الرقة بعد 5 أعوام من التحرير.. من عاصمة الظلام إلى مركز لترسيخ الأمة الديمقراطية

مرت الرقة عبر تاريخها بمراحل عديدة، لعل أصعبها كان حينما احتلها داعش وفرض فيها نموذجاً رجعياً محا تاريخها وأنكر حاضرها وسعى لتشويه مستقبلها، لكن الرقة نفضت عن نفسها سريعاً سواد المرتزقة، واستنشقت نسمات الحرية وباتت اليوم مركزاً ريادياً لترسيخ مشروع الأمة الديمقراطية.

الرقة بعد 5 أعوام من التحرير.. من عاصمة الظلام إلى مركز لترسيخ الأمة الديمقراطية
الأربعاء 19 تشرين الأول, 2022   22:20
الرقة- جمعة محمد

قبل قرون طويلة، شهدت مدينة الرقة مراحل الازدهار، وتحديداً في العصر العباسي حينما أولى الخليفة هارون الرشيد هذه المدينة أهمية دون غيرها، آخذاً بعين الاعتبار جمال طبيعتها وموقعها المميز على نهر الفرات، عصب الحياة في مناطق ميزوبوتاميا.

لكن، وبحسب العديد من المؤرخين، كانت دوافع الخليفة العباسي أبعد من كونها مبنية على العاطفة، ذلك أنه كان يعطي موقع المدينة الاستراتيجي أهمية خاصة، كونها تقع على الطريق بين بيزنطة ودمشق وبلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، لكن ما بناه انهار بعد الغزو المغولي للمنطقة عام 1258.

وعادت الرقة لتحاول النهوض، استغرق ذلك سنوات طويلة، وفي السنوات الأخيرة، وحين حكم حزب البعث سوريا بعد مرور قرون وعقود على احتلال المنطقة من قبل قوى عدة، لم تحظ المدينة بالأهمية الكبيرة ولم تكن على قدم المساواة مع بقية المدن السورية الشقيقة.

فالنظام البعثي بث السموم في المجتمع السوري ونسيجه الاجتماعي، إذ سعى وعمل جاهداً لتكريس العنصرية والتفرقة والمناطقية في فترات حكمه لسوريا، وقد نالت الرقة نصيباً كبيراً من هذه السياسة، حتى جاء داعش الذي سعى لطمس حضارتها.

"عاصمة الخلافة" المزعومة ومركز لفكر وذهنية داعش

كانت مدينة الرقة، على نحو خاص، في مرمى مرتزقة داعش قبل أن تحررها قوات سوريا الديمقراطية عام 2017، إذ شكلت المدينة معقلاً حيوياً ونشطاً لمتزعمي المرتزقة وانتشرت فيها السجون وكان لها الدور المحوري في إدارة عمليات احتلال الأراضي في سوريا والعراق.

في منتصف عام 2014، سقطت مدينة الرقة بيد مرتزقة داعش، بعد أن كانت محتلة من قبل مجموعات "الجيش الحر" الذي احتل المدينة كأولى المناطق السورية التي خرجت عن سيطرة حكومة دمشق، لتتحول الرقة سريعاً إلى عاصمة داعش المزعومة وأهم معاقله في سوريا.

اكتسبت الرقة خلال 3 أعوام من احتلال داعش درجة كبيرة من الأهمية لديه وساعدته على التوسع في سوريا واستجماع القوة وتهديد العالم.

فبعد سقوط الرقة بيد داعش، توالى سقوط المدن والبلدات السورية بيد المرتزقة الواحدة تلو الأخرى، حتى تمكن داعش من احتلال مناطق شاسعة في سوريا، ومثلها في العراق المجاور.

لقد شكل احتلال الرقة التي وصل عدد سكانها إلى 944000 نسمة، تدعيماً كبيراً لصفوف داعش، وباتت بموجب موقعها الاستراتيجي الواقع في عمق الأراضي السورية وعقدة الوصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ما يمكنه اعتبارها "عاصمة لخلافة داعش" المزعومة.

