من ليبيا إلى روج آفا.. محمد نوري أبو بكر الشخصية التي كرست 40 عاماً في سبيل الوطن

​​​​​​​من ليبيا إلى روج آفا ومن عام 1980 وحتى أواخر 2022 كرّس محمد نوري أبو بكر حسن حياته لخدمة وطنه، وجسّد القيم الوطنية التي آمن بها في أسرته وبين رفاق دربه، وأوصى بتصعيد النضال وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة في أواخر العام الفائت.

من ليبيا إلى روج آفا.. محمد نوري أبو بكر الشخصية التي كرست 40 عاماً في سبيل الوطن
الأحد 15 كانون الثاني, 2023   00:25
قامشلو - كلهات آندوك

الوطني الذي لم يبخل يوماً في تقديم التضحيات من أجل قضيته، وأول المشاركين في الفعاليات التي نُظمت في روج آفا برفعه شارة النصر أمام شعبه، والشاهد على كل مراحل نضال ومقاومة ثورة 19 تموز، منذ بداية اندلاعها عام 2012، الأب، محمد نوري أبو بكر، رفيق درب الشهيد، يوسف كلو في المسيرة النضالية من أجل الكردياتية، الذي وصف حزب العمال الكردستاني (PKK) بأنه "كالهواء الذي يتنفسه"، وعلى أساسه كرس حياته من أجل هذا الفكر؛ لأنه الخلاص لكل شعب كردستان.  

من هو محمد نوري أبو بكر؟

ولد محمد نوري أبو بكر حسن عام 1953، في بلدة عابرة التابعة لناحية جل آغا في مقاطعة قامشلو، وبعد ولادته، انتقلت أسرته إلى قرية كركي خلو الواقعة في الجهة الغربية للناحية.

لم ينه دراسته الابتدائية؛ بسبب الوضع المعيشي المتردي للأسرة، لينتقل مرة أخرى مع أسرته إلى مدينة قامشلو، للبحث عن عمل آنذاك، ويبدأ بالعمل في مهنة النجارة.

/ar/uploads/files/2023/01/14/165832_fyrwz-hsyn.webp

بسبب وضعه المعيشي الصعب، وفي ظل المسؤوليات الجديدة التي كانت تقع على عاتقه وزواجه من فيروز حسين عام 1979، قرر الهجرة إلى ليبيا في العام ذاته، ومواصلة عمله في مهنة النجارة، وبعد عامين من الهجرة التحقت به زوجته وأولاده (3 بنات، و6 شباب).

الهجرة إلى ليبيا كانت بمثابة بداية جديدة في حياته، فقد تعرّف هناك على حركة حرية كردستان عام 1980 عن طريق أعضاء الحركة، ليتأثر بفكر القائد عبد الله أوجلان، ويبدأ على إثرها، مسيرة نضالٍ حافلة بالتضحيات والإنجازات.

حيث قالت زوجته، فيروز حسين عنه في تلك المرحلة "كان مواطناً كردستانياً، داعماً للمناضلين في كل الظروف الصعبة التي عشناها، ولم يبخل في تقديم الدعم لحركة حرية كردستان، مؤمناً بالحياة التشاركية بين المرأة والرجل وبالأفكار التي طرحها القائد أوجلان وعمل على تطبيقها في المنزل".

التمسك بفكر حركة حرية كردستان

جعل محمد نوري أبو بكر منزله في ليبيا آنذاك؛ مقراً لتجمّع أعضاء حركة حرية كردستان، ومركزاً لكل الأشخاص الذين أرادوا الانضمام إلى صفوف الحركة والعودة إلى الوطن (كردستان) من خلاله.   

واستذكرت فيروز بعض النقاشات التي كانت تدور بينها وبين محمد نوري أبو بكر عن الحركة "كنت أطرح بشكل مستمر سؤالاً، لماذا كل هذا التمسك بحركة حرية كردستان والنضال؟ كان يجيب (جميع الشعوب لها أوطانها، نحن أيضاً لنا الحق في المطالبة بوطننا الذي قسّموه وسلبونا إياه، واليوم يشن الأعداء هجمات الإبادة علينا من كل حدب وصوب، فكيف لي ألا أتمسك بهذا النضال؛ وهو الخلاص لحرية وطننا".

وبعد فترة من تعرّف أبو بكر على فكر الحركة، انخرط في العمل الجبهوي ضمن حركة حرية كردستان في مناطق روج آفا، بعد عودته إلى مسقط رأسه بمدينة قامشلو عام 1984.

من وطني إلى والد للشهداء

الشخصية الوطنية، نوري أبو بكر عاش على فكر حركة حرية كردستان ومبادئها، ربّى كل أولاده أيضاً على هذا الفكر عبر التأكيد لأولاده على أهمية حزب العمال الكردستاني ومبادئه النبيلة، وحثّهم على ضرورة الانخراط ضمن صفوفه.

حيث انخرطت ابنته الكبرى، كلستان أبو بكر (ساريا جودي) في صفوف حزب العمال الكردستاني عام 1999؛ لتأدية واجبها الوطني تجاه شعبها وقضيتها والنضال في جبال كردستان الحرة، واستشهدت عام 2009 بهجمات دولة الاحتلال التركي على مناطق الدفاع المشروع.

