في ظل غياب الدولة.. اللبنانيون يحمون غاباتهم من عمليات القطع الجائر

تنامت في الآونة الأخيرة، عمليات قطع الشجر لبيع جذوعه حطباً؛ للتدفئة، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود في لبنان، ما دفع الأهالي إلى تسيير دوريات ليلية في الغابات المحيطة بقريتهم؛ لمكافحة عمليات القطع وحماية غاباتهم.

في ظل غياب الدولة.. اللبنانيون يحمون غاباتهم من عمليات القطع الجائر
الثلاثاء 7 شباط, 2023   22:35
بيروت – زياد أبو غزالة

يعمّ الهجوم على أحراج لبنان كل المناطق من دون استثناء، ويأتي على خلفية انهيار سعر صرف الليرة في مقابل الدولار الأميركي، وفقدان رواتب الموظفين أكثر من 90% من قيمتها، وعجز الغالبية العظمى من سكان الأرياف والجبال عن تدفئة عائلاتهم وتحمّل كلفة شراء المازوت.

تزامن ذلك مع غياب مؤسسات الدولة والهيئات الرقابية ومعها الأجهزة الأمنية، ودور مأموري الأحراج؛ الذين لا تتوفر لهم في معظم مراكزهم سيارات صالحة للسير ولا حتى ثمن الوقود اللازم، ما دفع مجموعات عدة من الشبان إلى تسيير دوريات ليلية في الغابات المحيطة بقريتهم؛ لمكافحة عمليات القطع وحماية غاباتهم.

والنتيجة مجزرة بيئية حقيقية تتعرّض لها غابات وأحراج لبنان من تعدّياتٍ وقطعٍ وتشحيلٍ عشوائي، إذ لم يعد الحطب وسيلة للتدفئة فقط، بل تعزز الاعتماد عليه في الاستعمالات المنزلية الأخرى، كالطبخ والغسيل وتسخين مياه الاستحمام.

الضابط في شرطة قرية عيناتا، غاندي رحمة، وصف عملية قطع الأشجار "بالمجزرة"، وقال، إن "مجموعات من أهالي المنطقة وعمال من خارجها يرتكبون مجازر بقطع أشجار عمرها آلاف السنين".

وأشار رحمة إلى أن الدولة غير قادرة حالياً على توفير الحماية للغابات والثروة البيئية بالنظر إلى الظروف الصعبة والمعقدة التي يعيشها لبنان اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.

وتعود مسؤولية حماية الأحراج إلى وزارة الزراعة، حيث يتقدّم المواطنون من مراكز الوزارة المنتشرة في المناطق بطلبات للحصول على تراخيص تشحيل (تقليم الأشجار)، يتمّ بعدها تكليف حرّاس الأحراج؛ بإجراء عمليات الكشف والمراقبة وتسطير المخالفات وتحويلها إلى النيابة العامة.

وتؤدّي البلديات واللجان الإدارية للمحميات المعيّنة من قبل وزارة البيئة؛ دوراً مسانداً عبر تعيين نواطير من قبلها، إلّا أنّ وزارة الزراعة تعاني من نقصٍ في عدد مأموري الأحراج حيث لا يتجاوز 140 حارساً فيما الوزارة تحتاج إلى أكثر من 330 مأموراً؛ للقيام بالواجبات المنوطة.

الشباب الذين انبروا للدفاع عن غاباتهم في ظل غياب الدولة، أكدوا لوكالتنا أن "كلّ أسبوع يتناقص عدد الأشجار وعلى وجه الخصوص أشجار الحور والدردار، وفي بعض الأحيان يتمّ قطع أشجار الصنوبر، وكذلك كميات كبيرة جداً من أشجار السنديان؛ كونها موجودة على المرتفعات وبعيدة عن الأنظار. كلّ ذلك بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي لم تستثنِ أحداً، تماماً كما موجة الصقيع".

وأضافوا إن: "هناك غياباً تامّاً لأيّ رقابة فاعلة، فالدولة لا تقوم بواجبها، والمواطن ليس واعياً لتداعيات هذه الظاهرة الخطيرة على البيئة واللبنانيين، وهو ما جعلنا نقوم بواجب الدولة من الدفاع عن أشجارنا وغاباتنا من خلال دوريات ليلية لشباب القرى".

من جهته، أكد الخبير البيئي بول أبي راشد، أنّ "قطع الأشجار في لبنان لا يحتاج إلى منع وتجريم، بل إلى اعتماد إدارة متكاملة للغابات، بمعنى السماح بالقطع وفق خطة محدّدة وضوابط صارمة جداً، والسماح باستثمار المساحات الخضراء بشكلٍ لا يلحق أيّ ضررٍ وفق إطار قانونيّ يحفظ استدامة الحياة والطبيعة".

وأضاف أبي راشد، لوكالتنا: "أن الأساس ألّا نعزل الإنسان عن محيطه، بل أن نفعّل دوره الإيجابي في مراقبة النباتات والأشجار، بما يضمن حماية الغابات من الحرائق المفتعلة وغير المفتعلة، ويخفّف من وطأة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في منطقتنا التي تُعدّ بالأصل مجتمعات زراعية؛ تعتمد على التفحيم وقطع الحطب".

وطالب أبي راشد "القوى والأجهزة الأمنية بكشف اللصوص المعتدين على ثروتنا الحرجية وتوقيفهم وإحالتهم إلى المدعي العام البيئي، لينالوا عقابهم العادل، وليكونوا عبرة للآخرين، لأنّ السكوت عن هذه الارتكابات يشجّع على المزيد من التعديات والسرقات".

(ي ح)

ANHA