الشهيد محي الدين.. مثال المقاتل الثوري

تمسك بأرضه وشعبه وناضل لتحريرهما والدفاع عنهما، ورفع علم الحرية إلى جانب رفاق دربه ضد العدو حتى ارتقى إلى مرتبة الشهادة ليكون نوراً يضيء سماء ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال وشرق سوريا، الشهيد محي الدين كلو، مثال للمقاتل الثوري في كل مراحل الثورة.

الشهيد محي الدين.. مثال المقاتل الثوري
الأربعاء 17 آب, 2022   20:33
قامشلو- سولين أحمي

شعب رفع إشارة النصر إلى جانب جثمان أبنائه وبناته، وأم حملت سلاح ابنها الشهيد على كتفها لحماية أرضها وقيمها، حقيقة نقشت على أولى صفحات تاريخ ثورة 19 تموز التي مثلت القيم والأسس الحقيقية للوطنية والفداء والمقاومة، ووضعت البنية الأساسية لحرية شعب كردستان.

فهذا الشعب الذي تميز وعرف بحبه الشديد لوطنه وارتباطه الوثيق بشهدائه خلال غمرة نضاله، لا يزال يرفع علم الحرية والمقاومة ضد جميع الهجمات والمخططات التي تحاك ضده وضد ثورته التي اندلعت في روج آفا وتوسعت في كامل شمال وشرق سوريا.

ثورة روج آفا التي عرفت بمقاومة عوائلها الوطنية والثورية التي ناضلت حتى الرمق الأخير من أجل تحقيق القيم الإنسانية والأخلاقية للمجتمع، ومن بين تلك العوائل عائلة كلو الوطنية من مدينة قامشلو، التي ضحت بـ 15 شهيداً من أبنائها وبناتها، ولا تزال مستمرة في نضالها والسير على خطا شهدائها، كان آخرهم الشهيد "محي الدين إبراهيم".

من هو محي الدين إبراهيم؟

محي الدين إبراهيم، من مواليد قامشلو 20 كانون الثاني/ يناير 1991، وهو الابن الرابع للأم شمسي خان وقهرمان كلو، وحفيد الشخصية الوطنية الشهيد يوسف كلو الذي استشهد مع اثنين من أحفاده في 9 تشرين الثاني 2021 بحي الهلالية في مدينة قامشلو بقصف مسيّرة تابعة لدولة الاحتلال التركي، وشقيق الشهيد نور الدين كلو الذي استشهد في مدينة حلب عام 2013.

ولد محي الدين ضمن أسرة مكونة من أربعة شبان وأربع شابات، وذلك عقب استشهاد ثلاثة من مقاتلي حركة حرية كردستان في "آفا مزن" بجبال كردستان (محي الدين وأحمد وزنار) وتخليداً لنضال الشهداء الثلاث أطلقت العائلة اسم محي الدين عليه.

تقول والدة محي الدين، شمسي خان كلو، عن طفولته "اختلف بصفاته عن جميع أولادي، كان هادئاً للغاية وكتوماً منذ صغره، لديه العديد من الأصدقاء من جميع أحياء المدينة، تمتّع بروح رفاقية كبيرة، كانت مكانته مميزة عندي بخلاف أولادي الآخرين، فقد كان متصالحاً مع الجميع لم يزعج إنساناً".

لم يخطُ خطوة للوراء

التحق محي الدين بمسيرة نضال عائلته الوطنية عندما بلغ 14 عاماً، وترعرع على قيم وفكر القائد أوجلان ومبادئ حركة حرية كردستان.

محي الدين الابن المميز الذي حمل اسم الشهيد وخصاله منذ صغره، تقول الأم شمسي خان "كان إذا أراد شيئاً حققه بإصراره، لم يرجع خطوة واحدة للوراء، كان عاشقاً للعصافير لدرجة كبيرة، وترك مقاعد الدراسة في المرحلة الثانوية".

وتضيف: "كنا أنا ووالده نختلف على حبه للطيور دائماً، والده كان يطلب منه الابتعاد عن اصطياد العصافير ولكنه دائماً كان يرفض ذلك من شدة حبه لها، لذا كنت أدافع عن مهنته هذه دائماً أمام والده".

الالتحاق بمسيرة نضال عائلته

الوطنية صفة لا يمكن اكتسابها بالأساليب التقليدية البسيطة، إنها على النقيض، تأتي في طليعة العناصر الأساسية التي تمكّن الإنسان من أن يصبح مناضلاً حقاً، هذه الفكرة التي فتح محي الدين عينيه عليها وكبر على أساسها.

