تفاوض نووي واشتباك في سوريا.. هل بات الاتفاق الأميركي – الإيراني وشيكاً؟

في وقت ارتفعت نسبة التفاؤل حول إمكانية نجاح المفاوضات الأميركية – الإيرانية حول الملف النووي الإيراني وقرب التوصل إلى اتفاق، اشتبكت قوات موالية لإيران مع قوات أميركية في سوريا هذا الأسبوع. فما هو مدى الارتباط؟ وهل هو عبارة عن تفاوض بالنار؟

تفاوض نووي واشتباك في سوريا.. هل بات الاتفاق الأميركي – الإيراني وشيكاً؟
الأربعاء 31 آب, 2022   01:25
مركز الأخبار – كيفارا شيخ نور

تشير التقارير والمصادر إلى أن إيران والولايات المتحدة نجحتا في تجاوز أصعب العقبات في المفاوضات بشأن إحياء اتفاق 2015 في الأيام الأخيرة، ويبدو أنهما تتجهان نحو اتفاق. لكن في الوقت نفسه، اشتبكت القوات الموالية لإيران والقوات الاميركية في سوريا هذا الأسبوع، ما أدى إلى مقتل أربعة مقاتلين وإصابة ثلاثة من أفراد الخدمة الأميركية.

ويكرر المسؤولون الأميركيون إن هذه الهجمات غير مرتبطة بالمفاوضات النووية، إلا أن الوضع الحالي يسلط الضوء على التحدي الذي تواجهه الإدارة الأميركية الحالية في إحراز تقدم ما في إحدى أولوياتها الرئيسة في الشرق الأوسط (إعادة إحياء الاتفاق النووي)، وذلك بالتزامن مع مواصلة قوات موالية لطهران استهداف الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

ويرى محللون إنه كلما اقتربت الولايات المتحدة وإيران من تحقيق تقدم في المفاوضات، يحاول لاعبون متشددون من كلا الجانبين تعطيل هذ التقدم بغية خلق أزمة لعدم الوصول إلى صفقة.

فيما يرى آخرون إن طهران تحاول استخدام النشاط العسكري في سوريا لكسب بعض النفوذ في المحادثات النووية، وذلك لإخراج القوات الأميركية من الشرق الأوسط، حيث وسّعت إيران نفوذها في هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

بداية النهاية

الباحث المصري المختص في الشأن الإيراني، هاني سليمان، تحدث لوكالتنا حول ذلك، قائلاً: "نحن قريبون جداً وبعيدون جداً في آن واحد عن تحقيق الاتفاق، والجملة التي تعبّر عن ذلك هو ما قاله جوزيب بوريل إنه أمام بداية النهاية للاتفاق، وهذا المصطلح يحمل معنيين اثنين، بداية النهاية بمعنى إننا اقتربنا من الوصول إلى اتفاق، وبالتالي نهاية المفاوضات والوصول لاتفاق مكتوب أو بداية النهاية لانهيار هذه المفوضات وانتكاسها والعودة إلى المربع صفر".

وأضاف "هذه ليست المرة الأولى التي وصلنا فيها إلى هذه النقطة، كان هناك في مراحل سابقة في الإدارة التفاوضية الأولى، في ظل حكم ترامب، كان هناك تقدم بصدد كتابة النصوص النهائية لكن في النهاية انتكست هذه المفاوضات".

وأوضح سليمان "جملة التفاؤل، هي ترويج لتحسين البيئة التفاوضية، ولتحقيق أهداف سياسية معينة لمغازلة كل طرف للآخر بغية الحصول على بعض المكاسب".

كما وصفت طهران مسار المفاوضات حول الملف النووي بالإيجابي، وأكدت في الوقت ذاته عدم تنازلها عن خطوطها الحمراء، في حين أكدت واشنطن قرب التوصل إلى اتفاق، وتحدثت عن استعداد طهران للتنازل عن قضايا رئيسة.

واشنطن وطهران لديهما مصلحة في حصول الاتفاق

يشير الخبراء والمحللون إلى إن التوصل لاتفاق نووي قد يؤخر قدرة إيران على صنع القنبلة النووية، لكنه سيساعد دول أوروبا في التعامل مع أزمة الطاقة الخانقة التي تلوح في الأفق هذا الشتاء، وذلك على خلفية تخفيض روسيا لإمدادات الغاز عن أوروبا التي تدعم أوكرانيا عبر إمدادها بالسلاح وفرض عقوبات اقتصادية على موسكو.

