستثمارية التي أجريت فيها من ملامحها، بعدما زحفت المطاعم والمقاهي بساطها ذات الطابع المرفّه إلى الحي لخدمة أصحاب الأملاك الجديدة والأثرياء.

لم تختلف تلك الأحياء ذات التاريخ العريق بعد تدميرها، كثيراً عن المناطق السياحية والتجارية، مثل كبرى مدن العالم، باريس وبرلين وروما.

سور.. تغيير ديمغرافية واحدة من أقدم الحضارات

في آمد الكردستانية، لم يختلف الوضع أيضاً، فقد تم تغيير ديمغرافية حي سور التاريخية، المعروفة بأنها واحدة من أعرق وأقدم الحضارات، تمتد بجذورها التاريخية إلى ما قبل 7000 عام، وتعرضت للهدم والتخريب تحت زعم "التحول الحضاري".

الزلزال كشف زيف السلطات في اتباع قواعد البناء

الزلزال الأخير الذي ضرب مدن شمال كردستان وتركيا، عرّى وكشف زيف السلطات في اتباع قواعد البناء، والتي استخفت بأرواح الملايين من المدنيين الذين كانوا يقطنون على خط صدع الزلزال، فهشاشة الأبنية التي انهارت مثل رقائق البطاطا، بيّنت أن أردوغان سلك طريق سلفه أجاويد الذي خسر منصبه بعد الزلزال المدمر 1999.

ماذا حصل؟

قبل شهر من الآن، شهدت مدينة أنطاليا التركية فيضانات غير مسبوقة، لم تشهد مثلها منذ 50 عاماً، حيث غمرت المياه المنازل وجرفت كل شيء معها.

زار أردوغان المدينة، وادعى أن حكومته تعمل بشكل جيد من خلال منظمة AFAD، وقال "لم يسأل المواطنون؛ أين هي دولتنا؟"

 اليوم يمكن لمس الغضب من أفواه المتضررين الذين يتساءلون "أين هي الدولة"، لقد أفقد الزلزال الذي ضرب شمال كردستان وتركيا السلطات الحاكمة صوابها، بعدما واجهت غضب السكان المحليين، نتيجة تقاعسها في إنقاذهم من هول الجحيم الذي عاشوه في 6 شباط، وتركتهم يواجهون الموت والبرد القارس، بلا ماء وكهرباء وتدفئة، تركتهم في العراء تحت الأنقاض يموتون ببطء في مشاهد قاسية أفطرت القلوب.

إخفاق في إنقاذ العالقين تحت الأنقاض

تتباهى تركيا بأن منظمة AFAD ، سريعة التدخل لتقديم المساعدات للمنكوبين المتضررين؛ نتيجة الكوارث الطبيعية، لكن هذه المنظمة الإغاثية التي أنشئت لأهداف أخرى، أخفقت في إنقاذ العالقين تحت الأنقاض، والتعامل مع الكارثة.

فبدلاً من تحذير السكان واتخاذ إجراءات الوقاية قبل وقوع الزلزال وعلى الرغم من تحذيرات العلماء لاحتواء الأزمة وتفعيل الآليات للوصول إلى المناطق التي تحتضر تحت خط الصدع، تبيّن أن السلطات التركية لم تأخذ أي احتياطات من شأنها إنقاذ حياة الملايين.

يقع شمال كردستان وتركيا ضمن منطقة جغرافية نشطة زلزالياً، تحيط بها ثلاثة صفائح تكتونية، (العربية والإفريقية والأوراسية)، وتنشط فيها ثلاثة خطوط زلزالية فاعلة، صدع غرب الأناضول، وصدع شمال الأناضول وصدع شرق الأناضول. إذ عانت المنطقة منذ عام 1500 من وقوع أكثر من 23 زلزالاً بقوة 7 درجات وأكثر، راح ضحيتها الآلاف.

إخراج الأموال بدلاً من الإنسان

بينما كانت أعين السكان في شمال كردستان وتركيا تترقب قدوم فرق الإغاثة والآليات لرفع الأنقاض للبحث عن ناجين عالقين، أرسلت الدولة آلياتها؛ لرفع الأنقاض عن البنوك وأخرجت الأموال بدلاً من الإنسان.

ونتيجة هذا التقاعس، تحوّل العالقون إلى جثث هامدة تجمدت حتى الموت، الفرق التي وصلت التقطت بعض الصور ثم رحلت، غير آبهة بحياة العالقين وتركتهم لمصيرهم.

أين ذهبت أموال ضرائب الزلزال؟

لكن السؤال الذي يتبادَر إلى الأذهان هو أين ذهبت أموال "ضريبة الزلزال"، أو "ضريبة الاتصالات الخاصة (SCT)، التي فرضتها الدولة بعد زلزال مرمرة 1999؟، حيث أُحصي بين عام 2000 ـ 2022، مبلغ 87 مليار، و998.8 مليون ليرة تركية؛ لتعويض الخسائر الاقتصادية.

30 كانون الثاني عام 2021، تمت زيادة معدل الضريبة من 7.5% إلى 10%. ومن المتوقع جمع 20.2 مليار ليرة تركية من ضريبة الاستهلاك الخاصة خلال 2023، أي 0.5% من إجمالي الإيرادات الضريبية.

