سحب سفراء وحرب كلامية.. علاقات المغرب وتونس على طريق المقاطعة

شهدت الأيام القليلة الماضية، أزمة سياسية ودبلوماسية شديدة بين المملكة المغربية وتونس على خلفية مشاركة زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، في ندوة "تيكاد" اليابانية الإفريقية، واستقبال الرئيس التونسي قيس سعيد له، ما اعتبرته الرباط "عملاً خطيراً يجرح بشدة مشاعر الشعب المغربي".

سحب سفراء وحرب كلامية.. علاقات المغرب وتونس على طريق المقاطعة
الأربعاء 7 يلول, 2022   02:42
القاهرة - محسن المصري

وتصاعدت الأزمة لتصل لمرحلة المقاطعة حيث امتنعت المغرب عن المشاركة في بطولات رياضية في تونس، وأعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد، في بيان رسمي الإثنين، الانسحاب وعدم مشاركة أنديتها في البطولتين العربية والإفريقية، المقرر أن تستضيفهما تونس خلال الشهرين المقبلين.

وتحدثت تقارير صحفية مغربية أن المغرب يدرس تبعات إمكانية مراجعة أو تعليق الشراكة التجارية مع تونس.

وقالت جريدة "هسبريس" المغربية ،31 من آب/ أغسطس أن أوساطاً استثمارية مغربية دعت إلى "قطع الروابط التجارية والاقتصادية مع تونس".

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية التونسية، في بيان رسمي صدر يوم 27 من آب/أغسطس عن استغرابها الشديد مما ورد في بيان المملكة المغربية من تحامل غير مقبول على الجمهورية التونسية، وأعلنت استدعاء سفيرها في الرباط للتشاور.

وأكدت الخارجية التونسية أن دعوة زعيم البوليساريو للمشاركة جاءت من جانب الاتحاد الإفريقي، مشيرة إلى أنه "سبق للجمهورية الصحراوية وأن شاركت في الدورة السادسة للتيكاد المنعقدة بنيروبي/كينيا سنة 2016 والدورة السابعة المنعقدة بيوكوهاما /اليابان سنة 2019".

كما واعتبر التونسيون أن رد الفعل المغربي "مبالغ فيه"، واتهموا الحكومة المغربية بـ"التصعيد غير المبرر وهو ما رد عليه ملك المغرب قد قبل أيام بأن قضية الصحراء الغربية تمثل "النظارة التي تنظر من خلالها بلاده لدول العالم"، وطالب حلفاء الرباط بتوضيح موقفهم منها.

وحول تفاصيل الأزمة بين تونس والمغرب ومستقبل علاقات البلدين وتأثيرها على المنطقة كان لوكالتنا هذه اللقاءات مع عدد من الخبراء في دول المغرب العربي.

تصرف عدائي

المحلل السياسي المغربي، صبري الحو قال لوكالتنا: "أنه لا يمكن الاستهانة بالقرار التونسي وتصرفها العدائي في استقبال زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي".

واعتبر الحو وهو خبير القانون الدولي والعلاقات الدولية أن "استقبال الرئيس التونسي لزعيم البوليساريو امتحان مقصود وبسوء نية لقدرات المغرب ولما يمكنه القيام به إزاء فعل يضر مباشرة بمصالحه ووحدته الترابية، وجس نبض لمعرفة طبيعة ردة فعله ومداه".

وتابع "لهذا اختار المغرب عدم التطبيع مع القرار العدائي التونسي ومواجهته بشراسة وحزم وصرامة، فالموقف لا يحتاج بحثاً كثيراً في مصدر الموقف التونسي، ولا شركاؤها في بنائه وتصورات طريقة تنفيذه؛ فهو تطبيق لأجندة متعددة تكاملت وتطابقت مصالحها في هذه الظرفية بالذات ولا تعدو أن تكون جزائرية محضة، اختير لها وقت زيارة الرئيس الفرنسي بعناية لإعطاء الانطباع أنها تواطئ جزائري - فرنسي بتنفيذ تونسي أو فرنسية -جزائرية".

وأشار الخبير المغربي إلى أن المملكة المغربية قامت مباشرة بتحريك الوسائل الدبلوماسية المعروفة في القانون الدبلوماسي والعلاقات والأعراف الدولية باستدعاء السفير من أجل التشاور، وهي الخطوة الأولى، لكن تونس استمرت في العناد باستدعاء سفيرها، معرباً عن اعتقاده أن "باقي الوسائل الدبلوماسية من طلب توضيحات لن يلجأ إليها المغرب لأن سوء النية واضح والقصد التونسي الذي يبدو أنه انخراط تونسي عن وعي في مخطط عدائي ضد المغرب لن تثنيه الممارسات الدبلوماسية، بل يواجه بالحزم والصرامة".

وبحسب الخبير فإن المغرب الذي مُست مشاعر مواطنيه لن يصل إلى مستوى قطع العلاقات لأنه أسلوب تخلى عنه منذ 1979، لافتاً إلى أنه يبقى الانفتاح والتواصل سبيل تجاوز سوء الفهم مع إجراء المراجعات.

