​​​​​​​حلقة "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في روج آفا

عندما كان المحتلّون يقومون بمسرحيّة الحكم على القائد عبد الله أوجلان بالإعدام، ردّ الشهيد جهاد ديرك في اليوم ذاته بجعل جسده حلقةً من النار. حينها استقبلت والدته العربيّة هذا الخبر بالزغاريد والهتافات. وقد عبّر إخوته عن ارتباطهم برسائله التي ترشدهم اليوم.

​​​​​​​حلقة "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في روج آفا
الثلاثاء 14 شباط, 2023   01:14
قامشلو- هيلين أيلول

يرشد نضال، ذكريات ورسائل الفدائيين الذين شكّلوا حلقةً من النار في وجه المؤامرة الدوليّة، اليوم إلى درب المقاومة والحريّة. والشهيد جهاد ديرك (حسين عبد الله) هو أحد هؤلاء الفدائيين، والذي شكّل بشعار "يحيا القائد آبو" حلقة فعاليات "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في روج آفا.

وُلد حسين عبد الله (جهاد ديرك) في قرية عين ديوار التابعة لناحية ديرك في مقاطعة قامشلو عام 1976 ودرس المرحلة الابتدائيّة بمدرسة القريّة، فيما درس المرحلتين الإعداديّة والثانويّة في مدارس ديرك.

ونشأ في كنف أسرةٍ وطنيّة مؤلفة من 7 أشقّاء وشقيقة واحدة، وقد كان محبوباً جدّاً لأنّه كان الأصغر بين إخوته. تعرّف إلى حركة التحرّر الكردستانيّة في عمر صغير، وانضمّ اثنان من إخوته إلى صفوف الكريلا عام 1990، وقد تأثّر حسين عبد الله بمعرفة الحركة وانضمام شقيقَيه إلى الكريلا جداً، وعلى إثر ذلك انضمّ إلى صفوف حزب العمال الكردستاني عام 1993 وأصبح جهاد ديرك اسمه الحركي.

وقد خضع في العام ذاته لتدريب القائد عبد الله أوجلان في أكاديميّة معصوم قورقماز في لبنان. ثمّ عاد بعد هذه الدورة التدريبيّة؛ إلى روج آفا وخاض نضاله هناك، وبقي في المنطقة حتّى بدأت المؤامرة الدوليّة ضدّ القائد عبد الله أوجلان عام 1999. 

موقفه حيال المؤامرة

مع انطلاق المؤامرة الدوليّة بمشاركة العديد من القوى الإقليمية والدوليّة، كان الشهيد جهاد ديرك منخرطاً في أعمال الحزب في عامودا. وقد أثارت المؤامرة غضباً كبيراً لديه، فقام بتنظيم المقاومة بين الأهالي.

وفي هذه الأثناء؛ كان يتابع عملية "مسرحيّة المحاكمة" في إمرالي بدقّة، ويقرأ رسائل القائد أوجلان ويستمع إليها بعناية.

توجيه رسالة العملية إلى أسرته

زار جهاد ديرك عائلته في ديرك قبل عدّة أيامٍ من انتهاء المحاكمة في إمرالي. وركّز في هذه الزيارة على أهميّة النضال ضدّ المؤامرة ووجّه رسالته لهم، قائلاً: "علينا ألّا نقبل بهذا وننفّذ الفعاليات"، كما قال لوالدته: "سأقوم بفعالية كبيرة".

واستذكر شقيق الشهيد جهاد، عز الدين عبد الله الأحاديث التي دارت بين الشهيد جهاد وأسرته في يوم زيارته قائلاً: "بعد المؤامرة، عاد جهاد إلى المنزل وبقي لفترة، لكنّه كان دائم التفكير وقد قال لنا ’علينا إسقاط هذه المؤامرة، لقد قام العديد من رفاقي بفعالياتٍ لإفشالها. من واجبنا أيضاً إفشال هذه المؤامرة‘ وفي إحدى المرّات قال لنا ’ستسمعون بفعاليتي قريباً‘ بعدها عاد إلى عامودا مجدّداً".   

حلقةً من النار

بعد عودته إلى عامودا؛ نظّم النضال ضدّ المؤامرة بلا هوادة، وقد تابع خلال قيامه بهذا آخر التطورات في إمرالي وانشغل بكيفيّة الردّ على هذه المؤامرة.

