سردم آكري.. مثال المقاتل الثوري وصانع الحياة الحرة من هجمات الإبادة الكيماوية

ليكون مقاتلاً يليق بثورة الشعب في كردستان، ومناضلاً ثورياً بوصفه طليعياً يصنع الحياة من الموت لشعبه، انضم سردم آكري إلى مسيرة مقاومة حركة حرية كردستان، ليرسم بمعنى اسمه مستقبلاً وحياة ديمقراطية وحرة، إلى أن التحق بقافلة شهداء الحرية مع 16 مقاتلة ومقاتلاً استشهدوا بالأسلحة الكيماوية.

سردم آكري.. مثال المقاتل الثوري وصانع الحياة الحرة من هجمات الإبادة الكيماوية
الإثنين 24 تشرين الأول, 2022   22:38
قامشلو- سولين أحمي

عادة ما تبنى الثورات ميراث شعوب، اختارت المقاومة درباً للحفاظ على قيمها المعنوية والمادية المقدسة، وفي حقيقة ثورة حرية كردستان التي بدأت بنضال وكفاح حركة التحرر الكردستانية (حزب العمال الكردستاني) تطورت فلسفة الحياة الحرة التي خلقت من العدم، وأصبحت صاحبة أعظم القيم التاريخية لكل شعب كردستان.

طالما عرفت حركة حرية كردستان بأنها حركة بنيت على دماء الشهداء، واستمرت بمسيرتها في القيام بكافة المهام الثورية والوطنية على الرغم من هجمات وسياسات الإبادة والتصفية التي مورست بحقها، فالمهام التي تركها شهدائها لها، يكملها مقاتلوها بهدف جديد وعزيمة أقوى.

هذه الحركة التي آمنت بقضية شعب وناضلت ضد جميع أشكال هجمات الاحتلال والإبادة في أجزاء كردستان الأربعة، تتعرض اليوم لأكثر الهجمات الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي بكافة الأسلحة الثقيلة والمحرمة دولياً؛ ليستشهد على إثرها العشرات من المقاتلين والمقاتلات.

كان آخرهم، 17 مقاتلاً ومقاتلة لقوات الكريلا من أجزاء كردستان الأربعة استشهدوا خلال الهجمات الكيماوية لدولة الاحتلال التركي على مناطق الدفاع المشروع بباشور كردستان، ومن بينهم المقاتل سردم آكري.

من هو المقاتل سردم آكري؟

ولد المقاتل سردم آكري الاسم الحقيقي (أوصمان عبدي) في حي قدوربك بمدينة قامشلو في روج آفا عام 2002، ضمن أسرة مكونة من 6 أشقاء وأربعة شقيقات، هو الخامس في عائلته.

درس سردم حتى الصف السابع الإعدادي في مدينة قامشلو، ليبدأ بعدها العمل إلى جانب والده في محل لبيع الألبسة.

/ar/uploads/files/2022/10/24/181851_hmdyh-ahmd.webp

سردم الابن المميز في عائلته، عرف بين أخوته ورفاقه بهدوئه وحنانه، وتحلى بخصال المقاتل الكردي منذ صغره، تقول والدته حمدية أحمد، بأنه " سردم كان محبباً من قبل جميع أصدقائه، لم يزعج أحداً، وفياً مع الجميع، ومحباً لعائلته".

ترعرع على مبادئ القائد عبد الله أوجلان

عاش سردم في كنف أسرة وطنية وترعرع على مبادئ حركة حرية كردستان وفكر القائد عبد الله أوجلان، إذ كبر وهو محاط بكوادر من حزب العمال الكردستاني آنذاك، لذلك الالتحاق بصفوف الكريلا كان من أحلامه منذ الطفولة.

/ar/uploads/files/2022/10/24/181908_mhmd-abdy.webp

تعرف والد سردم، محمد عبدي على مبادئ وفكر حركة حرية كردستان عام 1991 أثناء عمله في بيروت، وقال عن ذلك: "كنت أبيت لأيام لدى مقاتلي حركة حرية كردستان آنذاك، كما أردت اللقاء بالقائد عبد الله أوجلان لكن هذا الحظ لم يحالفني".

الفكر الحر والديمقراطي لحركة حرية كردستان والمبادئ التي تميزت بها، شجعت محمد عبدي دائماً لمواصلة حياته على أساس فكرها ومبادئها، إذ بيّن عبدي "لم أمنع أولادي من الانضمام إلى حركة الحرية، على العكس انضمامهم إلى الحركة المقدسة محل فخر بالنسبة لي".

