سرقة وتسييس مساعدات وإحاطة عربية ودولية.. ماذا سيتغير في سوريا بعد الزلزال؟

مع مرور أكثر من أسبوع على الزلزال المدمر الذي تعرضت له سوريا، لايزال عدد الضحايا والمصابين في ارتفاع، فيما لا تزال حكومة دمشق ومرتزقة الاحتلال التركي، يسيّسون ويسرقون المساعدات التي تقدم؛ للمنكوبين في المناطق المتضررة. فما مصير سوريا في ظل كل هذا الفساد وعدم المسؤولية، وهل يتحول الزلزال إلى باب؛ لتعويم الأسد عربياً ودولياً بعد تخفيف العقوبات والمساندة العربية للأسد؟

سرقة وتسييس مساعدات وإحاطة عربية ودولية.. ماذا سيتغير في سوريا بعد الزلزال؟
الأربعاء 15 شباط, 2023   21:32
مركز الأخبار- جودي إسماعيل

لعل الزلزال المدمر الذي ضرب شمال كردستان وتركيا وطال مناطق من سوريا، كان الفاجعة الأكبر على السوريين على مدار عمر الأزمة، فالسوريون الذين بقوا رهن التجاذبات السياسية والأجندات الدولية، وجدوا أنفسهم اليوم مستندين على فراغ، فلا من يسمون أنفسهم بـ "المعارضة" ولا حكومة دمشق تحركت بالشكل المطلوب؛ لإنقاذهم، بل منعوا وعرقلوا حتى المساعدات التي قُدمت لأجلهم من المنظمات ودول الجوار.

عدد من المصادر المطلعة في حلب -المنطقة الأكثر تضرراً من الزلزال في سوريا- أفادت بأن الجهات التابعة لحكومة دمشق والمعنية باستلام المساعدات استحوذت؛ خلال الأيام الماضية على المئات من شحنات المساعدات ووجهتها إلى ساحة سوق الإنتاج في حلب الواقعة بحي "المحافظة" بعد امتلاء مخازن مطار حلب الدولي، مؤكدة أن المساعدات إلى الآن لم يتم توزيعها بل يتم تخزينها في سوق الإنتاج وأن التوزيع في بعض النقاط يتم على أساس "الواسطات" والمعارف بعيداً عن التوزيع العادل عبر اللجان، أو ينتهي الحال بها معروضة للبيع في المتاجر.

وفي المناطق التي تحتلها تركيا، ظهرت مقاطع فيديو نشرها رواد مواقع التواصل الافتراضي سرقة مرتزقة الاحتلال التركي؛ للمساعدات الإنسانية المقدمة لأهالي جندريسه في أحد المستودعات على طريق راجو.

وعلى الرغم من هول الكارثة الإنسانية التي لحقت بمناطق وسط وشمال غرب سوريا، إلا أن دولة الاحتلال التركي تمنع دخول المساعدات التي أرسلتها الإدارة الذاتية إلى المناطق المنكوبة في سوريا.

بالمقابل عرقلت حكومة دمشق دخول المساعدات لعدة أيام، ولم تسمح بدخولها إلا بعد جهودة كبيرة بذلتها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

ورأى الكاتب والصحفي السوري، ثائر الزعزوع، في حديث، لوكالتنا، أنه "لم يكن متوقعاً لا من النظام، وما تسمى المعارضة أن يتصرفا بشكل مختلف عن تصرفهما خلال هذه الكارثة"، وتابع موضحاً: "الفساد؛ هو العمود الفقري الذي تأسسا عليه، والفساد هو الذي يضمن الاستمرار لهما طيلة هذه السنوات، وأي تصرف مختلف سوف يكون شاذاً وخارجاً عن القاعدة".

