مواجهات متجددة في ساحات بغداد.. صراع مستمر على العرش

تجددت المواجهات في ساحات العاصمة العراقية، بغداد، وذلك على خلفية قرار زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، اعتزال العمل السياسي، إذ أعتبر باحث عراقي أن ما يحصل هو صراع على العرش، في ظل فقدان طبقات واسعة من الشعب الثقة بالطبقة السياسية بشكل عام مما يصعب عملية النهوض بالواقع العراقي.

مواجهات متجددة في ساحات بغداد.. صراع مستمر على العرش
الثلاثاء 30 آب, 2022   07:26
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

يكافح العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول، للتعافي منذ هزيمة مرتزقة داعش في 2017 والصراع الدائر بين الأحزاب السياسية المتنازعة على السلطة وثروتها النفطية الهائلة.

وفي هذا السياق اندلعت اشتباكات عنيفة في بغداد، أسفرت عن مقتل 30 شخصاً وجرح نحو 390 شخص حتى ساعة إعداد هذا التقرير، وذلك بعد أن قال رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر إنه سيعتزل العمل السياسي، مما دفع أنصاره لاقتحام القصر الجمهوري والقتال مع الجماعات المنافسة في العاصمة العراقية، بغداد.

ومع حلول الليل، اندلعت نيران المدافع الرشاشة والانفجارات في المنطقة الخضراء التي تضم مقار حكومية وسفارات أجنبية، في أسوأ قتال شهدته العاصمة العراقية منذ سنوات، وهو ما دفع بالجيش العراقي إلى فرض حظر تجول مفتوح في جميع أنحاء البلاد وحث المتظاهرين على مغادرة المنطقة الخضراء.

ودفعت المواجهة السياسية بين الصدر وخصومه من الشيعة المدعومين في الغالب من إيران، العراق إلى جولة أخرى من العنف في الوقت الذي يكافح فيه البلد للتعافي من عقود من الحرب والعقوبات والحرب الأهلية والفساد المستشري.

ومنذ الغزو الأميركي عام 2003، انخرطت الجماعات العراقية في صراع طائفي، ومؤخراً، في تنافس سياسي داخلي داخل البيت الشيعي الواحد.

وكان الصدر، الذي حصل على دعم واسع من خلال معارضة النفوذ الأميركي والإيراني على السياسة العراقية، هو الفائز الأكبر في انتخابات تشرين الأول، لكنه سحب جميع نوابه من البرلمان في حزيران بعد أن فشل في تشكيل حكومة استبعدت منافسيه.

والجدير بالذكر، أن الصدر كان قد انسحب من السياسة والحكومة في الماضي وقام أيضاً بحل مجموعاته المسلحة الموالية له. لكنه يحتفظ بنفوذ واسع على مؤسسات الدولة ويسيطر على مجموعة شبه عسكرية تضم آلاف الأعضاء، لكنه عاد إلى النشاط السياسي فيما بعد.

وأصر الصدر- الذي فازت كتلته في تشرين الأول من خلال الدعم الواسع الذي يملكه نتيجة معارضته للتدخل الأميركي والإيراني في الشأن العراقي - على إجراء انتخابات مبكرة وحل البرلمان، وذلك بعد فشل جميع محاولاته لتشكيل حكومة خالية من الجماعات المدعومة من إيران، وانسحابه في نهاية المطاف من البرلمان لصالح احتجاجات الشوارع واحتلال المباني الحكومية لعرقلة النشاط السياسي، والتي تعتبر كلها عوامل ساهمت في تصاعد التوترات التي اندلعت أخيراً.

وتدور أحدث جولة من أعمال العنف بين أنصار الصدر، الذين يضمون مجموعات مسلحة بأسلحة ثقيلة، في مواجهة الفصائل شبه العسكرية المتحالفة مع إيران وقوات الأمن.

انسحاب الصدر من الحياة السياسية هو تكتيك

يعتبر المحللون أن انسحاب الصدر من العملية السياسية في العراق تكتيكاً مرحلياً، لإطلاق العنان لأنصاره بالنزول إلى الشارع والسيطرة على المقار الحكومية، فيما اعتبره آخرون بأنها عملية هروب إلى الأمام نتيجة فشله في فرض آرائه وقراراته على الإطار التنسيقي.

أما الصحفي والمحلل السياسي عامر الموسوي، فيقول في حديث خاص لوكالتنا إن "الدافع لاعتزال الصدر هي الرغبة بالخروج من الإطار التقليدي للعملية السياسية منذ تأسيسها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ ولغاية الآن، حيث تتصاعد مشاعر التململ لدى الشارع بسبب نقص الخدمات العامة واستفحال الفساد الإداري والمالي بسبب عجز الحكومات المتلاحقة، والتي كان الصدر جزءاً منها".