الالتحاق بصفوف YPG

اندلاع ثورة 19 تموز 2012 كانت بمثابة فرصة لكل الكرد في روج آفا من أجل النضال والمقاومة لنيل حريتهم والتعرف عميقاً على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان التي ترسخت ضمن الثورة على أرض الواقع، وخاصة للعائلات الوطنية التي كانت من أوائل المنضمين إليها لإيصالها إلى اليوم الراهن بدماء أبنائهم.

ومع تأسيس وحدات حماية الشعب (YPG) انضم إليها آنذاك معظم الشبان والشابات في المنطقة لحماية مكتسبات ثورتهم وشعبهم من المرتزقة بمختلف مسمياتهم، إذ يقول الأب محمد عبدي إن الالتحاق بالقوات العسكرية كان حلم الشهيد سردم، لذلك في عام 2017 التحق بصفوفهم، مضيفاً: "كان يملك قوة وميزات المقاتل منذ صغره".

المناضل الثوري

المرحلة الحساسة التي مر به شعب روج آفا وشمال وشرق سوريا بداية اندلاع الثورة ولغاية اليوم الراهن حولت كل مواطن في المنطقة إلى مقاتل يدافع عن مكتسباته وأرضه من هجمات الاحتلال والمرتزقة، والمناضل سردم آكري أيضاً كان من الشبان الذين التحقوا بصفوف ثورة 19 تموز على أساسه.

/ar/uploads/files/2022/10/24/181828_klhat-aandwk.webp

وليكون مقاتلاً يليق بهذه الثورة، سعى سردم دائماً إلى تطوير نفسه فكرياً وعسكرياً، إذ يقول رفيق دربه، كلهات آندوك الذي تعرف عليه عام 2017 في مرحلة إنهاء الوجود الجغرافي لمرتزقة داعش في الرقة، إن سردم حاول جاهداً أن يكون رداً على كل ما مر به شعبه.

التحرك حسب خطورة المرحلة

خصال المناضل الثوري المفعم بالحب الشديد لوطنه والاحترام لرفاقه وشعبه الذي كان يشير إليه القائد عبد الله أوجلان دائماً في تحليلاته ومجلداته، تجمعت معظمها في شخصية سردم آكري الذي أطلق على نفسه اسم "سردم" الذي يعني باللغة العربية "العصر" ، ليتمكن من الرد على جميع ما يمر به شعبه في الوقت المناسب.

بينما اختار اسم كلهات لرفيق دربه ليتمكن هو الآخر الالتفاف حول شعبه والدفاع عنهم، حيث يقول رفيقه كلهات إن المناضل سردم سعى دائماً للتحرك والكفاح ليسير مع المرحلة بالشكل المطلوب، وقال: "تعرفت على المناضل سردم في مرحلة بداية الهجمات والتهديدات التركية على المنطقة، وتلك المرحلة كانت تتطلب التحرك بحساسية للتمكن من الرد على تلك الهجمات في الوقت والمكان المناسب".

شخصية المناضل سردم تركت أثراً عميقاً في شخصية رفيق دربه كلهات ليتمكن هو أيضاً مواصلة نضاله ضمن الثورة حتى اليوم الراهن مواجهاً جميع أشكال الهجمات التي تتعرض لها مكتسبات الثورة، حيث لفت كلهات إلى الخصال التي تميز بها سردم، قائلاً: "تعرفت على سردم عن قرب خلال الدورة التدريبة للقوات العسكرية آنذاك؛ كان شخص عاطفي وهادئ جداً، يتأثر بكل شيء حوله".

معنى اسمه تجسد في شخصيته

نوه كلهات آندوك إلى تأثير الدورة التدريبية على شخصية المناضل سردم، وقال: "تعجبنا جميعاً من التغيير الذي طرأ على شخصيته بعد انتهاء الدورة التدريبية؛ بجعله من عاطفيته وهدوئه قوة ليتمكن من مواجهة جميع مراحل الحياة وقاعدة ليواصل مسيرته، معنى اسمه قد تجسد في شخصيته على أرض الواقع".

شارك المناضل والمقاتل الثوري سردم في العديد من حملات التحرير التي أطلقت ضد مرتزقة داعش ودولة الاحتلال التركي الذين ارتكبوا مجازر وحشية بحق شعب شمال وشرق سوريا، كحملة دحر داعش في الباغوز بدير الزور عام 2019، والمشاركة في معركة "مقاومة الكرامة" ضد هجمات الاحتلال التركي على منطقة سري كانيه ومقاطعة كري سبي 2019.

