"حماية المستهلك أم العكس".. حكومة دمشق تعوض العجز لديها عبر الجباية من السوريين

تمهد حكومة دمشق إلى رفع الدعم الكلي عن مادة البنزين من خلال اللجوء إلى رفع سعرها بنسبة 130% للمرة الثالثة خلال عام، إذ حذر باحث اقتصادي من أن هذا القرار سيحفز السوق السوداء ويزيد نشاطها، مؤكداً أن الحكومة تحولت لحكومة جباية وليست حكومة خدمات، وأنها مستمرة في تجيير العجز لديها إلى جيوب السوريين.

"حماية المستهلك أم العكس".. حكومة دمشق تعوض العجز لديها عبر الجباية من السوريين
الخميس 11 آب, 2022   02:52
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

وفق سيناريو متكرر تتبعه حكومة دمشق بعد ازدياد مشاهد الطوابير والازدحام على محطات الوقود وحديث عن نقص المادة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للحكومة قرارين يقضيان برفع سعر البنزين المدعوم بنسبة 130% وتقليص مخصصاته.

وحددت الوزارة في قرارين صدرا مساء السبت المصادف في الـ 6 من الشهر الجاري، سعر بنزين أوكتان 90 الذي يستلم على البطاقة الإلكترونية بـ 2500 بعدما كان سعر 1100 ل.س للتر الواحد، أما بالنسبة لسعره بالتكلفة فقد وصل إلى 4000 بعدما كان سعره 3200 ل.س للتر الواحد.

وجاء في القرار الثاني، رفع سعر لتر بنزين أوكتان 95 غير المدعوم إلى 4500 بعدما كان سعره 4000 ل.س.

ومع بدء تنفيذ قرار رفع الأسعار يوم الأحد المصادف في الـ 7 من الشهر الجاري، فوجئ السوريون بقرار جديد يقضي بتقليص مخصصات البنزين المدعوم من 25 لتراً إلى 20 لتراً للتعبئة الواحدة، في الوقت الذي يشتكي فيه السوريون وبشكل خاص أصحاب السيارات من عدم كفاية مخصصاتهم.

وتعد هذه المرة الثالثة التي ترفع فيها الوزارة أسعار المحروقات منذ بداية العام الحالي، وآخرها كان في شهر أيار/ مايو حيث رفعت سعر ليتر البنزين المدعوم إلى 1100 ل.س بعدما كانت 750 ل.س للتر الواحد، كذلك حددت الوزارة حينها، سعر ليتر المازوت الصناعي والتجاري بـ 2500 ل.س لليتر الواحد، ارتفاعاً من 1700 ل.س.

حماية المستهلك أم العكس!؟

واستقبل رواد مواقع التواصل الافتراضي القرار الجديد بانتقادات لاذعة في الوقت الذي تتوالى عليهم الأزمات المعيشية نتيجة قرارات الحكومة، إذ كتبت المواطنة (ب ش) "مستغرب!؟ اسمها حماية المستهلك ولا العكس!"، وأخرى منتقدة (أ ف) "شكيناكم لواحد أحد فرد صمد.. والراتب دوره بالرفع امتى ولا هاد ما بتقربوا عليه".

وقال المواطن (ج م) "أي معناها منشان ما تنقطع المادة وحرصاً على استمرار حياة المواطن .... رح تجينا سلسلة طويلة ومتجددة من ارتفاع اسعار المحروقات بشكل عام .... وطبعاً بيتسلسل معا ارتفاع اسعار الخضراوات والنقل والمواد الغذائية والاساسية و .... و.... الخ .... بحب أذكر المسؤولين بضرورة زيادة الرواتب بنسبة لا تقل عن 100 % كحد أدنى ...لعل أحد منهم يسمع... (كلو أطرش)".

