بوتين يلوح بالتصعيد بعد التراجع العسكري في أوكرانيا.. ماذا تغير؟ وإلى أين تتجه الأحداث؟

أثار التراجع العسكري الروسي في أوكرانيا الكثير من التساؤلات حول مسار الأحداث هناك وتداعياتها على العالم أجمع وسط إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين التعبئة الجزئية وتلويحه باستخدام السلاح النووي، فماذا تغير في الميدان والسياسة؟ وإلى أين تتجه التطورات؟

بوتين يلوح بالتصعيد بعد التراجع العسكري في أوكرانيا.. ماذا تغير؟ وإلى أين تتجه الأحداث؟
السبت 24 يلول, 2022   21:40
مركز الأخبار – ليلاف ديواني

يشهد ملف التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا تطورات متسارعة تلت الحديث عن التراجع العسكري الروسي إثر هجوم مضاد للقوات الأوكرانية.

وقالت السلطات الأوكرانية 12 أيلول/ سبتمبر 2022، إن القوات الأوكرانية استعادت السيطرة على أكثر من 20 موقعاً خلال الـ 24 ساعة الماضية، وذلك في ظل استمرار تقدمها السريع نحو الشرق، وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية في تقرير إن القوات الروسية تركت منطقتي فيليكيا بورلوك وفوريشنا، الواقعتان بشمال منطقة خاركيف.

وفي ظل ضغط الهجمات المضادة الأوكرانية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية سحب قواتها من خاركيف مطلع الأسبوع، بعد أكثر من نصف عام من بدء الحرب، وأرجعت الوزارة سبب الانسحاب إلى "إعادة تجميع" استراتيجي للوحدات.

وكان الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي قد أعلن الأحد الماضي استعادة السيطرة على بلدة إزيوم ذات الأهمية الاستراتيجية.

وأظهرت مقاطع فيديو الجنود الأوكرانيين وهم يرفعون العلم الوطني، وجاء في تقرير لاستخبارات الدفاع البريطانية الإثنين أنه "في ظل التقدم الأوكراني، من المرجح أن تكون روسيا أصدرت أوامرها لجنودها بالانسحاب من منطقة خاركيف اوبلاست بالكامل غرب نهر اوسكيل"، وأشار التقرير إلى وجود "جيوب منعزلة من المقاومة، ولكن منذ يوم الأربعاء، استعادت أوكرانيا السيطرة على منطقة تبلغ مساحتها نحو ضعفي مساحة لندن الكبرى".

ميدانياً أيضاً، اتهمت أوكرانيا الجيش الروسي بمهاجمة البنية التحتية المدنية وقال مسؤولون أوكرانيون إن أهداف الهجمات الانتقامية شملت منشآت المياه ومحطة طاقة حرارية في خاركيف وتسببت في انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع، وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تويتر في وقت متأخر من الأحد الماضي "ليس هناك منشآت عسكرية، الهدف هو حرمان الناس من الإنارة والتدفئة". وتنفي موسكو تعّمد استهداف المدنيين.

انكسار أم انسحاب تكتيكي

وأثار التراجع حالة من الجدل حول مسار التطورات في أوكرانيا، حيث كتبت صحيفة "ألموندو" الإسبانية (12 سبتمبر/ أيلول) "نشهد هجوماً استثنائياً للجيش الأوكراني في شمال دونباس، صراعاً يبدو أنه سيكون طويلاً ومفجعاً، والذي مرّ بمراحل مختلفة، قاسمها المشترك فشل استراتيجية الكرملين".

وأضافت الصحيفة "الحرب الخاطفة التي كانت تهدف إلى قطع رأس الحكومة الشرعية في كييف فشلت بفضل الشجاعة والتصميم اللذين دافع بهما الأوكرانيون عن سيادتهم وحريتهم (..) من الواضح أن هذه الإنجازات لم تكن لتتحقق لولا الدعم العسكري الغربي. أصبحت هزيمة بوتين الآن محتملةً، في حرب يجب ألا ينتصر فيها إذا كنّا نهتم بأمن واستقرار أوروبا".

/ar/uploads/files/2022/09/24/180010_mhmwd-alafndy.webp

الأكاديمي والباحث السياسي المقيم في موسكو، محمود الأفندي، تحدث حول التطورات الأخيرة، قائلاً: "منذ حوالي ٣ أشهر تقوم أوكرانيا بحشد القوات عن طريق التجنيد الإلزامي للقيام بالعملية العكسية، ومنذ بداية الشهر التاسع بدأت القوات الأوكرانية بهجوم عكسي على كامل خطوط الجبهة ما بين القوات الروسية والقوات الحليفة لها مع القوات الأوكرانية والتي هي عبارة عن حوالي ١٣٠٠ كلم".

