الاتفاق اللبناني والإسرائيلي.. وانعكاسه على العلاقات الإيرانية - الأميركية

قبلت كل من لبنان وإسرائيل ترسيم الحدود البحرية بينهما، وأعلن "حزب الله" موافقته على هذا الاتفاق، فما أسباب قبول الحزب ومن خلفه إيران هذا الاتفاق؟ وألا يعتبر تطبيعاً على غرار باقي الدول العربية التي طبّعت مع إسرائيل؟ وهل سنشهد ترسيماً للحدود البرية بين الطرفين؟

الاتفاق اللبناني والإسرائيلي.. وانعكاسه على العلاقات الإيرانية - الأميركية
الأحد 23 تشرين الأول, 2022   03:08
بيروت – زياد أبو غزالة

توصّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق نهائي، على ترسيم الحدود البحرية بينهما باعتماد الخط 23 أساساً مبدئياً للتقسيم، وذلك بوساطة المبعوث الأميركي، آموس هوكستاين، وبدور فرنسي واضح، واللافت أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، قد توَّج هذه المساعي باتصال في 11 تشرين الأول/ أكتوبر مع رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، لتهنئته على هذا الاتفاق، وكان قد سبق له أن اتصل برئيس الحكومة الإسرائيلية، يائير لابيد، للغاية نفسها، بما يؤكد اهتمام إدارته وحرصها حتى اللحظات الأخيرة على إنجاحه، وعليه تتجه الأنظار إلى التبعات السياسية لهذا الاتفاق المرتقب وتأثيره على التوازنات الإقليمية، وفي القلب منها دور إيران.

ترى أوساط سياسية مطلعة على خلفيات موقف القيادة الإيرانية أن موضوع الترسيم اللبناني - الإسرائيلي يرتبط بما تراه هذه القيادة من دور استراتيجي لها في المنطقة أكثر مما يرتبط بالملف النووي ومفاوضاته.

في الأساس، رفضت إيران أي ربط بين مفاوضاتها النووية وسياستها الإقليمية، أي دورها في بناء مواقع النفوذ داخل البلدان العربية، وفيما يخص لبنان، فإنها ترى في أي اتفاق مع إسرائيل، بما في ذلك خصوصاً الترسيم البحري المطروح، خسارةً استراتيجية لمشروعها العام، فمثلما لم يناسبها انتصار مقتدى الصدر الانتخابي في العراق، ولا يناسبها اتفاق سياسي في اليمن، ترى إيران أن لبنان ساحة غير جاهزة للإقفال، بل يجب أن تبقى جبهة محتملة حتى الانتهاء من معالجة جميع الإشكالات الإيرانية في العلاقة مع المجتمع الدولي.

هذه النظرة الإيرانية إلى موقع لبنان لا تلغي بطبيعة الحال حرص طهران على توطيد مواقع أنصارها في مفاصل السياسة الداخلية، لكن الترسيم مع إسرائيل بما هو من تطبيع، ليس فيه الآن ما يرضي إيران، بل هو نكسة لمشاريعها، بمعزل عن مصالح لبنان الآنية والبعيدة المدى، على الرغم من ذلك، تم الاتفاق بين البلدين، فما أسباب قبول الحزب ومن خلفه إيران هذا الاتفاق؟

اتفاق بموافقة إيرانية

يقول الكاتب الصحافي، جهاد الزين إن "هذا اتفاق سلام اقتصادي، ما كان له ليحصل من دون موافقة إيران، اتفاق يضمن مصالح نفطية ضخمة لإسرائيل، مقابل مصالح اقتصادية كبيرة للبنان، مصالح يرغب الشعب اللبناني بأكثريته في لبنان والخارج، أن تشكّل بداية عد عكسي للمستوى الذي بلغته أزمته الاقتصادية، بل انهياره الاقتصادي شبه الشامل".

ويضيف الزين لوكالتنا "إن إيران تبيع الاتحادَ الأوروبي وإسرائيل والولايات المتحدة موقفاً استراتيجياً يضمن ضم لبنان إلى منظومة غاز شرق المتوسط ويوسّع مصالح إسرائيل وموقعها في هذه المنظومة".

ويتابع الزين "المسألة هنا تتعدى مقولة تشرشل ذائعة الصيت: ليس في السياسة عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، بل هناك مصالح، وهنا، سوف يمسي حزب الله أمام تحد مكشوف للجماهير العربية، فهو صاحب صوت عال في كل المؤسسات الدستورية اللبنانية التي ستسوغ الاتفاق، فلحزب الله في الحكومة الحالية خمسة وزراء، وهو عدد يفوق حصة أي حزب آخر، ويزيد عن عدد الوزراء الأربعة المحسوبين على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ولا يفوقه سوى الرئيس ميشيل عون الذي يعد حليفاً للحزب.. وسيتعين عليه التصديق على الاتفاق عند عرضه على مجلس النواب.. وتصديقه هو الذي سيمنح الاتفاق مشروعية، لأنه يعد صاحب الكتلة النيابية الأكبر وفاقاً لنتائج انتخابات أيار/ مايو الماضي، والتي حصل فيها على 31 مقعداً من إجمالي عدد مقاعد مجلس النواب، وهي 128 مقعداً، على الرغم من أنه عدد قليل قياساً بأغلبيته النيابية التي استمرت سنوات.