وكما المعتاد، بررت الوزارة قرارها متهربةً من مسؤولياتها تجاه حل الأزمة، بأنه "بهدف التقليل من الخسائر الهائلة في موازنة النفط وضماناً لعدم انقطاع المادة أو قلة توافرها"، مع العلم أن المادة متوفرة في السوق السوداء ولكن بأسعار خيالية حيث يصل سعر الليتر الواحد إلى 6000 ل. س. في الوقت الذي لا يتجاوز دخل الفرد في تلك المناطق من عمال وموظفين 100 ألف ليرة سورية و200 ألف.

وتعليقاً على قرار الوزارة، قال عضو مجلس الشعب السوري التابع لحكومة دمشق "زهير تيناوي" في تصريح لصحيفة محلية، إن قرار رفع سعر البنزين كان مفاجئاً لكل شرائح المجتمع السوري، وكانت نسبة الزيادة وخصوصاً للمدعوم غير متوقعة.

وأضاف أنه لا شك أن هناك تكلفة كبيرة طالت المشتقات النفطية بدءاً من استيرادها وشحنها وتفريغها وحتى تكريرها وتوزيعها، لكن لم يكن متوقعاً أن تصل هذه الكلف لحدود 130 بالمئة بالنسبة للبنزين المدعوم.

وتابع في الشرح "لا أعتقد أن الكلف وصلت إلى الرقم الذي تم تحديده بقرار وزارة التجارة الداخلية، إذ إن الوزارة حددت سعر ليتر البنزين الحر بسعر 4 آلاف ليرة ووفقاً للحكومة أن كلفة الليتر الحقيقية هو 4 آلاف ليرة... لكن وفق اعتقادي أن كلفة ليتر البنزين اليوم تقارب 2500 ليرة ليس أكثر".

عجز مالي وإلغاء كلي للدعم

وخلال حديث خاص لوكالتنا، يقول الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى عمر: أن "قرار رفع سعر البنزين من قبل حكومة النظام يؤكد بأنها تواجه مأزق مالي، وعجز مالي كبير في موازنتها، وهذه الأزمة المالية تتعمق في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً".

وبينما قرأ محللون اقتصاديون هدف الوزارة من هذا القرار هو إلغاء الفجوة بين السعر المدعوم وغير المدعوم، أي بمعنى أوضح إلغاء كلي للدعم!

تحفيز السوق السوداء وتعميق للأزمة

ونوه يحيى عمر إلى أن "المستفيدون من هذا القرار، هم فئتين، الأولى حكومة النظام من خلال تقليل عجزها المالي، والثاني تجار السوق السوداء، كون هذا القرار سيحفز من واقع هذا السوق".

وحذر يحيى من تداعيات هذا القرار، قائلاً: "القرار سيسهم في تعميق أزمة النقل الحادة التي تعاني منها مناطق النظام، خاصة في ظل شبه انعدام لوسائل النقل العامة، كما أن القرار له تبعات اقتصادية تتمثل بتراجع الإنتاج المتراجع أصلاً، وذلك كون بعض المنشآت الفردية تعتمد على البنزين في توليد الكهرباء، لذلك من المتوقع أن يتراجع الإنتاج في هذه المنشآت".

أسباب خارجية وداخلية

ويعاني السوريون من واقع اقتصادي متأزم في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، إثر اتخاذ الحكومة منذ مطلع العام الماضي قرارات لا تمت للواقع المعيشي المتردي لأبناء المنطقة بصلة، والتي شملت رفع أسعار المحروقات لمرات عدة وصولاً إلى الكهرباء والخبز والدواء والمواد الغذائية، بالإضافة إلى قرار رفع الدعم الحكومي عن بعض الشرائح السورية، وتقليص مخصصاتهم من المواد الأساسية، وصولاً إلى رفع سعر مياه الشرب حتى!

وفي إطار ذلك، باتت مشاهد الطوابير البشرية السمة الرئيسية ضمن تلك المناطق حيث تشهد في مواقف المواصلات وعلى محطات الوقود وأمام الأفران، ناهيك عن الركود الذي تعيشه أسواق المنطقة نتيجة انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين أمام الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الاستهلاكية، وسط عجز وتهرب حكومي عن حلها.