وسرد آندوك تفاصيل تلك المرحلة، قائلاً: "تمكن سردم دائماً من تحليل المرحلة والانضمام إليها بقوة ضد العدو؛ فخلال تلك الهجمات الوحشية ارتقى العديد من المقاتلين شهداء ومنهم مَن أصيب في أجزاء من جسدهم، لكن سردم لم يصب بأي خدش في جسده، لقد مثل دائماً وقفة المقاتل الوطني".

التوجه إلى جبال كردستان

الهجمات الوحشية لدولة الاحتلال التركي على شمال وشرق سوريا، وبالأخص على مدينتي سري كانيه وكري سبي واستخدامها للأسلحة الثقيلة والكيماوية المحرمة دولياً، شجعت سردم بالتوجه إلى جبال كردستان للانتقام لشعبه.

وعن انضمامه إلى قوات الكريلا، أكد والده محمد عبدي "حقق حلم طفولته وانضم إلى حركة حرية كردستان، بلا شك هذا محل فخر واعتزاز لنا، فجبال كردستان مقدسة، والتضحية من أجلها واجبنا جميعاً".

وصية الشهيد سردم

في عام 2021 انضم سردم برغبة الشخصية إلى نضال قوات الكريلا؛ وقبل توجهه إلى جبال كردستان بعدة أشهر التقى برفيق دربه كلهات، وهناك قدم له وصيته لشعبه عند استشهاده.

قال كلهات عن ذلك: "التقيت به لأخر مرة حينها، وهناك تناقشنا لمدة؛ وفكرة أن هناك المئات من المقاتلين لم يلتقوا بعوائلهم لسنوات منعته من توديع عائلته قبل توجهه إلى جبال كردستان، وفي اللحظات الأخيرة من لقائنا قال لي "من المحتمل أن يزف إليك خبر استشهادي ذات يوم، حينها لا تبكي، بل اطلب من جميع رفاقي وشعبي أن يكونوا فخورين بشهادتي، ويتخذوا منها منطلقاً لمواصلة المقاومة والنضال". وترك الشهيد سردم الأهداف التي كان يحلم بها لشعبه ورفاقه لتحقيقها.

استشهاد مقاتل حرية الكرد

كالمئات من قوات الكريلا ناضل سردم وقاوم حتى الرمق الأخير ضد جميع الهجمات الوحشية لدولة الاحتلال التركي على مناطق الدفاع المشروع بباشور كردستان (جنوب) التي تستخدم الأسلحة الكيماوية والنووية التكتيكية المحرمة دولياً ضد القوات في سبيل إبادة الكرد.

وقد وثقت قوات الدفاع الشعبي (HPG) قبل الآن لأكثر من مرة جرائم جيش الاحتلال التركي في جبال كردستان واستخدامه للأسلحة الكيماوية والقذائف والأسلحة النووية التكتيكية على أنفاق الحرب في مناطق الدفاع الشعبي.

وبعد مسيرة مفعمة بالنضال والكفاح ضد الهجمات والجرائم التركية، التحق سردم آكري بقافلة شهداء الحرية مع 16 مقاتل ومقاتلة من الدفاع الشعبي في تشرين الأول 2022 جراء الهجمات الكيماوية لدولة الاحتلال التركي على منطقة زاب بباشور كردستان.

عهد النضال ينبعث في قلوب عائلته

توجهت والدة الشهيد سردم آكري في الختام بحديثها لكل مقاتلي ومقاتلات حركة حرية كردستان، قائلة: "جميعكم سردم في قلبي، أنا فخورة بمقاومتكم ونضالكم ضد هجمات العدو؛ فإذا استشهد سردم سيحمل الآلاف من أبناء وبنات الكرد سلاحه للانتقام من أردوغان".

أما والده محمد عبدي، لفت الانتباه إلى الهجمات الكيماوية لدولة الاحتلال التركي على قوات الكريلا، وقال: "لن تتمكن من إفشال مقاومتهم لذلك تلجأ إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد أولادنا؛ فليكن سردم فداءً للقائد أوجلان وشعب كردستان، إن استشهاد سردم لا يعني أن نكف عن النضال، على العكس فأنا مستعد الآن لحمل سلاحه والقتال مع أبنائي وبناتي ضمن قوات الكريلا بجبال كردستان".

(آ)

ANHA