وأوضح "تم فتح ٩ جبهات هناك نجاح في منطقة خاركيف فقط حتى الآن لا نجاح لا في خيرسون ولا ميكولايف، النجاح في خاركيف سببه عدم تواجد قوات روسية كبيرة ما أدى فعلياً لانهيار الخط الدفاعي وتعمقت القوات الأوكرانية داخل الجبهة ما دفع القوات الروسية لإعادة والانسحاب لحماية الجيش الروسي الموجود حتى لا يتم الحصار في بعض المدن لأن اختراق الجبهة أدى لإمكانية محاصرة القوات الروسية في مدينتين، لذلك قامت القوات الروسية بالانسحاب تكتيكياً وأرجعت خط الجبهة إلى حوالي ٤٠ كلم فعلياً وهذا أدى لتسليم حوالي ٣٨٠٠ كلم٢ للقوات الأوكرانية".

وأضاف "روسيا اتخذت تكتيك الدفاع لتنتهي معركة الهجوم المضاد وهذا شيء طبيعي يحدث بكل الحروب، العملية العسكرية الأوكرانية بحاجة إلى وقت لكنها لا تستطيع الاستمرار طويلاً لأن هناك انتهاك للقوات بشكل كامل حيث تقوم القوات الأوكرانية بعمليات انتحارية ما يؤدي لخسائر كبيرة في العتاد والأسلحة والجنود".

قرار غربي بكسر روسيا عسكرياً

وبينما يحاول المسؤولون الروس ووسائل الإعلام الحكومية التقليل من شأن الانسحاب من خاركيف، يرى مراقبون بأن المساعي الروسية لحسم المعركة هناك تواجه الكثير من التحديات وعلى رأسها الدعم الغربي المتزايد لأوكرانيا.

وفي شهر نيسان/ أبريل قال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إنه بإمكان أوكرانيا كسب الحرب مع روسيا إذا حصلت على "المعدات المناسبة"، في أعقاب زيارة إلى كييف برفقة وزير الخارجية أنتوني بلينكن.

وقال أوستن لمجموعة من الصحفيين بعدما التقى وبلينكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "الخطوة الأولى للانتصار هي الثقة بإمكانية الفوز"، مضيفاً "نرى أن بإمكانهم الفوز، يمكنهم الانتصار إذا كانت لديهم المعدات المناسبة".

وبهذا الصدد كتبت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية (12أيلول/ سبتمبر) معلقة "لقد أظهرت قوات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي براعة كبيرة واستفادت بشكل جيد من المدفعية القوية والأسلحة الأخرى التي قدمتها الولايات المتحدة، ما أحدث اضطراباً في خطوط الإمداد الروسية، لكن الهجوم المضاد لا يعني بالضرورة النصر النهائي، يجب على أوكرانيا أن تواصل الضغط لطرد روسيا من مناطق أخرى، لم يتم خوض معركة خيرسون بعد، كما يجب أن تُذكّر فرحة الأيام القليلة الماضية الكونغرس الأميركي وأوروبا بأنه يتعين عليهما بذل جهد أقصى الآن لدعم أوكرانيا لأن في ذلك استثمار لتحقيق النجاح في المستقبل".

وحول ارتباط هذا التغير الميداني بعوامل خارجية، يرى الأفندي أن هذا التغير "يعود لأسباب خارجية لأن معلومات الاستخبارات العسكرية تقول إنه كان هناك قوات (مرتزقة) ضمن القوات الأوكرانية مدربة كما أن الاستخبارات العسكرية الأميركية والبريطانية أعطت مواقع خطوط الدفاع الضعيفة التابعة للجيش الروسي بدقة".

وأضاف "كان هناك أسباب خارجية طبعاً، تدخل حلف الناتو عن طريق الاستخبارات العسكرية بالمعلومات الدقيقة التي أعطوها للجيش الأوكراني بالإضافة إلى تزويده بالأسلحة حيث ومنذ شهرين حتى الآن تم تزويد أوكرانيا بعدد كبير من العتاد العسكري، بولندا قدمت لأوكرانيا ٢٥٠ دبابة من شهر تموز/ يوليو حتى أيلول/ سبتمبر وكان هناك عتاد ومدافع من أميركا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا. هذا كان نتيجة قرار غربي".

بوتين يتجه للتصعيد.. خريف ساخن

وقرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء 21 أيلول الجاري "التعبئة الجزئية" للمواطنين الذين هم في سن القتال، ما يفتح الباب أمام تصعيد كبير متوقع للنزاع الدائر في أوكرانيا، وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن التعبئة تشمل 300 ألف جندي احتياطي. وحذر بوتين في خطاب للأمة بثه التلفزيون، من أن روسيا مستعدة لاستخدام "كل وسائلها" الدفاعية "لحماية نفسها"، متهماً الغرب بأنه يريد "تدمير" بلاده.

