ثورة 19 تموز والتعليم باللغة الأم

رسخت ثورة 19 تموز مفهوم التعليم باللغة الأم وبناء الشخصية الحرة والبنّاءة المساهمة في بناء مجتمع حرّ وديمقراطي، وذات قدرة على حل المشاكل في المجتمع.

ثورة 19 تموز والتعليم باللغة الأم
الجمعة 22 تموز, 2022   21:44
مركز الأخبار- أكرم بركات

منذ نشأة سوريا الحديثة، وإطلاق تسمية الجمهورية العربية السورية عليها عام 1961، واعتمادها دولة عربية ذات مفهوم الجمهورية المركزية، ومؤلفة من 14 محافظة، عاصمتها وأكبر مدنها هي دمشق، فرضت التعليم بلغة واحدة على كافة أبناء الشعب السوري، في محاولة لمحو هوية باقي المكونات.

اللغة هي هوية الشعوب وثقافتها، وهي وسيلة التواصل بين الشعوب، وزوال أي لغة يعني زاول الشعب الذي يتحدث تلك اللغة، وقد سعت الدول المحتلة لكردستان والتي جزأتها إلى 4 أجزاء، إلى طمس هوية الشعب الكردي وإنكار وجوده في الدرجة الأولى، وهوية باقي الشعوب القاطنة في كردستان ثانياً.

الرئيسة المشتركة لمنسقيه جامعات شمال وشرق سوريا، روهان مصطفى، أوضحت لوكالتنا "أن نظام البعث اتّبع سياسة ممنهجة ضد مكونات المنطقة، وهي سياسة الثقافة الواحدة واللغة الواحدة والتاريخ الواحد، لذلك منعت المكونات من التكلم بلغتها الأم، من أجل صهرها وإبادتها".

أهمية اللغة الأم

يقول القائد عبد الله أوجلان في مرافعته الخامسة المعنونة بـ (الحضارة الديمقراطية)، في فصل الإطار الاصطلاحي والنظري حول اللغة "اللغة بحد ذاتها تعني الإرث المجتمعي للذهنية والأخلاق والجماليات والعواطف والأفكار التي اكتسبها مجتمع ما. وهي وجود الهوية واللحظة الذي يدرك ويعبّر عنه بالنسبة للمعنى والعاطفة والمجتمع الذي يعبّر عن ذاته، ويدل على امتلاكه الحجة القوية للحياة، وذلك أن مستوى رقي اللغة هو مستوى تقدّم الحياة".

وفي خطوة هي الأخطر على مستوى اللغة الكردية، اتّبعت حكومة دمشق، عقب انتفاضة 12 آذار، سياسة عُرفت بسياسة تمكين اللغة العربية في المناطق الكردية، عبر إجبار شعب روج آفا على تعلّم اللغة العربية، ومنع التحدث بلغته الأم، وحتى منع تسمية الأطفال بأسماء كردية، وصولاً إلى فتح دورات ما تسمى بمحو الأمية للمسنّين في القرى والبلدات والنواحي وإجبار الأهالي على الانضمام إليها.

ومع انطلاق شرارة ثورة 19 تموز 2012، والتي عرفت بثورة اللغة؛ نظراً للاهتمام الكبير الذي أولاه أبناء الشعب الكردي للغتهم الأم، اللغة الكردية، افتتحت مدارس لتعليم اللغة الكردية في منازل المواطنين، وأولى تلك المدارس كانت في قرية دارقلية في مقاطعة عفرين عام 2012، ومن ثم في كوباني وإقليم الجزيرة. وتطورت آلية تعليم اللغة الكردية ضمن المدارس، ففي العام الدراسي 2012/2013 دُرّست اللغة الكردية على شكل حلقات ضمن المدارس، وفي العام الدراسي 2013/2014 تم اعتبارها إحدى اللغات الرسمية للتعليم ضمن المدارس في إقليم الجزيرة ومقاطعتي كوباني وعفرين، وبعد الإعلان عن تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، تم إصدار مناهج للصف الأول والثاني باللغة الكردية للعام الدراسي 2014/2015، وفي العام الدراسي 2015/2016، تم تدريس المناهج من الصف الأول وحتى الصف السادس باللغة الكردية، والآن تدرّس كافة المناهج ضمن مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا باللغة الأم، أي أن الكردي يتعلم بلغته الأم، والعربي بلغته الأم والسرياني بلغته الأم.

روهان مصطفى أوضحت "مع انطلاق الثورة، والإعلان عن تأسيس الإدارة الذاتية التي تستند إلى فلسفة الأمة الديمقراطية التي تحتضن ضمنها كافة المكونات والإثنيات والقوميات، فُتح الطريق أمام كافة المكونات للتعلم بلغتها الأم، ومن بينها الكرد الذين خطوا خطوات كبيرة في مجال التعلم بلغتهم الأم، اللغة الكردية".

وأشارت روهان مصطفى إلى "أن مؤسسة اللغة الكردية حملت على عاتقها تعليم وتدريس اللغة الكردية بين عموم أبناء المجتمع، ومن ثم التدريس في المدارس، وصولاً إلى الجامعات، وقالت "كافة المكونات في شمال وشرق سوريا بدأت التعلم بلغتها الأم، وهذا نابع من روح المفهوم الذي يتبناه أبناء المنطقة".

