تأثير الصراع الروسي الأوكراني على الشرق الأوسط... هل تلعب تركيا كوسيط بين أطراف الصراع؟ - سيفان سعيد

تأثير الصراع الروسي الأوكراني على الشرق الأوسط... هل تلعب تركيا كوسيط بين أطراف الصراع؟ - سيفان سعيد
الإثنين 26 كانون الأول, 2022   21:32

على عكس كل التوقعات، هذه المرة لم يكن الصراع بين روسيا وأوكرانيا قصيراً ومحدوداً وأقل تأثيراً، كما كانت تتوقع روسيا مثلما حدث في عام 2014 عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم؛ والذي سرعان ما أدانه المجتمع الدولي إلا أنه لم يحدث شيء ملموس ضد روسيا في ذلك الوقت.

فقد توقعت روسيا في شباط 2022 بأن اللعبة ستكون سريعة وسهلة لغزو عدد من مناطق الأخرى في شرق أوكرانيا وضمها إلى حدود روسيا، ولكن هذه المرة، كان رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبالأخص موقف حلف شمال الأطلسي مختلفاً جداً.

مما لا شك فيه بأن تداعيات هذا الصراع لا يؤثر سلباً على سكان أوكرانيا وروسيا فحسب، وليس فقط على الاتحاد الأوروبي وبالأحرى فيما يتعلق بإمدادات الطاقة إلى أوروبا، ففي الحقيقة، الصراع الدائر له عواقب سلبية متعددة الأبعاد على العالم بأسره.

يمكننا القول، بأن هذا الصراع هو الحدث الأكثر تأثيراً في عام 2022، فهناك خوف كبير من إشعال حرب نووية بين روسيا والغرب في أي لحظة، وهناك خطر جدي بصدد صعوبات الغذاء والطاقة اللازمة للتدفئة لدى الغالبية العظمى من سكان أوروبا.

السؤال هنا لا يدور حول من هو على خطأ ومن هو على الصواب، في الواقع، ليس هناك طرف من أطراف الصراع على الصواب أو على حق، هذا الصراع بطبيعته ليس صراعاً بين الشعبين الأوكراني والروسي، إنها حرب بين ديكتاتور جشع (فلاديمير بوتين) لاستعادة موقع روسيا في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وثلاثة عقود من إذلال روسيا من جهة، وزعيم الأوكراني (فلودومير زيلينسكي) والذي هو مهرج صغير قابع تحت هيمنة حلف الناتو.

أستطيع أن أقول بأن 99٪ من الشعبين الروسي والأوكراني لم يوافقا على هذا الصراع، في الحقيقة؛ إنها إرادة الناتو وبوتين لإشعال هذا الصراع الفوضوي.

 لكن بمقدور السؤال أن يدور حول؛ من المستفيد من هذا الصراع؟ بالطبع نحن نفهم أن هذا الصراع له صلة بجميع الأحداث الصغرى في أماكن مختلفة في العالم، مثل أزمة تايوان، وتوترات كوسوفو، والفوضى الجارية في أنحاء الشرق الأوسط، ومظاهرات الشعب الإيراني ضد نظام الملالي.

ومن جانب آخر، وفقاً لبيانات لمصدر موثوق لمؤسسة بلومبرغ، فقدت العملة الإنجليزية، الجنيه الإسترليني حوالي 20٪ من قيمته بينما فقد اليورو حوالي 17٪ من قيمته، كان الوصول إلى الغذاء والوقود والطاقة أكثر صعوبة، وأكثر تكلفة مما كان عليه قبل بدء الصراع.

الخاسر الرئيسي حتى الآن هو الشعب الأوكراني الذي فقد أراض شاسعة، 8 ملايين شخص هجروا وشردوا داخل البلاد وفي أنحاء أوروبا، والمئات أو الآلاف من الضحايا. أما بالنسبة للشعب الروسي؛ فقد كان هناك تهميش كبير وصعوبات اقتصادية في جميع أنحاء البلاد وكذلك الركود الاقتصادي وبطء التجارة مع العالم، علاوة على ذلك؛ من المؤكد أن سمعة بوتين وسلطته القمعية لن تعود أبداً إلى ما كانت عليها قبل الصراع.