ويرى المحللون إنه في حال تم إزالة العقوبات عن قطاع الطاقة الإيراني، فإن ذلك سيحسن أزمة الطاقة الحالية من خلال إغراق السوق بالكثير من النفط الإيراني.

ويعتقد محللون أن إيران يمكن أن تضيف ما يقرب من مليون برميل من النفط يومياً إلى الأسواق العالمية بعد توقيع الصفقة، ومن المحتمل أن تنتج ضعف أو ثلاثة أضعاف هذه الكمية يومياً مع زيادة الإنتاج خلال العام المقبل، وهذه الكمية من النفط الإضافي في السوق العالمية تعتبر كبيرة وستساعد من دون شك في الحد من بعض الاضطرابات وصدمات الأسعار المرتبطة بالتحرك العسكري الروسي في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على موسكو، ولذلك فإن أي صفقة جديدة محتملة ستكون أضعف من سابقتها لأنها تعرض على إيران الكثير من الفوائد المالية بما في ذلك صفقات اقتصادية طويلة الأجل والسماح لإيران بالاحتفاظ بكمية أكبر من المواد النووية داخل إيران لإعادة تشغيل مفاعلها بشكل أفضل.

وفي هذا السياق يقول الباحث المتخصص في الشأن الإيراني: "هناك العديد من المؤشرات بأننا بصدد التوصل إلى اتفاق، وهذا حقيقي، وكل طرف لديه الرغبة في ذلك، الجانب الأميركي يقترب من انتخابات التجديد النصفي، وهو يواجه الكثير من المشكلات في العديد من الملفات ويريد تحسين الصورة، ووقف الاستقطاب الإيراني بعيداً عن روسيا، ويريد تجميل صورة إدارة بايدن بعد تراجع شعبية الرئيس الأميركي في الداخل، ولذلك يريد بايدن تسويق صورته وحفظ ماء وجهه وتحقيق انتصار ما يمكن البناء عليه، ولذلك فهي دوافع مهمة للجانب الأميركي، وخاصة إن الطرف الأوروبي حريص أيضاً على الوصول إلى اتفاق مع إيران".

وأضاف "الجانب الإيراني، لديه نفس الدوافع ولكن بسياق وبشكل مختلف، وهو يريد رفع العقوبات المفروضة عليه، والتي تهدده وموارده اللازمة لدعم الميليشيات او حتى تحقيق نوع من الانفاق لتحسين نوع المعيشة في الداخل، والذي سيرفع عن كاهله الكثير من الضغوط".

وتابع "كل طرف لديه دوافعه في وصول إلى اتفاق، ولكن القضية تتمحور حول الحصول على أكبر عدد من المكتسبات، وطالما هناك وقت قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني في الولايات المتحدة، اعتقد أن الجانب الإيراني يضغط على واشنطن فيما يتعلق بهذا الأمر، والصورة على المستوى النظري يبدو أن إيران هي الأكثر حرصاً للوصول إلى الاتفاق النووي نتيجة المعاناة والضغوط الواقعة عليها، ولكن على المستوى العملي، الجانب الأميركي والأوروبي هما الأكثر تعجلاً للوصول إلى اتفاق".

وأعربت إسرائيل عن رفضها للمسوّدة الأوروبية بخصوص إحياء الاتفاق النووي مع إيران، حيث جاء الرفض على لسان جميع قادات تل أبيب السياسية والعسكرية والأمنية، كما زار كبار المسؤولين الإسرائيليين واشنطن الأسبوع الماضي، حيث كثفت إسرائيل ضغوطها على بايدن للانسحاب من الاتفاق النووي، كما التقى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إيال هولاتا مع نظيره جيك سوليفان في البيت الأبيض يوم الثلاثاء – في نفس اليوم الذي وقعت فيه الضربات في سوريا.