ترسيخ مفهوم التعليم باللغة الأم

أكدت روهان مصطفى أن عملية التدريس باللغة الأم لم تكن سهلة، بل رافقتها العديد من المصاعب، وقالت "السياسة التي مورست بحق مكونات المنطقة من قبل النظام البعثي كان لها تأثير على واقع التعليم بادئ الأمر، وتطلبت جهوداً كبيرة للتخلص منها، تحت مقولة إن التعليم باللغة الكردية ليس وفق أسس أكاديمية".

وأوضحت روهان مصطفى أن الكادر التعليمي في شمال وشرق سوريا بذل جهوداً كبيرة في سبيل تطوير واقع التعليم، وتمكن من ترسيخ مفهوم التعليم باللغة الأم، ونوّهت "من المصاعب الأخرى التي واجهتنا، عدم وجود مصادر خاصة للتعليم باللغة الكردية، لذلك تطلب بحثاً عميقاً في هذا المجال".   

ويوجد الآن 4459 مدرسة في عموم مناطق شمال وشرق سوريا، يرتادها ٨٦٠٧٢٨ تلاميذ/ة وطالب/ة، كما يبلغ عدد المعلمين ضمن هذه المدارس ٤٢١٨٧ معلم ومعلمة. بالإضافة إلى وجود 5 معاهد لإعداد المعلمين، ومؤسسة لإعداد المناهج بكافة اللغات، العربية والكردية والسريانية.

ولتطوير الواقع التعليمي والنهوض بالمجتمع وتحقيق التطورات اللازمة في شمال وشرق سوريا، افتتحت أول جامعة في مدينة قامشلو عام 2016، وهي جامعة روج آفا، ومن ثم افتُتحت جامعتان في مقاطعتي عفرين وكوباني، ومن ثم جامعة الشرق في الرقة.

أوضحت عضوة منسقية جامعات شمال وشرق سوريا، روهان مصطفى، في تصريح لوكالتنا، "أن المنسقية تواصلت مع مجموعة من الأكاديميين الكرد وأصدقاء الكرد تحت اسم "أكاديميو السلام"، الذين قدموا برنامجاً متكاملاً للتنسيق والتعاون في مجالات شتى، كالبحث العلمي وتأمين الكتب وورشات العمل. كما تمت المشاركة في ورشات عمل دولية من قبيل ورشة عمل تحت عنوان "الخطر المحدق بالعلوم الاجتماعية"، والتي شارك فيها أكاديميون من الولايات المتحدة وفرنسا والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها، ومؤتمر "حماية التراث العالمي" الذي انعقد برعاية جامعة المستنصرية في العراق، وشاركت فيه الجامعة ببحث عن شجرة الزيتون كميراث ثقافي لمنطقة عفرين المنكوبة".

وأشارت روهان مصطفى إلى "أن آخر هذه المشاريع كان حملة الدعم التي أطلقتها الجامعة يوم 19 تموز 2021، والتي استقطبت ما يقارب 100 شخصية أكاديمية دولية من مختلف الاختصاصات، ومن شتى أرجاء العالم (استراليا والبرازيل وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وكندا وألبانيا وغيرها)، وقد عرضوا المساندة والدعم لمؤسساتهم في مختلف المجالات، وقبول بعضهم الانضمام كأعضاء شرف في الهيئة الأكاديمية للجامعة، والتبرع بتقديم المحاضرات والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، وتأمين الكتب، وتقديم المساعدات المالية".

وبيّنت روهان مصطفى "أنه تم تأسيس مركز التعاون والتضامن مع جامعات شمال وشرق سوريا من قبل مجموعة من الأكاديميين من اختصاصات مختلفة من جميع أنحاء العالم في مدينة باريس الفرنسية، بهدف دعم جامعات شمال وشرق سوريا والنهوض بالبرامج التعليمية والبحثية. وقالت: "حيث يتم عقد اجتماعات مع إداريي هذا المركز لوضع برنامج عمل هذا المركز وتأمين عدد من الكوادر الأكاديمية للدراسات العليا، بالإضافة إلى تنظيم سلسلة من المحاضرات السنوية يتم إلقاؤها من قبل شخصيات أكاديمية معروفة مثل البروفيسور نعوم جومسكي وجون هولوي وسلافوي جيجك".

التعليم باللغة الأم يساهم في بناء الشخصية الحرة

وأكدت روهان مصطفى أن التعليم باللغة الأم له تأثير كبير على المجتمعات وتطويرها، وقالت: "في حال وجود نظام تعليمي جيد، يلاقي قبولاً من عموم أبناء المنطقة، ويساهم في نهوض المجتمع وترسيخ مفهوم قبول الآخر، فإن هذا يساهم في تطبيق مفهوم الأمة الديمقراطية، وبناء الشخصية الحرة".

وأوضحت روهان مصطفى "أن هدفهم الرئيس هو بناء الشخصية الحرة والبنّاءة"، ونوّهت "نظام التعليم في شمال وشرق سوريا يختلف تماماً عن نظام التعليم ضمن الأنظمة الشمولية. الأنظمة الشمولية تسعى إلى بناء فرد يوظف كامل طاقته في خدمة تلك الأنظمة ويخدم مصالحها، أما نظام التعليم في شمال وشرق سوريا فيهدف إلى بناء فرد ذي شخصية حرة، يساهم في بناء مجتمع حرّ وديمقراطي، ويكون ذا قدر على حل المشاكل العالقة في المجتمع، ويضع كامل طاقته وعلمه في سبيل الرقي بالمجتمع وتطويره".

()

ANHA