​​​​​​​عودة التنافس الإقليمي على الساحة اللبنانية من باب رئاسة الجمهورية

شكل البيان السعودي - الفرنسي - الأميركي المشترك، والذي حدد مواصفات المرحلة ومقتضياتها، وانتخاب شخصية تكون مقبولة وقادرة على استعادة الثقة، عنصراً أساسياً لدعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري لجلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس جمهورية جديد، ما يؤكد تأثر لبنان على مدى عقود بالأحداث المحيطة به في الشرق الأوسط، بسبب خضوع أحزابه لمشيئة القوى الإقليمية وتلقي تمويل منها.

​​​​​​​عودة التنافس الإقليمي على الساحة اللبنانية من باب رئاسة الجمهورية
الخميس 6 تشرين الأول, 2022   02:15
بيروت – زياد أبو غزالة

عاد الركود إلى الاستحقاق الرئاسي بعد أن ارتفع منسوب الحركة السياسية المرتبطة به. لكن بقيت التفاصيل الحكومية والخلافات المتجددة، في إطار التجاذب الذي يحصل في الربع الساعة الأخيرة قبل تشكيل الحكومة، إلا أن هناك قراراً خارجياً وداخلياً يقضي بوجوب تشكيلها، لتكون أصيلة وقادرة على تسلّم صلاحيات الرئيس. بينما كل المطالب أو الشروط تندرج في سياق تحسين كل طرف لموقعه ولمكاسبه. وعلى وقع هذه المساعي المبذولة، جاءت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى جلسة انتخاب الرئيس.

وفي حلقة جديدة من مسلسل الأزمة السياسية التي تعيشها المؤسسات الدستورية اللبنانية، لم يتمكن البرلمان من انتخاب رئيس جديد للبلاد خلال جلسة عقدها الخميس الماضي لاختيار خليفة للرئيس الحالي ميشال عون الذي تنتهي ولايته في 31 أكتوبر/ تشرين الأول.

وأظهر فرز بطاقات التصويت وجود 63 ورقة بيضاء، بينما حصل ميشال معوض على دعم 36 من بين 122 نائباً حضروا الجلسة.

وأعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه سيدعو لجلسة جديدة عندما يكون هناك توافق على مرشح. ويبدو أن غياب التوافق على مرشح سيعني بقاء منصب الرئيس شاغراً عندما تنتهي ولاية عون، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة مالية حادة.

أهداف الجلسة

وطالما أن التوافق على مرشح للرئاسة غير موجود، ما الهدف من دعوة بري من الأساس إلى الجلسة؟ يقول الكاتب والمحلل السياسي، منير الربيع: إن برّي أراد بهذه الخطوة ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. أولاً، إزاحة مسؤولية تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية عن كاهله، وتوجيه الدعوة في ظل عدم حصول أي توافق. فبذلك يكون قد أرضى القوى المسيحية، وخصوصاً البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي كان قد أعلن يوم الأحد، أن تأجيل انتخاب الرئيس بانتظار التوافق يؤدي إلى تقويض دور المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، وتقويض موقع ودور رئيس الجمهورية.

وأضاف الربيع لوكالتنا، أن بري أثبت للجميع من خلال دعوته إلى الجلسة، أن إنجاز الاستحقاق الرئاسي يرتبط بحصول التوافق بين أكبر عدد من الكتل النيابية، لأن لا أحد سيكون قادراً على فرض مرشحه، ولا قدرة لتكرار تجربة الخمسة وستين نائباً كما حصل في انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه، خصوصاً أن انتخاب الرئيس يحتاج إلى حضور ثلثي أعضاء المجلس، وبالتالي من يمتلك الثلث بإمكانه التعطيل.

ويتابع الكاتب والصحافي بالقول: "تأتي دعوة برّي على وقع الشروط المتبادلة التي يتم فرضها حول تشكيل الحكومة، وهو بذلك يمسك بالأوراق المختلفة: تشكيل الحكومة وجعل المجلس النيابي هيئة تشريعية بالتزامن مع فتح الدورة الانتخابية. لا سيما أنه في موقفه بذكرى الإمام موسى الصدر كان واضحاً بأن المجلس سيد نفسه، وهو صاحب الصلاحية في تفسير الدستور، كردّ على كل محاولات خلق صراع دستوري حول الصلاحيات".

توسط قوى خارجية

وعلى وقع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي يتخبّط فيها لبنان، تواصل مؤسسات الدولة انهيارها، ما دفع قوى خارجية إلى التوسط في الشؤون اللبنانية أو محاولة التأثير على مجرى الأمور. ولا شك أن إيران تتمتّع بنفوذ كبير في لبنان من خلال حليفها المحلي حزب الله. ومنذ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، بدأت فرنسا تؤدي دوراً أكبر في عملية تشكيل الحكومة اللبنانية. أما السعودية لا تزال تنأى بنفسها عن الشأن اللبناني.

وعقب اجتماع ممثلين من المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، وفرنسا لمناقشة الوضع في لبنان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أصدرت الدول الثلاث بياناً شددوا فيه على أهمية دعم البلد الصغير والعمل لحماية أمنه واستقراره.

وأكدوا أيضاً على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها بما يتماشى مع الدستور، كما ركزوا على أن يحرص الرئيس المنتخب على توحيد الشعب اللبناني، وأن يعمل مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة للتغلب على الأزمة الحالية.

وتعكس المنافسات السياسية اللبنانية مدى التنافس بين الدول الإقليمية وخصوصاً إيران والسعودية وهما تتمتعان بنفوذ حاسم في السياسة اللبنانية.

المسار الدستوري

وينتخب الرئيس اللبناني من الطائفة المسيحية المارونية وفقاً للنظام الطائفي، ويحتاج دستورياً لتصويت ثلثي مجموع أعضاء البرلمان، أي 86 نائباً، وبالدورة الثانية بالأغلبية المطلقة، أي 65 نائباً.

وبدأت مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد، وتستمر حتى 31 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ويمكن أن يتخللها جلسات لا ينتج عنها انتخاب رئيس، مما يدخل البلاد بشغور رئاسي في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

وسبق أن شغر منصب الرئيس عدة مرات منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990. وتحسباً لحدوث فراغ رئاسي، يكثف السياسيون جهودهم لتشكيل حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الذي يترأس حالياً حكومة تصريف الأعمال، بحيث يمكن أن تنتقل إليها السلطات الرئاسية حتى يتم الاتفاق على رئيس.

(ي ح)

ANHA