واعتبر أن المغرب حقق الهدف عندما أظهر للتونسيين حقيقة نظامهم، وأن هنالك نقاش عام في تونس حول الأمر وتولد عنه شرخ في الشارع التونسي الذي يوجه النقد للرئيس لما آل إليه القرار السياسي التونسي الذي أصبح رهينة وأسير للجزائر تستعمله ضد المغرب.

أزمة مجانية

من جانبه يري المحلل التونسي نزار الجليدي أن العلاقات التونسية - المغربية سائرة في اتجاه التمثيل الأدنى بسبب ما اعتبرته المغرب خطأ جسيماً من الرئيس قيس سعيد حينما استقبل رئيس الدولة الصحراوية إبراهيم غالي خلال القمة اليابانية -الافريقية التي انعقدت مؤخراً في تونس.

وأضح المحلل السياسي التونسي إن تونس تعتبر أن المغرب افتعل أزمة مجانية خاصة وأن الدعوات لهذا المؤتمر ترسلها اليابان والاتحاد الافريقي، كما أن الشعب التونسي في أغلبه بصدد تشجيع رئيس دولته على الإعلان الصريح والواضح بالاصطفاف مع الشقيقة الجزائر وإعلان القطيعة مع المغرب الذي يعتبرونها لم تقدم شيئاً لتونس في أزمتها بل استغلتها بشكل بشع بالسطو على عدد كبير من المشاريع الاستثمارية التي كانت موجهة لتونس.

وتابع "رسمياً لاتزال تونس تمارس سياسة ضبط النفس وبيان الخارجية الوحيد كان في منتهى اللباقة لكننا لا نعتقد أن ذلك سيستمر إذ من المنتظر أن تتم معاملة المغرب بالمثل رغم التكاليف الباهظة التي من الممكن أن تدفعها بسبب التحالفات المغربية مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودرجة أقل دول الخليج".

وأكد الجليدي أن تونس اختارت طريقها وأن استقبال الرئيس التونسي لرئيس الدولة الصحراوية لم يكن مجرد خطأ بروتوكولي مثلما يشيع عدد من الوسطاء في هذه الأزمة وإنما هو رسالة واضحة وإعلان عن انضمام تونس للحلف الروسي الجزائري الصيني بعيداً عن الجناح الامريكي الذي يظل المغرب.

وشدد على أن تونس كانت وستظل قوية بموقفها الواضح ودبلوماسيتها مشيراً إلى أنه لا توجد عداوة لتونس مع المغرب ولكن إذا اختارت الأخيرة طريق العداوة والتحالفات فتونس معروفة لدى الجميع أنها لا تركن للتحالفات.

وقال إذا كانت المغرب رهينة لحلف معين فتونس ليست مرتبطة بحلف معين بدليل إنه خلال فترة وجودها كعضو دائم في الأمم المتحدة وقفت إلى جانب كل القضايا العادلة بالمنطقة بمنطق الدبلوماسي وليس التحالفات.

وأشار إلى أنه إذا كانت المغرب تعول على التحالف مع أمريكا فلتسأل نفسها عن مصير أفغانستان والعراق وليبيا وكل الدول التي كانت تربطها علاقات مع أميركا بالمنطقة.

تحالف ضد المغرب

وحول الموقف الجزائري من الأزمة بين المغرب وتونس، قالت الكاتبة الجزائرية نسرين جعفر أن الموقف المغربي من استقبال الرئيس التونسي لنظيره الصحراوي لم يكن مستغرباً بالنسبة للجزائر، لافتة إلى أن الرباط اعتادت على التصرف بعدوانية تجاه أي شيء يخص الملف الصحراوي.

وأشارت إلى أنه كانت هناك تعليقات جزائرية من الأحزاب والمجتمع المدني رافضة لهذا السلوك المغربي تجاه تونس معتبرة أن الموقف المغربي يكشف تناقضات الدبلوماسية المغربية خاصة أن هناك أكثر من قمة واجتماعات سواء داخل الاتحاد الأفريقي أو خارجه شارك فيها ممثلي الدولة الصحراوية بحضور الوفد المغربي ولم نشهد أي موقف مثل الذي حدث مع تونس.

وبحسب الباحثة الجزائرية فإن هناك رأي سائد في الجزائر يرى أن المغرب أصبح يمثل تهديد لأمن واستقرار المنطقة ويجب التضامن مع تونس والتنديد ما تتعرض له من تجاوزات لأنها تواجه مثلما ما تواجهه الجزائر.

وقالت إن المملكة المغربية خلال الفترة الأخيرة صعدت هجومها على العديد من الدول مثل موريتانيا وتونس ما يشير إلى أن الرباط أصبحت تشكل تهديد للمنطقة المغاربية بشكل كامل وهو ما يجعل من الطبيعي أن يكون هناك تحالف من الدول المتضررة من سياسة المغرب.

ولفتت نسرين إلى إن الجزائر وتونس وموريتانيا يجمعهم موقف شبه موحد تجاه ممارسات المغرب وهناك تقارب من القضية الصحراوية رغم أن تونس وموريتانيا دول محايدة ولكن الأفعال العدائية قد تدفع الدولتين لاتخاذ مواقف إيجابية لصالح القضية الصحراوية رداً على الممارسات المغربية.

(ي ح)

ANHA