وأكد بوتين في خطابه أن هدفه هو "تحرير" منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، واعتبر بأن سكان تلك المنطقة لا يريدون الخضوع مجدداً إلى ما سماه "عبودية" أوكرانيا، وقال: "نحن ندعم هذه الشعوب". كما اتهم الغرب بممارسة "ابتزاز نووي" ضد بلاده، وأضاف أن روسيا لديها "أسلحة كثيرة للرد" على ما وصفها بالتهديدات الغربية وقال إنه لا يمزح، وأمر بزيادة التمويل لتعزير إنتاج البلاد من الأسلحة.

وحول تهديدات الرئيس الروسي، قال الأفندي: "كان هناك تفوق بعدد الجيش في مناطق الجبهات حيث حشدت أوكرانيا حوالي ٣٠٠ ألف مقاتل بينما القوات الروسية المشاركة بكل خطوط العملية العسكرية لا تتجاوز الـ١٠٠ ألف مع القوات التي تسمى بالانفصالية وعددها حوالي ٥٠ ألف يعني أن هناك تفوق بالعدد، الآن روسيا حشدت كمية كبيرة من الجنود حوالي ٢٠٠ ألف وعتاد عسكري كبير لانتظار انتهاء العملية المضادة الأوكرانية لكي تقدم روسيا على عمليات مضادة جديدة".

وأضاف "ننتظر خريف ساخن ومن المرجح بعد أن تنتهي العملية المضادة الأوكرانية ستبدأ عملية مضادة روسية وهذا بقانون الحرب معروف دائماً، الرد الروسي سيكون عبر هجوم معاكس على أوكرانيا".

وحول خيارات روسيا للرد، قال الأفندي: "الخيار الأول هو الهجوم العسكري المعاكس بالإضافة إلى أن روسيا بدأت فعلياً بضرب البنية التحتية الأوكرانية وتهديم الاقتصاد الأوكراني ما سيؤدي فعلياً لمشاكل كبيرة على الشعب وذلك يمكن أن يؤثر على العملية العسكرية وعلى سبيل المثال روسيا ضربت منذ أسبوع المحطات الكهربائية وسط أوكرانيا ما أدى فعلياً إلى اضطرار الحكومة الأوكرانية لاتخاذ النفط لتشغيل الكهرباء في هذه المناطق عن طريق المحطات الحرارية وهذا يؤدي إلى نقص في النفط الذي يزودون به الآليات والمدافع والدبابات والطائرات".

هل تندلع الحرب النووية؟

وحول مسار التطورات، قال الأفندي: "روسيا تقوم بعملية عسكرية محدودة الأهداف وعملية خاصة، روسيا لن تتنازل على الرغم من فتح باب التفاوض ولكن حتى الآن لم تتنازل عن أي بند من بنود العملية العسكرية التي أهدافها واضحة وهي حماية الدونباس وتحريره والهدف الثاني هو نزع سلاح أوكرانيا عن طريق تدمير البنية التحتية الهدف الثالث هو انتزاع النازية".

وأضاف "روسيا لم تعطي أهمية للعامل الزمني فالعملية العسكرية بطيئة نوعاً ما لأن روسيا لم تستهلك كل قواتها فنحن أمام حرب استنزاف طويلة الغرب يريدها حرب استنزاف للقوات الروسية والروس يرونها حرب استنزاف لقوات الناتو لأنه فعلياً الناتو هو الذي يمول الجيش الأوكراني بالأسلحة، ٧٠ بالمئة من سلاح الجيش الأوكراني من حلف الناتو وهذا يعني أن أوكرانيا أصبحت تشكل ثقل على السلاح الغربي".

وأوضح "روسيا تملك كمية كبيرة من الأسلحة التقليدية بينما الغرب لا يملك ذلك لأنه كان متجه خلال الـ30 عام للوضع الاقتصادي أكثر من التنمية العسكرية فالتوافق العسكري بالسلاح التقليدي هو لصالح الروسي، نحن أمام حالة استنزاف طويلة تنتهي عند إما استغناء روسيا عن بعض أهدافها أو تعلن أوكرانيا الاستسلام أو تبدأ المفاوضات للتنازل عن بعض الأراضي".

وحول إمكانية استخدام روسيا للأسلحة الكيماوية أو النووية، قال الأفندي: "روسيا لا تملك أسلحة كيماوية ودمرت جميع أسلحتها الكيماوية منذ حوالي ٢٠عام، السلاح النووي الذي هدد به الرئيس بوتين هو السلاح النووي الاستراتيجي وهذا في حال حصول تدخل مباشر من حلف الناتو وتجاوز الخطوط الحمراء التي حددتها روسيا عن طريق تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى أو تزويدها بالطائرات العسكرية أو الدفاعات الجوية الغربية وهذا يؤدي لتدخل مباشر ووقتها روسيا ستضطر لاستخدام السلاح النووي ليس في أوكرانيا بل في دول حلف الناتو لأن سبب صمود الحكومة الأوكرانية هو الدعم من الغرب وحلف الناتو، وحينها ستندلع الحرب النووية والتي لن ينتصر فيها أحد".

(م)

ANHA