بلغ غضب الشهيد جهاد ذروته عندما حكمت محكمة دولة الاحتلال التركي بالإعدام على القائد أوجلان، ما دفعه إلى التوجّه في اليوم ذاته إلى ساحة "أمن الدولة" حيث العديد من مؤسسات الدولة، وإضرام النار في جسده تحت شعار "يحيا القائد آبو".

بعد تنفيذه للفعاليّة وإضرامه النار في جسده؛ هرع المواطنون الذين شهدوا ذلك، إلى إخماد النار، ونقله إلى المستشفى، وبعد التدخلات الطبيّة الأوليّة، نُقل إلى إحدى مستشفيات دمشق.

وفي هذه الأثناء؛ تلّقت عائلته خبر الفعاليّة من معارفهم في عامودا. وعلّق عز الدين عبد الله على هذا قائلاً: "عندما سمعنا أنّ جهاد نفّذ عمليةً فدائيّة، سارع والداي ورفاقه في النضال للوصول إلى عامودا، ونقلوه إلى إحدى مستشفيات دمشق".

الرسالة التي وجّهها من المستشفى

بقي جهاد في المستشفى لـ 10 أيام وكان في وعيه، وقد أعلن عن هدف فعاليته أمام الكاميرات، كما وجّه إلى الشعب الكردي رسالةً دعا فيه إلى تصعيد النضال.

يقول الشهيد جهاد: "إن سألتم مَن هو القائد بالنسبة لي؟ فسيكون ردّي هو: إن القائد بالنسبة لي يمثّل الدنيا، الأخرة، الوجود والفناء، إنّه يمثّل الهويّة، البطولة، الأخلاق وكل شيء في الحياة. كيف سأصبح ردّاً وأُسقط هذه المؤامرة. لقد وصلت إلى هذا المستوى بفكر وفلسفة القائد وتعرّفت على كياني وهويتي وحقيقة المجتمع والحياة، لقد أصبحت شخصيّةً تتحلّى بالمعرفة. وعليّ اليوم ردّ الجميل لهذه الجهود. إنّ إحراق النفس ليس أمرأً هيّناً.

إنّ للنار مكانةً خاصة لدى الشعب الكردي وشعوب مزوبوتاميا عامةً، لقد اقتديت بالأبطال الكرد كفرهاد كورتاي وزكية آلكان اللذان نفّذا فعالياتٍ سابقة وكانا الدافع الذي انطلقت منه لتنفيذ هذه الفعاليّة. إنّ القائد آبو يستحقّ أنّ نضحّي جميعاً بأنفسنا من أجله وأن ننسى شخصيتنا الفرديّة في سبيل النضال. إنّ الثائر يضحّي بنفسه في سبيل أن يعيش شعبه حرّاً. إنّ القائد آبو يقاوم جميع الأمور، ويتجاوز شخصيته. وعلينا بدورنا التعلّم من القائد آبو. ولهذا على جميع أصحاب الضمير التحرك بناءً على هذا. إن اليوم هو يومنا، وفي الواقع؛ لو تحليّنا بالصبر فسنتّجه نساءً، رجالاً، كباراً وصغاراً نحو الحريّة خطوةً بخطوة. وكما يقول القائد أوجلان؛ إنّ وجود الشعب الكردي ممكن من خلال الحرب والمقاومة، ولن يتحرّر الشعب الكردي بلا مقاومة. أنا أرحّب بكلّ شعبي وأقول بصدقٍ ومن كلّ قلبي؛ أتمنى لو كانت هناك فعالية أعظم من هذه، لكنت ضحّيت بألف روحٍ من أجل هذا الشعب". 

كانت حروق المناضل جهاد ديرك شديدة وخطيرة واستشهد بنتيجتها، إذ التحق بموكب شهداء "لن تستطيعوا حجب شمسنا" في اليوم العاشر في المستشفى أي في الـ 8 من تموز عام 1999.

أطلقوا اسمه على الساحة

مع انطلاق الثورة في روج آفا في 19 تموز عام 2012، كان إحياء ذكرى الشهيد جهاد من أولى الأعمال. وفي هذا السياق، تمّ تغيير اسم الساحة التي نفّذ فيها فعاليته إلى "ساحة الشهيد جهاد". واليوم يعرف جميع أهالي عامودا وروج آفا هذه الساحة بهذا الاسم.   