ظروف لعبت دوراً مهماً

لعبت الظروف الإقليمية والدولية دوراً أساسياً في تسهيل الطريق نحو بلورة هذا الاتفاق والمدى الذي بلغه، وفي مقدمتها الأولوية الغربية والأميركية المطلقة للتعامل مع حرب روسيا على أوكرانيا وتداعياتها التي من أهمها حاجة أوروبا إلى الغاز، وهو الأمر الذي يتطلب أيضاً، على الأقل، عدم نشوب حروب أخرى قد تضر بمسار تلك الحرب، والبحث عن مصادر متعددة للغاز فضلاً عن تعزيز مصادره القائمة وتطويرها.

وهذا بدوره انعكس على الموقف من إيران، حيث لا تزال المفاوضات تسير بالموازاة مع التصعيد الغربي اللفظي والعقوبات، وقد أفرجت طهران مؤخراً، وهي التي تعاني اقتصادياً من العقوبات الأميركية، عن رجل أعمال أميركي من أصل إيراني، سيامك نمازي، مقابل الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة (7 مليارات دولار).

ويأتي الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي في هذا السياق، إما بوصفه أحد الملفات المتصلة بإحياء الاتفاق النووي بطريقة ما، ولو غير مباشرة وعلى طاولة ظل، أو بوصفه أحد العوارض الجانبية لهذا المسار الذي قد ينشط بعد الانتخابات النصفية الأميركية.

إضافة إلى عوامل داخلية، لعل أهمها مرونة "حزب الله" وإعلانه موافقته سلفاً على ما تُقرِّره الدولة اللبنانية بخصوص مفاوضات الترسيم ونتائجها، وكان بلا شك له الدور الأبرز من الجانب اللبناني في تسريع المفاوضات لتصل إلى هذه الغاية، حيث ربط الحزب سماحه لإسرائيل باستخراج الغاز من كاريش باستخراج لبنان لثرواته، فأصبح الاتفاق بهذا الاعتبار إسرائيليّاً، هدفاً بذاته لتفادي التصعيد العسكري، هذا من جهة، لا سيما أن إسرائيل قد بلغت المراحل النهائية لاستخراج الغاز؛ ما سرَّع من وتيرة المفاوضات.

هل سنشهد ترسيماً للحدود البرية؟

ومن حين الإعلان عن الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، تساءل محللون عن احتمالية أن يفتح هذا الاتفاق الباب أمام العديد من الاتفاقيات، يؤكد الكاتب والصحافي اللبناني جهاد الزين أن "أهم دلالة يُشير إليها الاتفاق، عدم استحالة تحقيق اتفاقات إسرائيلية أخرى مع لبنان قد تنتهي بهدنة طويلة بين البلدين، حتى في ظل استمرار سلاح حزب الله، ودون أيٍّ من مظاهر التطبيع، وقد تكون مرونة الحزب على هذا الصعيد تهدف إلى هذه الغاية أو أنها أثبتتها في سياق تطور دور حزب الله في لبنان أو المنطقة، وهذا التطور بطبيعة الحال لا ينفصل عن علاقة الحزب بمحور إيران ولا بدوره فيه، ولا عن صراع هذا المحور أو اتفاقه مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وبوجه خاص إسرائيل".

بنود الاتفاق

وفق الاتفاق، يجدر بالطرفين أن يلتزما بأن هذا "الاتفاق يُرسي حلاً دائماً ومنصفاً للنزاع البحري القائم بينهما"، وسيدخل الاتفاق حيز التنفيذ عندما ترسل الولايات المتحدة "إشعاراً يتضمن تأكيداً على موافقة كل من الطرفين على الأحكام المنصوص عليها في الاتفاق".

كما ينبغي على كل طرف أن يقدم رسالة تتضمن قائمة بالإحداثيات الجغرافية المتعلقة بترسيم الخط البحري إلى الأمم المتحدة، لتحل مكان تلك التي أرسلتها الدولتان في العام 2011. وعليه، لا يحق لأي منهما مستقبلاً إرسال أي مذكرة، غير متفق عليها من الجهتين، تتضمن خرائط أو إحداثيات تتعارض مع الاتفاق.

وبموجب الاتفاق الجديد، يصبح حقل كاريش بالكامل في الجانب الإسرائيلي، فيما يضمن الاتفاق للبنان كامل حقل قانا الذي يتجاوز خط الترسيم الفاصل بين الطرفين.

من جهتها، ستشكل الرقعة رقم 9 حيث يقع حقل قانا منطقة رئيسية للتنقيب من قبل شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، اللتان حصلتا في العام 2018 مع شركة روسية على عقود للتنقيب عن النفط والغاز، قبل أن تنسحب الأخيرة خلال العام الجاري.

وستحصل إسرائيل على "تعويض من مشغل البلوك 9"، بما أن جزءاً من حقل قانا يقع خارج المياه الإقليمية اللبنانية، في إشارة إلى شركتي توتال وإيني، "لقاء الحقوق العائدة لها من أي مخزونات محتملة في المكمن المحتمل".

(ي ح)

ANHA