ووضع الباحث، يحيى عمر عدة أسباب للأزمة المستمرة التي تشهدها مناطق سيطرة حكومة دمشق ومنها أسباب خارجية وأخرى داخلية، وقال: "فيما يتعلق بالأسباب الخارجية فهي تعود لارتفاع الأسعار عالمياً نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية، وأزمة التضخم العالمي وأزمة سلاسل التوريد وغيرها، والتي طالت مختلف دول العالم ومنها سوريا، وأيضاً العقوبات الدولية المفروضة على حكومة دمشق، والتي تجعل تكاليف الشحن إلى البلاد مرتفعة، الأمر الذي انعكس ارتفاعاً في كلف الاستيراد وبالتالي ارتفاعاً في الأسعار وضغط إضافي على السوريين، كما أن الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها حلفاء النظام أثرت من خلال تراجع الدعم المقدم من قبلهم".

ويضيف: "أما فيما يتعلق بالأسباب الداخلية فهي ترتبط بعجز حكومة النظام عن تنفيذ أي إحياء للإنتاج الحقيقي في البلاد، فحكومة النظام في ظل تراجع إيراداتها تحولت لحكومة جباية وليس حكومة خدمات، فهي تقوم بشكل مستمر برفع أسعار السلع والخدمات، مقابل عجزها عن زيادة الأجور والرواتب، بالإضافة إلى الحواجز المنتشرة"، مؤكداً أن الحكومة تستمر في تجيير العجز لديها إلى جيوب السوريين.

ودخل الاقتصاد السوري نطاق الأزمة مع توجيه حكومة دمشق كافة موارد الدولة ومقدراتها لخدمة الآلة العسكرية مع بدء الأزمة السورية عام 2011 وخروج السوريون في احتجاجات ضدها، إذ أصبحت النفقات العسكرية العنصر الأكبر للإنفاق على حساب الجانب التنموي، الآلة العسكرية التي أدت إلى مقتل آلاف السوريين وتهجير نصف سكانها، مستعيناً بالقوى الرأسمالية المتدخلة في الأزمة السورية التي بدورها تقاسمت خيرات البلاد واستحوذت على العديد من مواردها.

كما ولّدت سياسات حكومة دمشق المالية المتخبطة والفساد المستشري في دوائرها، والعقوبات الدولية المفروضة عليها، وأبرزها قانون "قيصر"، الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 حزيران عام 2020، واقعاً لم يشهده الاقتصاد السوري من قبل، إذ انهار سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، ليصل إلى أكثر من 4200 ل.س مقابل الدولار الواحد، بعد أن كان سعره نحو 46.5 ل. س قبيل الأزمة.

إلا أن هذه العقوبات الدولية لم تلقِ بظلالها سوى على المواطنين، فالأطراف المشمولة بالعقوبات (الحكومة وشركاؤها) استهدفت بدورها دخلهم البسيط، عبر إصدار قرارات تؤزم واقعهم المعيشي أكثر في سبيل تعويض خسائرها وتحقيق مصالح تجار الحروب والأزمات.

تململ اجتماعي.. ولا آمال بالتعافي الحالي

وتوقع الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى عمر، أن يزداد التململ الاجتماعي ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق في حال استمرار الواقع الاقتصادي على هذا المنوال. مستبعداً أي تعافي في الوقت الحالي في تلك المناطق، وقال: "الحل غير ممكن حالياً دون توافر أمرين اثنين، الأول وجود حكومة فاعلة في مناطق النظام متمتعة بصلاحيات حقيقية وليس اسمية، والثاني تغيير المناخ الدولي تجاه حكومة النظام، وكلا الأمرين يبدو أنهما غير متاحين على الأقل في المدى المنظور".

(ي ح)

ANHA