إخوة الشهيد جهاد: سنسير على خطاه

استشهد شقيق الشهيد جهاد، فولكان عبد الله (فولكان) الذي كان قد انضمّ إلى صفوف الكريلا عام 1990 بعدها بعام أي في عام 1991.

أكّد إخوة الشهيدين جهاد وفولكان؛ على أنّهم ملتزمون بالسير على خطا شقيقيهم، وقد أشار شقيقهما عز الدين إلى شخصيّة الشهيد جهاد قائلاً: "لقد كان الشهيد جهاد حنوناً ولطيفاً منذ طفولته، وكان متفوّقاً في دراسته وناجحاً في حياته. كما كان محبوباً لدى العائلة. نحن سبعة إخوة وأخت وحيدة، وقد انضمّ الشهيد جهاد واثنان آخرَين من أشقائي إلى صفوف حركة التحرّر الكردستانيّة. وكان جهاد الأصغر، وأردنا كعائلة أن يتابع تعليمه، لكنّه تعرّف على فلسفة وأيديولوجية القائد آبو".

الجواب الذي قدّمه لوالدته

أوضح عز الدين أنّ الشهيد جهاد ردّ على رغبة الأسرة بمتابعة تعليمه في مدارس الدولة بإجابةٍ تحمل مغزىً كبيراً، وتابع حديثه قائلاً: "كثيراً ما كانت تقول له والدتي ’تابع تعليمك‘ وكان جهاد يجيبها بـ ’أنا أعيش في بلادٍ تُعتبر غير موجودة، أعيش في وطنٍ مضطهد، لا أستطيع إلّا قبول فكر وأيديولوجيّة القائد والانضمام إلى الحزب. قال القائد، بدأنا بالشبيبة وسننتصر بهم. وعلى هذا الأساس سأنضم إلى صفوف الحزب‘، ثم انضمّ إلى الحزب بعد هذه الأحاديث. وكان ناجحاً جدّاً في نضاله ضمن الحركة".

وتحدّث فرحان عبد الله وهو أيضاً أحد إخوة الشهيد جهاد عن حياة ونضال شقيقه، قائلاً: "كان جهاد محبوباً لدى عائلته وبين رفاقه، كان شخصاً متواضعاً ومتفائلاً. عاش على الحقّ وناصره دائماً. كان له مكانة خاصة في قلوب الجميع. وقد تغيّر ارتباطه بالوطن والحياة بعد تعرّفه عل فلسفة القائد آبو. فقد أعاد بناء شخصيته وفهم كيانه. تغيّر نهج جهاد تجاه الناس مع تعرّفه على أفكار القائد آبو، فقد ازداد ارتباطه بهم ووصل بأعماله إلى قلوب الجميع. كان يرى وجوده وعدمه في فكر وفلسفة القائد ووجوده".

موقف الأم

ذكر فرحان أنّ والدته الراحلة؛ استقبلت خبر استشهاد ابنها جهاد في المستشفى بالزغاريد وترديد شعار "لا حياة بدون القائد"، وتابع فرحان حديثه قائلاً: "أمّي عربيّة من حلب، لكنّي لا أستطيع التعبير عن ارتباطها بالقائد. فبعد ترديدها لهذا الشعار قالت: "لديّ سبعة أبناء سأضحّي بهم جميعاً من أجل القائد" وقد اندهش الأطباء من هذا الموقف وقالوا ’هذه الحركة ستنتصر‘".

وأشار فرحان إلى أنّهم فهموا حقيقة القائد بشكلٍ أفضل بعد فعالية الشهيد جهاد وتابع حديثه قائلاً: "لقد فهمنا هوية الشعب الكردي بشكلٍ أفضل. لم تُنفّذ مثل هذه الفعاليات من قبل الشخصيات الرائدة لدى الشعوب في أي دينٍ أو معتقد. لكنّ المئات أضرموا النار بأجسادهم من أجل القائد آبو مشكّلين حوله حلقةً من النار. وكل هذا يدلّ على أنّه لن يكون بمقدور أحد حجب شمسنا. فنحن تلاميذ القائد آبو وسنناضل حتّى تحقيق الحريّة".

وأكّد كلّ من عز الدين وفرحان عبد الله على أنّهما سيناضلان على خطا الشهداء والقائد عبد الله أوجلان.

(ر)

ANHA