وأثناء مراسم تشييع الشهيدة ساريا جودي، تعهدت الابنة الثانية للشخصية الوطنية، محمد نوري أبو بكر، ميساء، بحمل سلاح شقيقتها واستكمال طريقها، وبعد فترة وجيزة انضمت إلى صفوف حزب العمال الكردستاني، وتوجّهت إلى جبال كردستان، حاملة اسم شقيقتها (ساريا جودي)، وناضلت حتى استشهدت عام 2016.

'أيعقل أن أمنع ابنتي من سلوك طريق الحقيقة والحرية!'

قال محمد نوري أبو بكر عن انضمام ابنته كلستان، في لقاء أجرته وكالتنا معه، في الذكرى السنوية لتأسيس حزب العمال الكردستاني قبل الآن "انضمت ابنتي كلستان لصفوف الحزب عام 1999، بعض الأقارب حاولوا منعها، إلا أنني أجبتهم، أنا الذي أناضل من أجل أن ينضمّ شبان وشابات الكرد إلى صفوف الحزب، أيعقل أن أمنع ابنتي من سلوك طريق الحقيقة والحرية!".

وأكدت فيروز "يعود الفضل في انضمامهما لحركة الحرية إلى والدهما؛ لأنه زرع في قلوب أولادنا وبناتنا حب الوطن، وسعى دوماً من أجل رؤية كردستان حرة، ووطن حر جامع لكل المكونات".

وأضافت: "لا زلت أتذكر عندما قررت ابنتي كلستان الالتحاق بالحركة، ودعها والدها بقبلة على جبينها".

من مؤسسي مجلس عوائل الشهداء وPYD

كان محمد نوري من أوائل المنضمين إلى صفوف ثورة 19 تموز، حيث ناضل في العديد من المجالات لترسيخ فكر الأمة الديمقراطية بين شعب المنطقة وتأسيس المؤسسات ولجان الصلح آنذاك.

/ar/uploads/files/2023/01/14/165819_slyman-abw-bkr.webp

يستذكر شقيقه، سليمان أبو بكر، مسيرة نضاله في الثورة، بالقول: "كان من الشخصيات التي سخرت كافة إمكاناتها للثورة في روج آفا على الرغم من تعرضه للعديد من المضايقات من قبل حكومة دمشق والأجهزة الاستخباراتية؛ لكنه لم يرها عائقاً أمام تأديته لواجباته الوطنية".

عمل محمد نوري أبو بكر إلى جانب العديد من الشخصيات الوطنية في روج آفا كيوسف كلو، وعيسى حسو، واعتقل 3 مرات على يد سلطات حكومة دمشق، الأولى عام 2004، حيث سجن مدة شهرين، والمرة الثانية عام 2007 لمدة شهر، وفي بداية الأزمة السورية أيضاً لمدة خمسة أشهر.

وقال شقيقه، سليمان أبو بكر عن ذلك "عند استشهاد ابنته الأولى، كلستان (ساريا جودي) عام 2008، لم يكن أحد يتجرأ على إعلان سجل الشهداء، إلا أن محمد نوري نصب لها خيمة عزاء، وعند تعرضه للمضايقات من قبل حكومة دمشق، ردد هذا عزاء ابنتي ولن أطلب الأذن منكم لنصب خيمة عزائها". لذلك تعرض للاعتقال بعد هذا الموقف؛ لكن السخط الشعبي أجبر الحكومة على إطلاق سراحه.

ويعتبر محمد نوري أبو بكر، أحد الأعضاء المؤسسين لمجلس عوائل الشهداء، إلى جانب بناء قاعدة وبنية حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في  20 أيلول/ سبتمبر 2003 في روج آفا، حيث شارك في الكونفرانس الأول لتأسيسه.

وبيّن سليمان أن شقيقه كان أول من قام ببناء سور حول مزار الشهيد دليل ساروخان عام 2012، حينها تعرض للعديد من المضايقات من قبل حكومة دمشق لمنع ذلك، إلا أن استشهاد المناضل، دليل ساروخان، كان دافعاً له لبناء ستار حول ضريحه ليصبح بعد ذلك مزاراً لشهداء الحرية.

فقدانه لقدمه

وأشار سليمان إلى أن شقيقه لم يبخل يوماً تجاه قضيته، فقد كان ينضم إلى النشاطات والفعاليات أينما كانت وفي أي وقت، وأصيب في الفترة الأخيرة بأمراض عديدة في القلب، كما أصيب بمرض السكري ما أدى إلى فقدانه لقدمه.

وكان محمد نوري أبو بكر يعاني من مرض السكر، وفي أواخر عام 2018 وبسبب اشتداد المرض عليه، اضطر الأطباء؛ لبتر قدمه اليمنى، وفي بداية 2020 وأيضاً بسبب نوبة قلبية، أصيب بشلل في رجله اليسرى ليبقى عاجزاً كاملاً عن الحركة، إلا انه لم يتوان يوماً عن تأدية واجبه.

استشهاد الشخصية الوطنية

وواصل نضاله ضمن الثورة حتى استشهاده في 23 كانون الأول 2022، عن عمر ناهز 69 عاماً؛ إثر تعرضه لأزمة قلبية في قامشلو.

وعن وصيته، ذكر شقيقه، سليمان أبو بكر في ختام حديثه "حتى لفظه لأنفاسه الأخير كان يوصي بتصعيد النضال وتنظيم الفعاليات والانضمام إليها حتى تحقيق الحرية للشعوب".

(آ)

ANHA