انضم محي الدين عندما كان في الصف الثامن إلى فرقة بوطان لتعلم أصول الدبكة، والتي تأسست من أبناء وبنات عائلة كلو والعائلات الوطنية الأخرى في الثمانينات وتحديداً عقب إيقاد المناضل مظلوم دوغان النار بجسده في سجن آمد عشية نوروز عام 1982، من أجل إحياء حفلات عيد نوروز التي كانت تنظم سراً آنذاك نتيجة السياسات القمعية والتعسفية التي كانت حكومة دمشق تمارسها ضد الكرد في روج آفا.

تعرضه للاعتقال على يد حكومة دمشق

شارك محي الدين في العديد من حفلات عيد نوروز والفعاليات الفنية والثورية الكردية الأخرى التي كانت تنظم آنذاك في المنطقة، ونتيجة لذلك، اعتقل على يد سلطات حكومة دمشق أثناء توجهه مع عائلته وأعضاء فرقة بوطان لتشييع جثامين الشهداء في مدينة ديرك التابعة لمقاطعة قامشلو.

وتعرض الكرد في روج آفا لاعتقالات تعسفية على يد قوات حكومة دمشق نتيجة تأديتهم لمهامهم الوطنية والكرديايتية، تقول والدة محي الدين، شمسي خان كلو عن ذلك: "عندما كنا متوجهين في أحد المرات إلى مراسم تشييع شهداء حركة حرية كردستان بديرك، تم توقيفنا على حاجز تابع للنظام، وتعرض جميع شباننا للاعتقال عندما كانوا يرتدون الزي الفلكلوري الكردي لاستقبال الشهداء، وتم الإفراج عنهم بعد أكثر من ثلاثة أشهر، فيما عاد محي الدين إلى عمله ضمن الفرقة مرة أخرى".

لم يسلم محي الدين من ضغوطات حكومة دمشق واعتقل مرة أخرى عندما كان في الصف الثالث الثانوي لأكثر من عام لدى حكومة دمشق، توضح شمسي خان: "تعرضت العائلة لحملات اعتقال واسعة بين عامي 2008 حتى 2010، ونتيجة لذلك خرج العديد من شباننا إلى الخارج والبعض الآخر تم اعتقالهم، محي الدين أيضاً كان بينهم، وهناك تعرض للتعذيب أيضاً".

من فرقة بوطان إلى مقاتل في ثورة روج آفا

على الرغم من جميع السياسات والممارسات التي تعرض لها محي الدين على يد سلطات حكومة دمشق آنذاك، إلا أنه رفض الخروج من روج آفا، وبقي متمسكاً بأرضه وعمله ضمن فرقة بوطان، حتى اندلاع ثورة 19 تموز لينضم مثل باقي الشباب والشابات إلى صفوف الثورة.

وحول ذلك، أكدت والدة محي الدين، شمسي خان كلو أن "بعد اندلاع الثورة، انضم إلى المجموعات الصغيرة التي تشكلت للدفاع عن الأحياء، وكنا نشارك معاً في المسيرات التي كانت تخرج في بداية الثورة"، مضيفة "بعد تأسيس وحدات حماية الشعب انضم إليها بروح وطنية كبيرة، ولم يبخل يوماً في أداء كافة الواجبات التي وقعت على عاتقه لتحرير المنطقة وحماية شعبها".

مع بدايات انطلاق ثورة 19 تموز في روج آفا، وبالتحديد عام 2011 تعرضت المنطقة لهجمات عسكرية من قبل مجموعات المرتزقة، لذلك ارتأى شبان وشابات روج آفا أن من واجبهم حماية المنطقة والدفاع عنها من أي هجوم، ومن هذا المنطلق بدأوا بتنظيم أنفسهم في الأحياء على هذا الأساس، وأطلقوا على أنفسهم اسم وحدات الحماية الشعبية (YXG) ليتغير اسمها إلى وحدات حماية الشعب (YPG) التي تم الإعلان عنها رسمياً في 19 تموز/ يوليو من العام 2012.

ويتفق رفيق درب محي الدين، سرحد سيدو مع الأم شمسي خان كلو على الدور الذي أداه محي الدين ضمن ثورة روج آفا، قائلاً: "انضم إلى الثورة منذ بداية اندلاعها، وعمل قائداً ضمنها منذ البداية، حمل واجب هذه الثورة على عاتقه".

ويتابع سرحد: "تعرفت عليه في بداية انضمامي إلى الصفوف العسكرية، حينها كان الشهيد محي الدين مسؤولاً عن أكاديمية المقاتلين الجدد، كان مقرباً من جميع المقاتلين بوقفته، سعى دائماً إلى تدريب المقاتلين الجدد على الأسس الصحيحة للقوات العسكرية وكيفية حماية النفس في الحروب، وعمل دائماً بروح المسؤولية تجاه الثورة".