وأضاف إن: "ما فعلاه ينسجم كلياً مع بنيتهما ومع توجههما، وبدل أن تدفع الكارثة الأطراف جميعاً؛ للاتفاق ومحاولة إنقاذ ما تبقى، حدث العكس تماماً؛ فقد زادت الاختلافات وتبادل الاتهامات وهو ما يعني زيادة في عمر الأزمة، ربما سنوات إضافية، فسوريا وصلت إلى مرحلة اللا حل، وهذا ليس كلاماً تشاؤمياً أو سوداوياً، لكن، نحن فعلاً نعيش مرحلة اللا حل، وسوف يبقى الوضع على ما هو عليه، هكذا من دون أي خطوة إلى الأمام".

هل يساهم الزلزال في تعويم الأسد عربياً؟

خلّف الزلزال وراءه كارثة كبرى، غير أن الألم والمعاناة الإنسانية وحجم الخسائر المادية -على الرغم من تأثيرهم الكبير- تظل من منظور حسابات الأطراف المتدخلة في سوريا؛ بضعة نتائج قياساً بالناتج السياسي للزلزال، وما يتركه من أثر على مستوياته المختلفة.

فمنذ اليوم الأول للفاجعة، سارع قادة وملوك دول عربية عدة إلى التواصل مع بشار الأسد وإبداء تضامنهم مع الشعب السوري قبل أن تحط طائرات المساعدات تباعاً في مطارات دمشق وحلب واللاذقية في خطوة، ربما؛ تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها سرعان ما قد تتحول إلى فرصة يستغلها الأسد في تسريع إعادة علاقاته مع محيطه العربي، حسب مراقبين.

الباحث في معهد "نيولاينز" نيك هيراس، رأى أن "المأساة المروعة التي عصفت بسوريا وتركيا، هي فرصة واضحة للأسد من أجل؛ محاولة دفع عملية تطبيع نظامه مع بقية العالم العربي، والتي إن كانت تسير ببطء لكنها تتقدم"، حسب ما نقلت شبكة فرانس 24.

إلا أن الزعزوع، له رأي أخر في مسألة إعادة التطبيع العربي مع الأسد، موضحاً بالقول: "في اليوم الخامس من الكارثة أطل رأس النظام وزوجته مبتسمين ضاحكين، يلتقطان صور السيلفي قرب الخراب في مدينة حلب، هذه الصورة العبثية التي أرادا إيصالها للعالم، والتي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية؛ هي ببساطة طريقة تعامل نظام دمشق مع أي شيء، هذا ملخص لأكثر من 12 عاماً من الدمار".

وتابع الزعزوع متسائلاً: "فهل يمكن، والحالة هذه، التعامل مع نظام كهذا؟ هذا سؤال برسم القادة العرب الذين سارعوا إلى إرسال رسائل تعزية لرأس النظام، باعتباره قائداً للدولة، لكنه في الحقيقة؛ بدا كمهرج، لا يمكن التعويل عليه، وهل يستطيع استغلال ذلك؛ لتحسين صورته في المحيط العربي، أشك في ذلك، لكن تبقى السياسة؛ لغة مصالح، وهي لا تعترف في الكثير من الأوقات لا بالمشاعر الإنسانية ولا بالمآسي".

ماذا عن تخفيف العقوبات الأميركية؟

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس 9 شباط، إنها تقدم 180 يوماً من تخفيف العقوبات على سوريا من أجل السماح ببعض المعاملات؛ لجهود الإنعاش في أعقاب الزلزال، بعد تحذيرات قادة الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية من أن العقوبات تعوق الجهود المبذولة لإيصال المساعدات في سوريا التي ضربها الزلزال.

وأثارت هذه الخطوة مثلها كمثل الإحاطة والدعم العربي للأسد عقب الزلزال؛ مخاوف من استغلال الأخير هذا الانفتاح لتعويم نفسه دولياً وتعزيز سلطته على حساب ضحايا الكارثة عبر سيطرته على توزيع المساعدات؛ كفرصة للعودة إلى المجتمع الدولي.