باتت الرقة بعد فترة قصيرة من احتلالها منطلقاً لداعش لشن هجماته على المناطق المجاورة، وكان هجومه الأبرز هو الذي شنه على كوباني انطلاقاً من الرقة.

علاوة على ذلك، فإن الرقة كانت مركزاً رئيساً للدعم الوارد إليها عبر الحدود التركية التي كانت مفتوحة على مصراعيها أمام داعش، فمن تل أبيض شمال الرقة وجرابلس والراعي شمال حلب، كان الدعم التركي لداعش يدخل إلى الأراضي السورية ليصل إلى الرقة، ومنها يوزع على باقي "ولايات" المرتزقة، وصولاً إلى الأراضي العراقية التي لم يملك فيها داعش منفذاً مع تركيا، ليقتصر الاعتماد على الحدود السورية – التركية.

كما أن المرتزقة الأجانب كانوا يتمركزون في الرقة، عاصمتهم المزعومة، ويقومون بعمليات الإدارة والتوجيه بالإضافة إلى الإنتاج الإعلامي الذي كان الوسيلة الأبرز لداعش في الترهيب والجذب للانتساب إلى صفوفه من مختلف البلدان.

حيث شاهد أهالي الرقة بأعينهم والعالم عبر الشاشات وحشية داعش في التعامل المرعب مع السكان المحليين من حرق البشر أحياءً وقطع الرؤوس وتعليقها في الساحات العامة لبث الرعب في نفوس الأهالي.

كل تلك العوامل، دفعت مرتزقة داعش لجعل الرقة مركزاً لتطبيق فكره المتطرف والرجعي، والذهنية الرافضة لحقيقة المجتمع.

الرقة إلى مركز لتطوير الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية

في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2016 أطلقت قوات سوريا الديمقراطية رسمياً حملة "غضب الفرات" لتحرير مدينة الرقة وريفها من داعش.

حيث ضمت قوات سوريا الديمقراطية أبناء المكونات في شمال وشرق سوريا والمقاتلين الأمميين في عملية دحر داعش في معقله الكبير مدينة الرقة.

وبعد قرابة عام من المعارك العنيفة في أحياء المدينة والبلدات المجاورة تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير كامل مدينة الرقة في 20 من تشرين الأول/أكتوبر عام 2017.

/ar/uploads/files/2022/10/19/173835_khald-brkl.webp

في لقاء أجرته وكالتنا في ذكرى تحرير الرقة؛ يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في الإدارة المدنية للرقة وريفها، خالد بركل، في إشارة إلى داعش، إن "هؤلاء عبثوا بالبنية التحتية من خلال تدخلاتهم بشؤون الناس وشؤون المجتمع من خلال فرض سياسات رجعية، وهي سياسات تعود للقرون الوسطى من خلال ممارسات إرهابية ضد المجتمع، حيث رأينا خلال حقبة سيطرة داعش والفصائل المختلفة على الرقة ومن خلال السلوكيات الإجرامية التي كانوا يمارسونها، استياءً شعبياً كبيراً".

ويضيف بركل متحدثاً عن بدايات التغيير الذي أعقب تحرير الرقة بقوله: "عند تحرير الرقة نتذكر تلك المشاهد التي رأيناها كيف أن المرأة الرقاوية الأصيلة قامت بإزالة الستار الأسود وما كانت ترتديه والاحتفاء بقدوم قوات سوريا الديمقراطية، كانت تلك المشاهد توحي إلى موروث مدينة الرقة من الناحية الاجتماعية، هذه المدينة التي كانت كل الشرائح والفئات المجتمعية في تكاتف وتعايش وتعاون بينها، المدينة التي تحمل ثقافة العيش المشترك منذ الأزل، لكن داعش من خلال سياساته المختلفة التي جاءت في إطار خدمة الأطراف الخارجية، إنما أراد إحداث شرخ بين النسيج الاجتماعي لهذه المدينة وحاول إضفاء كل ما هو دخيل لتمريرها إلى صلب ثقافة المجتمع".