ويرى سليمان في هذا السياق إن "هناك عامل مهم جداً، وهو التحركات الإسرائيلية، فإسرائيل تصف الوصول إلى اتفاق نووي مع إيران بهذه الشاكلة على أنه كارثة، وإسرائيل بهذا الرفض تعطي نفسها مبرراً للقيام بأي عمليات مستقبلية سواء في الداخل السوري أو حتى استهداف المنشآت النووية الإيرانية، حيث تعطي إسرائيل لنفسها الحق في ذلك عبر رفضها الصفة النووية، كما أنها غير مقتنعة بهذه الصيغ التوافقية، وتريد الضغط على الولايات المتحدة لثنيها عن التوقيع على الاتفاق".

وبخصوص رفع الحرس الثوري الإيراني من قوائم الإرهاب الأميركية، يقول الباحث المختص في الشأن الإيراني: إن "طهران أعلنت أنها غير متمسكة بهذا الأمر، ولكن في المقابل رفعت سقف توقعاتها بالنسبة لبنود أخرى وخاصة المكاسب الاقتصادية والمنافع من بيع النفط، والتعامل بالعملة المشفرة، علاوة على البنود الأخرى الخاصة بالضمانات من الجانب الأميركي وبعض المسائل الفنية المتعلقة بوقف تقارير الوكالة الدولية والتحقيقيات فيما يتعلق بالمنشآت غير المعلنة والأنشطة الانشطارية غير المعلن عنها، وغيرها من الأمور الفنية، حيث أرادت إيران أن تبقي المفاوضات النووية ضمن الإطار النووي فقط، وهو ما يعد انتصاراً لها، كونها ابتعدت عن مناقشة الملفات الخاصة بالصواريخ البالستية أو سلوك إيران الإقليمي".

السيناريوهات البديلة

ويستبعد المحللون أن يحصل تصعيد أكثر من الحاصل حالياً، في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي وفق الشروط الأوروبية، فيما صرح المسؤولون الأميركيون تصريحات مشابهة بخصوص السيناريوهات البديلة في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران، كم أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير أن بلادها وحلفاؤها مستعدون لجميع السيناريوات سواء تحقق العودة المتبادلة أم لا.

ويقول هاني سليمان في هذا الصدد: "بالنسبة للولايات المتحدة، ربما العودة إلى فرض عقوبات أكثر قوة، وبعض الأمور الخاصة بالسيناريوهات قد تكون بعض الأعمال العسكرية المعينة، وكذلك إعطاء الفرصة والمساحة لإسرائيل للتحرك بشكل كبير بالتوافق مع الولايات المتحدة وبضوء أخضر منها للهجوم على بعض المواقع النووية الإيرانية والقدرات، وربما من خلال استهداف بعض حلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية في اليمن، واستهداف السفن والتحرش بحركة الملاحة، وتهديد المجتمع الدولي، وتنشيط الحرس الثوري في الخليج، والقيام ببعض العمليات والضغط من خلال العواصم العربية كالضغط الذي يمارسه حزب الله في لبنان أو القيام ببعض العمليات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في الداخل السوري".

ويعتبر سليمان هذه الاستراتيجيات "لطالما نجحت إيران في استغلالها بشكل كبير، وهذا لا ينفصل عن فكرة الضغوط الإيرانية على المصالح الأميركية، والتي تعتبر بروفا لما قد يحصل مستقبلاً، بخصوص المعاناة في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران".

وفي سياق متصل صرح المسؤولون الروس والإيرانيون وحتى الأتراك تصريحات متشابهة بخصوص ضرورة خروج الولايات المتحدة من سوريا، حيث يعتبر الباحث أنه حصل نوع من التوافق بين تركيا وروسيا وإيران في قمة طهران ببعض المسائل سوريا من ضمنها.

ويضيف "إيران وميليشياتها عبر استهداف الولايات المتحدة هو جزء لا يتجزأ من المفاوضات النووية، فهذه المفاوضات لا تدار فنياً ونووياً فقط، وإنما تدار في عواصم أخرى وبأدوات مختلفة، للضغط وتحقيق الأهداف، وهو ما تتقنه إيران، وسوف تصعّد من ذلك في الفترة القادمة، خاصة أن مسألة الاشتباك وتعقيد الملفات بين واشنطن وموسكو واستقطاب الجانب التركي للحصول على تهدئة في سوريا والحصول على صيغة توافقية وتأكيد مصالحهم وهو ما يؤكد وجود توافق روسي ـ إيراني - تركي لمواجهة واشنطن".

(ي ح)

ANHA