وعن الدوافع وراء اعتزال مقتدى الصدر العمل السياسي، وكذلك انسحاب نوابه من البرلمان، يقول الباحث والمؤرخ العراقي، الدكتور جواد البيضاني: "دوافع مقتدى الصدر بخصوص اعتزاله العمل السياسي وكذلك طلبه بانسحاب نوابه من البرلمان العراقي، مرتبطة بعودة أنصاره إلى الشارع، هذا هو منهج التيار الصدري وهو اللجوء الى الشارع، وهذه خطة من قبله".

وأضاف البيضاني "حالياً انسحب من الحياة السياسية، ليس لأغراض الانسحاب وإنما هو تكتيك، سيترك المجال للإطار لتشكيل الحكومة، ولكن في حال حصول تصادم بين أتباع التيار والإطار (الكتل الشيعية المتصارعة على العرش)، فإن هذا الأمر لن ينتهي بسهولة، وسيترك أحقاد".

واعتبر البيضاني هذا الاصطدام بأنه "أمر ضروري لمعرفة مدى قوة كل طرف"، حيث قال مسؤولون أمنيون إن بعض الاشتباكات التي دارت في المنطقة الخضراء ليلة أمس كانت بين مقاتلي سرايا السلام التابعة للصدر وأفراد من قوات الأمن العراقية المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، لكن من المحتمل أيضاً أن تكون المجموعات المسلحة المتحالفة مع إيران متورطة في ذلك.

فيما أرجع أستاذ العلوم السياسية، الدكتور أحمد الرحيم، خلال حديث خاص لوكالتنا أسباب الاعتزال هذه إلى عدة أمور منها: "تمسك الإطار التنسيقي بالمشاركة في الحكومة رغم خسارته الانتخابات البرلمانية ومحاولته البقاء على الحكومة التوافقية التي أوصلت البلد لهذا الحال، واستخدامهم للثلث المعطل لمنع الصدر من تشكيل حكومة أغلبية مع الشركاء السنة والكرد، كان سبباً للانسداد السياسي طيلة عشرة أشهر، وهذا الأمر دفع التيار الصدري للانسحاب من البرلمان ومن ثم الانتقال إلى الشارع الذي يملكه أكثر من غيره".

وأضاف "أما القشة التي قصمت ظهر البعير وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه بالأمس هو موقف المرجع الحائري المقيم في إيران الذي دعا أتباعه إلى التخلي عن مقتدى الصدر وجعل الخامنئي هو المرجع، فكان رد مقتدى الصدر اعتزال العمل السياسي وهذا الموقف حرر أتباعه من القيام بالهجوم على القصر الجمهوري والحكومي واحتلالهما، وكان رد الأجهزة الأمنية أن استخدمت القوة لمنع المتظاهرين من ذلك".

صراعٌ على العراش وفقدان للثقة

وعن تأثير قرار الصدر باعتزاله العمل السياسي ولجوء أنصاره إلى الشارع وتصاعد العنف، على تشكيل الحكومة العراقية قال البيضاني: "إذا استقرت الأمور عند هذا الحد، ربما يسحب الصدر أنصاره إلى بعد المنطقة الخضراء، ثم بعد ذلك سيشكل الإطار التنسيقي الحكومة، ومن ثم سيتوجه التيار الصدري إلى الشارع من جديد، وبالتالي ستحدث أزمة جديدة، وستتطور الأمور إلى إسقاط الحكومة كما حدث مع حكومة عادل عبد المهدي".

وأوضح "هو صراع على العرش، وإذا فاز الصدر فسيتحول العراق إلى لبنان آخر، هنا الصدر وهناك نصر الله(لبنان)، وهذا تخطيط استراتيجي تعتمده إيران منذ فترة".

وتابع "الحكومة المتشكلة ستكون هشة، ثم بعد ذلك يلجأ التيار الصدري إلى الشارع، فيحدث ما حدث من قبل".

واستدرك قائلاً: "لكن إذا تم اعتماد أسلوب أكثر قساوة من قبل قوات الأمن، ربما ستفشل المظاهرات، لكن لا تستطيع الحكومة التعامل بقسوة مع المتظاهرين، أو ربما هو تكتيك من مصطفى الكاظمي، بغية كسب التيار الصدري كون هناك علاقة بين مقتدى الصدر والكاظمي".

فيما يعتقد الرحيم أن "الأمور خرجت عن السيطرة وتحولت المواجهة إلى حرب بين سرايا السلام وقوات الحشد الشعبي وانتقلت المواجهات إلى اغلب محافظات الوسط والجنوب".

أما الموسوي فيقول في هذا الصدد:" الأمر ليس في تشكيل الحكومة من عدمها، بل إن المعضلة أعقد من ذلك، فحتى إذا افترضنا تشكيل هذه الحكومة، إلا أنها لن تكون قادرة خلال فترة قصيرة على إصلاح حقبة الـ ١٨ عاما الماضية، علاوة على ذلك فقدان طبقات واسعة من الشعب الثقة بالطبقة السياسية بشكل عام مما يصعب عملية النهوض بالواقع العراقي".

(ي ح)

ANHA