الغموض يكتنف خطة لبنان لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

تحيط الشكوك بقابلية تطبيق إعلان الرئيس اللبناني، ميشال عون، عن عملية إعادة اللاجئين السوريين على دفعات إلى بلدهم الذي تحتل تركيا مساحات واسعة منه، فيما تنتشر جماعات مسلحة متعددة الولاءات في مناطق سيطرة حكومة دمشق وتنعدم فيها أدنى مقومات الحياة اقتصادياً وأمنياً.

الغموض يكتنف خطة لبنان لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم
الجمعة 21 تشرين الأول, 2022   03:36
بيروت – زياد أبو غزالة

تشكو الحكومة اللبنانية من أن وضع اللاجئين السوريين في لبنان لم يعد يُحتمل، وأن الدولة أمست عاجزة عن تحمّل كلفة ضبط الأمن في مخيمات النازحين والمناطق التي ينتشرون فيها، في المقابل، تقول منظمة الأمم المتحدة، إنها قدمت تسعة مليارات دولار من المساعدات للبنان للتخفيف من حدة أزمة اللاجئين منذ العام 2015، غير أن أزمات لبنان المتلاحقة، أغرقت فئات واسعة من اللبنانيين في فقر مدقع، زادت معه نسبة الاستياء من استمرار وجود اللاجئين السوريين.

وكان وزير النازحين اللبناني، عصام شرف الدين، قد أعلن في تموز/ يوليو الماضي عن خطة لإعادة حوالي 15 ألف لاجئ سوري إلى ديارهم شهرياً، مضيفاً أن "سوريا أصبحت آمنة إلى حد كبير"، على حد زعمه.

وقد حددت حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، أسماء اللاجئين السوريين الذين سيشكلون الدفعة الأولى التي ستغادر البلاد إلى سوريا بعد العشرين من الشهر الجاري، وقال الوزير شرف الدين إن عدد العائلات التي سجلت أسماءها بلغ 920 من مختلف مناطق البلاد، وأنها "فعلت ذلك طوعاً". وتوقع الوزير أن تستكمل عملية إعداد قوائم الراغبين في العودة إلى سوريا خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

عودة طوعية أم إلزامية؟

في وقت تتحدث الحكومة اللبنانية على أن عودة اللاجئين عودة طوعية، يؤكد المدير التنفيذي لشبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية، زياد عبد الصمد، ذلك، ما يعني، أن من لا يريد أن يعود لن تفرض الحكومة عليه أو تجبره على العودة، ويوضح عبد الصمد لوكالتنا، قائلاً: "عملياً هناك اعتبارات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، أولاً بمجرد ما أطلقت عليهم تسمية نازحين، وليس لاجئين، فهذا يعني أنه نزع عنهم غطاء الحماية الدولية، لأنه ما يطبق بالقوانين الدولية على اللاجئين، يوفر لهم الحد الأدنى من الحماية القانونية والدولية، لكن مجرد ما اعتبروا نازحين، هذا يعني لا يمكن أن ينطبق عليهم القانون الدولي، فإذاً هم ليس لديهم إقامة، وإقامتهم غير شرعية، وبالتالي هم معرضون للمطاردة، وإذا ليس لديهم إقامة شرعية، سوف يعمل في "الأسود" (أعمال غير قانونية)، وليس لديه حقوق كيد عاملة، وإلى ما هنالك من قضايا وتبعات لهذا الواقع، وبالتالي يصبح واقع العيش في بلد يعاني ما يعانيه من أزمات صعب جداً، فتصبح الأزمة وتصبح العودة بالشكل ليست طوعية، ولكن بالفعل هي إلزام بالعودة".

عودة.. إلى أين؟

بحسب الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية، أين وجهة اللاجئين السوريين؟ يؤكد عبد الصمد أن الخطة ليست واضحة، لكن من حيث المبدأ، كل سوري من المفروض أن يرجع إلى منطقته التي خرج منها، ولكن توجد مناطق هي خارج نفوذ حكومة دمشق، من سيضمن لهم عودتهم الآمنة؟ وبمناطق حكومة دمشق أيضاً، فإنه يقول إن هناك مناطق هي مسيطرة عليها، ولكن فعلياً لا تطال كل هذه المناطق، لوجود ميليشيات نشأت خلال الحرب التي لا تتبع للحكومة، وتوجد مناطق النفوذ فيها للروس، ومناطق نفوذ لميليشيات إيرانية وباكستانية وأفغانية.. إضافة إلى ميليشيات تابعة لـ "حزب الله" اللبناني، وبالتالي لا يوجد هناك سيطرة كاملة، ولا أحد استطاع أن يعرف كيف يمكن أن تنفذ هذه الخطة!

الدور الروسي في خطة العودة

أما عن الدور الروسي، فيقول عبد الصمد" إنه سيشهد تحوّلاً، لأن الروس كانوا يلعبون دوراً مهماً في حل النزاع في سوريا، أو على الأقل في الوساطة بين الأطراف، ولكن هذا الدور كان بمباركة أميركية، وكان الروس قد أعطوه ضمانات، منها مثلاً خلق منطقة معزولة السلاح، لا يوجد فيها ميليشيات إيرانية و"حزب الله" في جنوب سوريا على حدود إسرائيل، ويوجد تفاهمات أخرى بينهم وبين واشنطن، فيما يخص الوجود الإيراني و"حزب الله" والنفوذ... حتى أن الروس كانوا يحضّرون البديل لبشار الأسد من داخل الجيش، وبعض الضباط الذي يدينون بالولاء للروس.