ورأى الزعزوع أن "مسألة إعادة الاعتراف الدولي بالأسد، أو إعادة تطبيع العلاقات معه، كانت قد بدأت فعلاً قبيل الزلزال، هناك بعض الدول العربية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية الكاملة بالنظام، وكانت هناك محاولات للتقريب بين أنقرة ودمشق تقودها موسكو، وربما قد تساهم الكارثة في إعادة تعويمه على الرغم من أن عواصم القرار الدولي، مثل واشنطن وباريس والرياض أيضاً مازالت متمسكة بمواقفها، وتطالب بالعودة إلى قرار مجلس الأمن الدولي/ ٢٢٥٤ / وهو الذي ترفضه دمشق جملة وتفصيلاً".

ولا يعتقد الزعزوع على المدى المنظور أن "يجد النظام لنفسه مكاناً في المجتمع الدولي مرة أخرى، أقله في حال استمراره رفض التغير، وإصراره على عدم فك تبعيته؛ لإيران، المنبوذة بدورها من المجتمع الدولي ومن دون أن ننسى ورطة بوتين، الوصي الأكبر على النظام في حربه على أوكرانيا، وتحوله هو الآخر إلى عنصر مرفوض دولياً، نحن على الأغلب، نتحدث عن محور عالمي ربما يشبه ما كان يوصف أميركياً بمحور الشر، وهذا المحور سوف يظل مرفوضاً، حتى تتغير المعادلة العسكرية في أوكرانيا".

وأضاف: "الأمر لم يعد يتعلق بمسألة الثورة السورية وتعامل النظام معها، بل تجاوزه إلى حالة عالمية كاملة".

الاقتصاد السوري ما بعد الزلزال.. الكارثة الأكبر لم تأتِ بعد

في الوقت الذي تتحدث فيها عدة تقارير عالمية عن وصول أكثر من 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر؛ جراء الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا إثر انهيار قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية والعقوبات المفروضة على سوريا، بات الوضع الآن أسوأ ما كان عليه في السابق، لتخرج من نطاق الأزمة إلى نطاق الكارثة، دون أن يكون هناك أية حلول تلوح في الأفق.

وعن تأثير الزلزال المدمر على الاقتصاد السوري، قال الزعزوع: "كان تأثير الزلزال كبيراً على سوريا وحتى في تركيا التي تضم مئات آلاف النازحين والمشردين السوريين، ولا يمكننا بسهولة التحدث عن آثاره بعيدة المدى، اقتصادياً واجتماعياً، لكن ومن خلال المعطيات الأولية لعدد المنازل التي دمرت بالكامل أو جزئياً، هناك إحصائيات مخيفة حقاً، وسوف تتداعى النتائج تباعاً؛ مزيداً من الفقر، ونزوحاً جديداً هذه المرة ربما يكون باتجاه الداخل، مناطق شرق الفرات مثلاً، أو حتى المناطق التي يسيطر عليها النظام".

وتابع الزعزوع: "هذا الأمر بالإضافة إلى ما سيخلقه من مشاكل سياسية بين الأطراف المتنازعة والمسيطرة على تلك المناطق، فهو أيضاً يبعثر الأوراق التي كانت قد بدأت، ولو جزئياً، تأخذ شكلاً مقبولاً ومتفقاً عليه، وعلينا ألا ننسى أنه سواء في مناطق شرق الفرات أو حتى في مناطق النظام، هناك أزمة سكن و إسكان؛ بسبب ما خلفته سنوات الحرب من دمار وعمليات النزوح السابقة، لذلك أعتقد أننا و إن كنا نتحدث عن كارثة الزلزال بوصفها خراباً لا يمكن الإحاطة بنتائجه، إلا أن ما سيأتي لاحقاً و في غضون أسابيع قليلة؛ ربما يكون الكارثة الأكبر".

(ي ح)

ANHA