تُلزم البلديات في تركيا أي مقيم فيها بدفع ضريبة الزلزال، عند فتح عدادات الغاز أو الكهرباء، وذلك بتقديم ورقة ضريبة الزلازل (Dask) لإجراء المعاملة، وتهدف إلى تأمين جميع الأضرار التي من الممكن أن تنتج عن الزلازل من حرائق وانفجارات وموجات تسونامي، بحيث يصبح المبنى مؤمناً بالكامل من الخارج والداخل.

ويغطي التأمين بشكل عام، تأمين الأبنية تجاه الزلازل، وإنشاء صندوق للأضرار المتوقعة من الزلازل، بناء بنية تحتية متينة ومقاوِمة للزلازل، وتطوير وعي التأمين في المجتمع.

الأموال تم إنفاقها على الطرق وغيرها

كان من المفترض إنفاق نحو 88 مليار ليرة على الوقاية من الكوارث وتطوير خدمات الطوارئ، بعد زلزال وان عام 2011، الذي راح ضحيته 644 شخصاً، وقد أعلن وزير المالية، محمد شيمشك أن الأموال التي جُمعت قد تم إنفاقها على طرق مزدوجة والمطارات والتعليم والصحة، بدلاً من تهيئة الأبنية لمقاومة الزلازل.

هذه المبالغ التي أُنفقت، وزعتها الدولة بعد إجراء عقود مع عدة شركات منها، (Cengiz Holding. Limak Holding.Kalyon Group. Kolin Holding.Makyol Group).

هذه الشركات تتلقى المناقصات من الدولة، ففي عام 2022 وحده، منحتهم مناقصات بمقدار 220 مليار دولار، ومنحت عفواً ضريبياً 128 مرة، حيث تشمل المناقصات بناء الجسور، والطرق السريعة، والمطارات، والأنفاق، والمستشفيات، وجسر Osmangazi، ومطار إسطنبول، ونفق أوراسيا، والجسر الثالث من بين أكثر المشاريع إثارة.

لم تستعد للزلزال طوال 20 عاماً

المبالغ التي أُنفقت تكذّب الرواية التركية، فهي لم تستعد للزلزال طوال 20 عاماً، وبدلاً من تجهيز الأبنية وتسليحها بالحديد والمواد المقاوِمة للزلزال، تُركت على حالها ضعيفة هشة.

الأولوية لميزانية الجيش لإبادة الكرد

جميع هذه الأموال أُنفقت على المشاريع التي تخدم الدولة، أردوغان الذي وضع على رأس أجنداته إبادة الشعب الكردي.

إذ بدأت ميزانية الجيش ترتفع من عام إلى آخر، وقد أولى الأهمية لهذا القطاع وأهمل القطاعات الأخرى، حيث قُدّرت ميزانية الجيش عام 1990، بـ 5 مليار و315 مليون دولار، وفي 1999 ارتفعت إلى 9 مليار و952 مليون دولار.

ومع وصول أردوغان إلى سدة الحكم، ارتفعت ميزانية الجيش إلى 12 مليار دولار، وبلغت نسبة الزيادة المقترحة في الموازنة المخصصة لوزارة الدفاع التركي خلال عام 2022، 20% لتسجل 80 مليار و439 مليون و536 ألف. هذه الأرقام تبين نهج السلطات التي لم تتخذ أي إجراءات في إصلاح المباني وضاعفت حجم الكارثة.

خلال عهد أردوغان، حصلت زلازل عديدة، منها جولك عام 2003، ووان عام 2011، وأزمير عام 2020، وفي عام 2022 وحده، كان هناك 15 زلزالاً في مناطق متفرقة بقوة 5 درجات وما فوق.

مستخفاً بأرواح الملايين أصدر 9 مرات عفواً عن الأبنية المخالفة

يتصدر أردوغان سدة الحكم منذ 20 عاماً، وخلال هذه المدة، أصدر عفواً عن القوانين التي أصدرها بشأن الأبنية المخالفة 9 مرات، آخرها عفو صدر عام 2018، حيث وضع بهذه الخطة الكثير من الأموال في خزينته، كذلك استغل هذا الموضوع للنجاح في الانتخابات، مستخفاً بأرواح عشرات الآلاف من الأبرياء.

الشعوب تحشد طاقاتها بروح جماعية

بعد تقاعس السلطات في تقديم المساعدات، حشدت الشعوب طاقاتها بروح جماعية، لتضميد الجراح ، وزحف الشبان نحو المناطق الأخرى؛ لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض لكن تم اعتقالهم وتعذيبهم.

بتنظيم من حزب الشعوب الديمقراطي، أُنشئ مركز تنسيق الأزمات، الذي عمل كخلية النحل، وجمع المساعدات وأرسلها إلى المناطق المتضررة، بينما قامت النساء بتنظيم المساعدات وإعداد خبز التنور، لم يمنعهم الطقس البارد من العمل.

المساعدات بيعت للمتاجر

بينما، تساعدت الشعوب مع بعضها، كانت إدارة الكوارث والطوارئ لا توزع سوى الخيام، وأخفقت في إخراج السكان، وبيعت المواد الإغاثية والمساعدات التي وصلت من الخارج وسُلمت إلى إدارة الكوارث والطوارئ متمثلة بـ منظمة AFAD، لبعض المتاجر في شمال كردستان، في مدينة آمد قام السكان بشراء البطانيات من أحد المحال مقابل (450 ـ 400) ليرة تركية.

(ل م)

ANHA