مع غياب مؤسسات الدولة اللبنانية.. المواطن يحمي نفسه ذاتياً

تعاني أحياء كثيرة في لبنان من ارتفاع معدلات السرقة والنشل والسطو، وانعدام الأمن، ما حذا ببعض الشبان للسهر على أمن السكان من 6 مساءً وحتى الساعة 6 صباحاً، ما يجعل لبنان أمام أمن ذاتي مشروع، في ظل تفكك الدولة. 

مع غياب مؤسسات الدولة اللبنانية.. المواطن يحمي نفسه ذاتياً
الأربعاء 11 كانون الثاني, 2023   01:47
بيروت – زياد أبو غزالة

من المؤكّد أن للفوضى السياسية والاقتصادية تأثيراً وانعكاساً كبيرين على الأمن في لبنان؛ فلا يخلو المشهد من مظاهر "أمن ذاتي" هنا و"أمن خاص" هناك، في غياب تام لمؤسسات الدولة، والتي لا تزال القوى الأمنية تصدر بيانات تؤكد أنها "متماسكة بمواجهة التحديات، وأنها تكافح الجرائم، وتتعقّب المجرمين وتوقفهم بأوقات قياسية".

ولقد فرض استفحال الأزمة وتزايد حالات السرقة على اللبنانيين إيجاد سبيل لتأمين الحماية لمناطقهم، فتم إنشاء مجموعات في عدد من القرى والبلدات الساحلية والجبلية من أجل تأمين الحراسة الليلية.

 

"الأمن الذاتي" الحل البديل

مع رفع أذان المغرب، والذي يعلن حلول الظلام، خاصة في ظل أزمة الكهرباء، تبدأ الحاجة، أم فؤاد حجازي، بتوضيب صناديق البقالة الممتدة على الرصيف، لإدخالها إلى داخل بقالتها في أحد الأحياء الشعبية جنوب لبنان، قبل أن تغلق الباب الجرار الحديدي وتؤوي إلى منزلها الواقع على بُعد أمتار قليلة.

منذ أسابيع أو أشهر، بدأت أم فؤاد (63 عاماً)، بتقليص مكوثها في البقالة. فمع حلول ساعات المساء، يتحوّل الحي إلى مدينة أشباح.

عمليات السطو والسرقة المنتشرة في كل أرجاء لبنان أرعبت الحاجة الستينية، التي تعيش وحيدة في منزلها، في مبنى قديم، بعدما توزع أبناؤها في بلدان الاغتراب.

تقول أم فؤاد لوكالتنا بحسرة: "إنها في سنوات الحرب الأهلية وما بعدها لم تعش خوفاً كهذا، كانت أحياناً تداوم في البقالة حتى منتصف الليل، لأن أهل الحي اعتادوا على السهر، مدركين أن باستطاعتهم طلب ما يشاؤون من المأكل والشراب حتى في ساعة متأخرة من الليل".

تزايد حوادث السرقة والسطو

لا يمر يوم من دون أن نسمع عن عملية سرقة أو سطو، وإثر انعدام الأمن وتكرار حوادث السرقة والنشل والسطو، وبناء على تدخلات من المواطنين، أوجدت مجموعة من الشبّان حلّاً بديلاً لمراقبة وحماية مكان سكنهم سلميًّا وتمكّنت بالفعل من كشف عدد من محاولات السرقة، قبل تنفيذها.

يوضح أحد شبّان المجموعة أن الهدف الأساس حماية المنازل، وأن الشبّان من أهالي المنطقة من مختلف الأعمار، وما يقومون به لا يتخطّى السهر ومراقبة الحركة ليلاً.

ويضيف الشاب العشريني لوكالتنا أن "المجموعة تمكّنت من كشف عدد من السرقات في المنطقة"، مشيراً إلى أنه "تمّ تسليم المرتكبين للقوى الأمنية". كما يروي عن تمكّنهم من إعادة دراجة نارية مسروقة إلى صاحبها في إحدى المرّات.

الدفاع المشروع عن النفس

بدا أن إنشاء مثل هذه المبادرات في زمن انهيار المؤسسات وتفككها، أمر طبيعي ويندرج في إطار الدفاع عن النفس المشروع. ورغم أن بعض الجهات الرسمية البيروتية تخوفت من الخطوة باعتبار أنها تمهد لقيام كل منطقة في بيروت بتأمين أمنها الذاتي، غير أن جهات أمنية رسمية أكدت لمصادر صحفية أن مجموعات الحرس الليلي في عدد من الأحياء المظلمة وغير المضاءة، منظمة بطريقة مدنية راقية، وأفرادها غير مسلحين، وإنما يعتمدون على مصابيح ليلية وعصي للحراسة، وأن هؤلاء الشباب يجوبون الشوارع من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، ويتواصلون مع الأجهزة الأمنية من مخابرات جيش وقوى أمن داخلي، عند الاشتباه بأي تحرك غريب أو أي سرقة وخاصةً للسيارات وكابلات الكهرباء.

أيضاً، في الوسط البتروني أنشئت مجموعات "واتساب" في القرى للتنسيق بين الأهالي في حال حدوث أي سرقة أو ملاحظة ما يثير الشكّ. وتؤكّد مصادر صحفية أن "شبّان المجموعات لا يقومون بدوريات ليلية، جلّ ما في الأمر أنه يتمّ التبليغ عبر "الكروب القروي" عن أي حركة غير معتادة في النطاق الجغرافي للقرية، فيتوجّه عدد من الشبان إلى المكان وفي حال حدوث سرقات أو أي اعتداء تبلّغ القوى الأمنية على الفور".

وفي شمال لبنان، أفادت معلومات صحافية أن موجة السّرقات، التي ارتفعت وتيرتها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خصوصاً مع حلول فصل الشتاء، دفعت ببعض الأهالي والبلديات في المنطقة إلى اتخاذ إجراءات لحماية ممتلكاتهم الخاصّة من منازل وأراض زراعية، والعامّة مثل محطات تحويل وكابلات شبكة الكهرباء التابعة لشركة كهرباء لبنان، تمثلت في تعيين حرّاس ونواطير لها، من أجل وضع حدّ لهذه السّرقات، أو التخفيف منها على أقل تقدير.

وأصبح الانهيار اليوم في مرحلة لم يعد فيها الأمن متوافراً بمستوى مقبول، ولم تعد السلطات اللبنانية قادرة على بسط سيطرتها، وهي التي دفعت المواطنين إلى هذه المبادرات لحل جزء من مشكلاتهم، وهو ما يؤكد أن الشعب يستطيع إدارة أموره، بعيداً عن السلطات الحاكمة.

(ي ح)

ANHA