ومن جانب آخر، فإن الولايات المتحدة لديها حصة أقل من الأضرار التي لحقت باقتصادها وصعوبات الحصول على الطاقة، مقارنة بالمملكة المتحدة وأوروبا، وأخيراً؛ الجانب القوي والأساسي من المعادلة هو الصين. يمكن القول بأن الصين في ظل هذه الفوضى، حتى الآن لم تفقد أي شيء سوى الحصول على فرصة أفضل؛ لفتح أبواب جديدة لهيمنته في العالم من خلال توفير مشاريع اقتصادية وبنية تحتية أفضل لبلدان الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا وقارة إفريقيا بأكملها، وهكذا، فإن كلا القوتين العظميتين "الصين والولايات المتحدة" مسرورتان من إدامة واستمرار هذا الصراع.

لنعود إلى الشرق الأوسط، حيث استمرت الأزمات كما كانت، في حين أن هناك إمكانية لإعادة تشكيل طبيعة الأزمات؛ بسبب الوجود الجديد للصينيين في المنطقة بشكل أكثر فاعلية. وبالطبع الصراع بين روسيا وأوكرانيا قد تأثر بشكل واضح على هذه الحقبة الجديدة من إدارة الصراع بين القوى العالمية والإقليمية في الشرق الأوسط.

تركيا كقوة إقليمية متوسطة؛ هي واحدة من الدول الرئيسية التي لها صلة مباشرة بالنزاع بصفتها جارة لكلا البلدين واللاعب الرئيسي في حافة البحر الأسود. تاريخياً، باستثناء الإمبراطورية العثمانية، لم يكن هناك سيطرة كاملة ومطلقة مهيمنة على البحر الأسود. حالياً، تركيا لها دور حاسم في البحر الأسود سياسياً وتجارياً وبالأخص فيما يتعلق بالصراع بين روسيا وأوكرانيا. ومع ذلك، فإن الحفاظ على التوازن بين الناتو وروسيا ليست بالمهمة السهلة لتركيا، بينما اتبعت تركيا هذه المناورة في أفضل حالاتها على الرغم من التأثير السلبي الكبير على الأزمات المحلية والاقتصادية للبلاد. في حين كان للصراع عواقب وخيمة على الاقتصاد التركي، فقد أتاح أيضاً لأردوغان بعض الفرص؛ لفرض هيمنته على الاتحاد الأوروبي والناتو بشأن انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي. مع العلم بأن أوروبا تفهم جيداً بأن تركيا هي راعية الإرهاب وداعمة للجماعات المتطرفة في أماكن مختلفة في العالم.

وعلى عكس كل ذلك من الفرص والإيجابيات لتركيا، فقد تضاءل تأثير تركيا على الشرق الأوسط بشكل كبير؛ بسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا حيث ظهرت شخصيات ودول نشطة مؤخراً في المنطقة.

إيران والدول العربية كلاهما منافسان قويان لتركيا في المنطقة، تحاول المملكة العربية السعودية؛ قيادة اتجاه جديد لتحدي الولايات المتحدة وهيمنتها على الدول الخليجية، وهذا يأتي مباشرة مع بدء العد التنازلى لميزان الدول الغربية وفقدان الثقة بالولايات المتحدة الأميركية والتفكير في تعزيز علاقة الدول العربية مع الصين كبديل واقعي وفعال للقوى الغربية.

أما بالنسبة للقضية الكردية وطريقة تعامل تركيا مع السكان الكرد داخل تركيا وخارجها، ففي الماضي والحاضر والمستقبل؛ يبدو أن سياسة وممارسات تركيا، تمر بنفس الممر.

وبما أن دولة تركيا تتعامل مع القضية الكردية على أنها مسألة أمنية؛ حيث تسعى تركيا لاحتلال المزيد من المناطق ذات أغلبية كردية خارج حدودها، فإن القضية الكردية ستبقى أكبر عقبة أمام التقدم والنمو السياسي والاقتصادي والحضاري، وهذا يتعلق بالتقدم والأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها ولتركيا خاصة.

في هذه الحالة، لا يمكن لتركيا الاستمرار في المناورة بين الغرب والشرق وبالطبع روسيا والصين، من الآن فصاعداً. لا يمكن للدور الجيوستراتيجي التركي بعد إعادة تشكيل المنطقة أن يستمر كما كان في فترة ما قبل الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

لذلك؛ فإن نتيجة انتخابات حزيران 2023 إذا لم يتسبب أردوغان في حدوث فوضى لتأجيل الانتخابات، سيكون المكيال بين الشعب التركي وحكومة حزب العدالة والتنمية التركية بدلاً من فرصة أن تصبح تركيا الوسيط بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود.

الدكتور سيفان سعيد. أستاذ المشارك للدراسات الشرق أوسطية في جامعة شانشي الصينية. الباحت في جامعة إكستر في المملكة المتحدة.