وأضاف عبد الصمد أن هناك دوراً روسياً كبيراً يمكن أن يلعبوه، ولكن بمباركة إسرائيلية أميركية بالتأكيد، لكن بعد الحرب الأوكرانية، ليس معروف هذا الدور، إذا يمكن أن يكمل، وإذا الروس يمكنهم أن يفعلوا تفاهمات مع الولايات المتحدة، أو يمكنهم أن يعطوا غطاء للروس، وتحديداً إسرائيل، وبالتالي أتصور أن ملف المفاوضات، والدور الروسي الذي كانوا يلعبونه بموضوع المهجرين، وموضوع الحل بشكل عام، لا أعلم كم من الوقت يمكن أن يلعبوه بعد.

ويتابع بالقول، إن المبادرة التي قام بها بوتين منذ خمس سنوات، والتي تعهد بها بعودة اللاجئين، كانت مبادرة غير واقعية، لأن لوجستياً غير مأمّن لها أي شرط من شروط نجاحها، وكانت مبادرة فقط لتحصيل أموال من الأوروبيين، ولسان حاله يقول، نحن نحل مشكلة اللاجئين والنازحين في لبنان وجواره بإرجاعهم إلى سوريا، وهكذا تخفف تهديد باحتمال أن يهاجروا إلى أوروبا، ولكن في حينه أنجيلا ميركل، لم تكن إيجابية في التعامل مع بوتين في هذا الملف، وتجمد لأن الوضع والعلاقات الروسية - الأميركية ومع إسرائيل متوترة جداً.

موقف المنظمات الحقوقية

المنظمات الحقوقية الدولية تنفي أن تكون الأوضاع آمنة في سوريا، بما فيه الكفاية لعودة اللاجئين، وتشدد على أن "ظروف العودة الآمنة والطوعية والكريمة لا تزال بعيدة المنال". وقد نبهت منظمتا العفو الدولية، و "هيومن رايتس ووتش"، إلى أن الظروف في سوريا لا تسمح بعودة اللاجئين على نطاق واسع وحذرت من إعادتهم قسراً.

وأشارت تلك المنظمات إلى وجود مخاطر تحدق بالعائدين، حتى الذين عادوا طواعية، من قبيل الاعتقال والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي والإعدام خارج نطاق القانون، وقالت تلك المنظمات: إن "السلطات السورية تستهدف العائدين بسبب فرارهم من البلاد، وغالباً ما توجه لهم تهم الخيانة ودعم الإرهاب، وأن النساء العائدات يواجهن مستوى الخطر نفسه الذي يتهدد الرجال".

وأكد عبد الصمد أن حسب القانون الدولي، "نحن نطبّق القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، لأنه لا يمكن أن يكون هناك عودة، إلا عندما تتوفر هناك شروط ومواصفات النجاح أو حقوق الإنسان، وبالتالي هناك تقارير تأتي من منظمات دولية ومنظمات محلية، أنه كثير من الذين رجعوا إلى سوريا يتعرضون لضغوط من الحكومة السورية لأنهم معارضة، أو خرجوا بشكل غير شرعي، أو استدعوا إلى التجنيد الإجباري".

ويضيف عبد الصمد، أن هناك تغييراً ديموغرافياً، توجد مناطق أزيل منها واقع سكاني معيّن، ووضع مكانها واقع سكاني جديد، وبالتالي هؤلاء لن يستطيعوا أن يرجعوا للمكان، إلا إذا كان هناك اتفاق سياسي كبير، لذلك نحن كموقف المجتمع المدني في لبنان بشكل عام، يرى بأنه حل الأزمة لا يمكن أن يكون على حساب حقوق الإنسان، بل يجب أن يكون هناك أولاً مبادرة سياسية فعلية لحل الأزمة في سوريا، وتعهدات حكومة دمشق أنه يمكنهم أن يرجعوا إلى مكان إقامتهم وسكنهم ويوجد لديهم فرص معيشية ملائمة حتى تتوفر، وهنا المجتمع الدولي، خاصة الأوروبيين الذي يقدمون مساعدات للسوريين، لم يلتزموا بتعهداتهم، فعلى سبيل المثال، في مؤتمر بروكسل تعهدوا بستة مليار دولار، ولم يدفعوا منها إلا 40 في المئة فقط.

ويتابع عبد الصمد إن "المجتمع الدولي لم يحاول أن يلعب دوراً سياسياً فعلياً في الأزمة السورية بشكل عادل، والحل الوحيد للاجئين هو حل الوضع في سوريا، وبالتالي نرى بأنه يوجد دور سياسي كبير، يمكن أن يلعب، وموضوع اللاجئين حله ليس في لبنان، بل حله عملياً في سوريا، ومن هنا لوقتها لا بد من توفير الحد الأدنى من مقومات العيش بكرامة لهؤلاء الناس، ونحن نعرف بأن اللاجئين بالمخيمات، الأطفال والنساء، يعانون ما يعانوه، من أمراض وبطالة وفقر، وبالتالي هناك ضرورة لمعالجة سريعة لهذا الموضوع".

(ي ح)

ANHA