المشاركة في معظم حملات التحرير

شارك محي الدين في جميع مراحل الثورة، من حماية الأحياء وصولاً إلى تحرير المنطقة من المجموعات المرتزقة، من حملة سري كانيه عام 2013 وصولاً إلى حملات تحرير منبج والطبقة والرقة من مرتزقة داعش.

وتبيّن الأم شمسي خان أن محي الدين كان مستعداً دائماً لحماية المنطقة وشعبها من أي هجوم، وشارك في العديد من الحملات من سري كانيه وصولاً إلى عفرين، و"درب العديد من المقاتلين الجدد في الأكاديميات الفكرية والعسكرية، وحمل العديد من رفاقه على أكتافه أثناء إصابتهم بجروح في الجبهات ورفع جثامين رفاقه الشهداء، لم يبتعد يوماً عن النضال"، مؤكدة: "شارك في العديد من الحملات ولم يصب إلا بشظية صغيرة في رأسه".

أما رفيق دربه سرحد سيدو، يوضح أن محي الدين أثبت جدارته في جميع المراحل والجبهات الأمامية ضد العدو، وقال: "دائماً كان يريد الوصول إلى أهداف الشهداء وإيصال الثورة إلى مراحل النصر، كان يقف في وجه كل من كان يعمل أو يتكلم كلمة واحدة ضد الثورة، لم يبخل يوماً في مشاركة آرائه مع رفاقه، فجميعنا كنا نتوجه إليه لمعرفة تاريخ ثورة روج آفا".

مستذكراً مقولة كان يكررها دائماً على مسامعهم، ويقول: "أتمنى رؤية لحظة انتصار الثورة على المحتلين بشكل كامل، وبعدها حتى إذا استُشهدت أيضاً سأكون مرتاح البال".

سار على درب جده ورفاقه الشهداء

بعد مسيرة طويلة من النضال والكفاح، التحق محي الدين الذي عرفه شعبه برفعه لعلم الحرية في جميع حملات التحرير، بقافلة شهداء الحرية في 9 آب الجاري، في قصف مسيّرة تابعة لدولة الاحتلال التركي بمدينة قامشلو.

وفي 10 آب الجاري كشفت قوات سوريا الديمقراطية سجل 4 مقاتلين من قوات الدفاع الذاتي استشهدوا معاً في قصف الطائرة المسيّرة، وهم كل من (دلسوز تربه سبيه، علي المسلط، محي الدين إبراهيم، ماهر العزبة).

وعن تأثير شهادة الشهيد محي الدين على رفاق دربه وعائلته، أوضحت الأم شمسي خان: "شهادته كانت خسارة كبيرة للثورة، ولكننا لسنا نادمين وسنضحي بكل ما لدينا من أجل ثورتنا، وسنرفع أسماء شهدائنا حتى أنفاسنا الأخيرة، فتاريخنا كتب بدماء أبنائنا ولن تتمكن الدولة التركية من إبادتنا مهما حاولت".

وتبيّن: "أرضنا وشعبنا يستحق التضحية، فالعدو يخشى من شهدائنا وشخصياتنا الوطنية، وبذلك يشن هجمات على جبال كردستان وصولاً إلى مناطق شمال وشرق سوريا"، مؤكدة: "شعب يشارك بشيبه وشبابه في مراسم الشهداء تحت قصف الطائرات المسيّرة والمدافع، فكيف له ألا يحقق النصر".

جميعنا سنكون محي الدين

الأم شمسي خان كلو عاهدت جميع الشهداء والعوائل الوطنية والقائد أوجلان بأنهم "لن يرجعوا خطوة واحدة إلى الوراء، فشبابنا ناضلوا حتى أن وصلوا إلى مرتبة الشهداء، والآن جاء دورنا لنواصل مسيرتهم التي بدأوا بها".

من جانبه، يعاهد رفيق درب الشهيد محي الدين، سرحد سيدو، بالانتقام لدماء جميع الشهداء ومواصلة مسيرة نضالهم، ويقول: "لو لم تخشَ الدولة التركية من شهدائنا ومقاتلينا لما شنت هجمات برية وجوية على شعبنا، فالكرد يتعرضون لهجمات متواصلة، ولنتمكن من تحقيق أهدافنا وأهداف شهدائنا يجب علينا النضال لمواجهة العدو وجواسيسه".

واختتم سرحد سيدو حديثه، قائلاً: "كل أمهات الشهداء هم أمهاتنا أيضاً، وجميعنا سنكون محي الدين ونواصل مسيرة نضاله وسنبقى على عهدنا لهم حتى النهاية".

وشيّع عشرات الآلاف من مكونات إقليم الجزيرة جثمان الشهيد محي الدين إبراهيم إلى مثواه الأخير في 10 آب الجاري بمزار الشهيد دليل ساروخان بقامشلو.

(آ)

ANHA