على مدى سنوات طويلة، شهدت مدينة الرقة تعايش الكرد مع العرب، والمسلم مع المسيحي، في تجسيد حقيقي لحقيقة المجتمع الذي يحظى بتاريخ عريق في الرقة، على الرغم من مساعي التلاعب بتلك الحقيقة، بقيت الرقة إلى حد كبير متماسكة، لكن داعش سارع إلى إحداث الشرخ، فقام بتهجير الكرد وحارب المسيحيين، وبدأ بزرع بذور التفرقة والتشدد والكراهية بين سكانها.

لكن كل ذلك تغير بمجرد تحرير قوات سوريا الديمقراطية للمدينة، إذ عاد أبناؤها وتشاركوا في إعادة الحياة إليها وبنوا إدارة مدنية ديمقراطية لتنظيم الحياة فيها، وباتت الرقة اليوم مقصد السوريين من كل حدب وصوب.

يقول خالد بركل "هنا يجب المقارنة بين حقبة سيطرة الإرهابيين على هذه المدينة والفترة التي تعيش فيها المنطقة تجربة الإدارة الذاتية حالياً، لقد حوّل الأهالي الدمار والسنوات العجاف إلى حياة جديدة بعيداً عن قوى الظلام، حيث تشهد المدينة نهضة عمرانية وتمتلك كل مقومات الحياة، وتعيش العشائر بتعاون في أمن وأمان، وأصبحت مدينة الرقة حالياً المدينة التي لا تنام، بالتزامن مع مساهمة مئات الآلاف من السكان في عملية إعادة الحياة إلى هذه المدينة، وهذا بدون شك جاء بفضل عمل الإدارة الذاتية الديمقراطية المجتمعية التي قدمت جل خدماتها حتى يكون هنالك استقرار".

يعود بركل إلى الوراء، ليتحدث عن العقود الماضية التي "عانت فيها المكونات في الرقة من سياسات الإقصاء والتهميش وفرض السياسات الرجعية بحق المرأة والمجتمع، وكانت تلك السياسات منافية للمرحلة ومنافية للمبادئ السامية للإنسانية ومخالفة للعرف والعادات الموجودة في المدينة، لكن الإدارة الذاتية أثبتت قدرتها على التعاطي مع جميع شرائح المجتمع، وذلك لأن الإدارة هي أساساً من الشعب بجميع مكوناته".

ويشير إلى أنه "يمكن الآن دراسة الأوضاع في الرقة والمستوى المعيشي وشكل الإدارة في منطقة الرقة ومقارنتها بالسابق. بالطبع هنالك تغيير كبير، لكن هذا لا يعني أن الإدارة لا تقع في أخطاء وعثرات ونواقص، لكن تلك الأخطاء تبقى فردية ويتم محاسبة هؤلاء الذين يسيئون للإدارة الذاتية".

ويضيف: "الإدارة الذاتية اليوم بكل قطاعاتها ومفاصلها وبمجالسها المحلية وبمؤسساتها تقوم قدر المستطاع بتأدية واجبها وبالمسؤوليات التاريخية الملقاة على عاتقها من خلال هؤلاء المنخرطين ضمن الإدارة، بالطبع هنالك سلبيات هي مرافقة لعملية ترسيخ مفهوم الإدارة المجتمعية، بالطبع نحن ندرك حجم التضحيات والبطولات التاريخية التي سطرها المقاتلون السوريون لتحرير الرقة، وعليه يجب أن نحمل هذه الأمانة ونكمل هذا الطريق بكل إخلاص تكريماً لتضحيات شبابنا وشاباتنا".

لقد تغير الكثير في مدينة الرقة عقب تحريرها، فتحولت من مركز للترهيب والوحشية إلى مركز للديمقراطية والتعايش المشترك والعدالة والحرية، وتسلّم أبناؤها إدارتها، وباتت اليوم مقصد الآلاف من الأشخاص الذين فروا من الحرب في المناطق السورية المجاورة، إذ تشير الإحصائيات، وفق مسؤولين محليين، إلى أن عدد سكانها الآن يفوق ما كان عليه قبل الحرب.

(د)

ANHA