"منطقة آمنة" في الجنوب السوري.. ترويج إعلامي أم مدخل لنظام إقليمي جديد؟

عاد الجنوب السوري إلى الواجهة مجدداً، وذلك من خلال الحديث عن تشكيل "منطقة آمنة" هناك، وفي وقت اعتبرها البعض ترويجاً إعلامياً يراها أخرون مدخلاً لتشكيل نظام إقليمي جديد بدعم أميركي- إسرائيلي- عربي. فما حقيقة هذا الحديث؟ وكيف يراها الساسة السوريون؟

"منطقة آمنة" في الجنوب السوري.. ترويج إعلامي أم مدخل لنظام إقليمي جديد؟
الجمعة 15 تموز, 2022   03:46
مركز الأخبار- ليلاف ديواني- جودي إسماعيل

يتردد مجدداً في الجنوب السوري أحاديث عن احتمالية إنشاء "منطقة آمنة" بعمق 35 كيلومتراً من الحدود الأردنية، تشمل أجزاء من درعا والقنيطرة والسويداء، مشروع أثار تساؤلات حول الغاية منه؟ ومن يقف وراءه؟ والسيناريوهات المرتقبة في حال تم تنفيذه؟ في ظل الصراعات التي تشهدها المنطقة بين الدول الإقليمية الساعية إلى فرض النفوذ وتقسيم سوريا بما يخدم أجنداتهم.

وتتوزع خريطة السيطرة في الجنوب السوري المحاذي لإسرائيل والأردن ولبنان بين قوى مؤثرة هناك، إذ تنتشر قواعد عسكرية لإيران والمجموعات الموالية لها، وقواعد عسكرية روسية، وقاعدة "التنف" الأميركية، بالإضافة إلى سيطرة حكومة دمشق على المدن الجنوبية بعد إجراء ما تسمى "التسويات".

وأفاد نقيب "المحامين الأحرار في درعا" سليمان القرفان، لصحيفة الشرق الأوسط أن "منطقة آمنة ستنشأ بعمق 35 كلم داخل الأراضي السورية". مؤكداً إن "اجتماعات عُقدت مؤخراً في إحدى الدول العربية، مع قادة محليين من درعا والسويداء والقنيطرة، منهم داخل سوريا، ومنهم خارجها، وهم عشرة قادة من درعا، وأربعة قياديين محليين من السويداء، وخمسة من القنيطرة".

كما قال موقع "خبرني" الأردني نقلاً عن مصادر سورية أن "اجتماعاً جرى في الإمارات قبل أقل من شهر بحضور أطراف سورية معارضة، وتقرر في الاجتماع إنشاء المنطقة الآمنة بموافقة الإمارات والسعودية والأردن ومصر، وبمباركة أميركية، لوضع حد للنفوذ الإيراني في الجنوب السوري".

بينما نفت الأردن الأنباء المتداولة بخصوص إنشاء "منطقة آمنة" حيث أفادت وكالة "عمون" الأردنية المحلية نقلاً عن مصدر مسؤول قوله "لم يُطرح أي شيء من هذا القبيل، ولا توجد نقاشات حول إنشاء منطقة آمنة، والأردن لا يفكر بإقامة هذه المنطقة".

وكانت قد تسربت معلومات خلال زيارة الملك الأردني، عبد الله الثاني، الأخيرة لواشنطن، في 13 أيار/ مايو الماضي، حول مناقشة إنشاء "منطقة آمنة" في الجنوب السوري، خاصة بعد الأنباء عن انسحاب الروس وزيادة النفوذ الإيراني هناك.

ومع بدء التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا 24 شباط/ فبراير، قالت مصادر استخباراتية إسرائيلية، إن القوات الإيرانية سيطرت على بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها القوات الروسية في سوريا من قبل، حيث أشار مراقبون إلى أن هذا الانسحاب الروسي هدفه التركيز على تعزيز جيشها في أوكرانيا، وترك الساحة لإيران في التمدد حتى تشكل تهديد مباشر لكل من أميركا وإسرائيل.

ترويج إعلامي أم مخطط احتلالي؟

وبين النفي والتأكيد يرى مراقبون أن الأنباء حول إنشاء "منطقة آمنة" في الجنوب السوري ما هو إلا بالون اختبار لجس نبض الأطراف المتداخلة في الشأن السوري.

وبهذا الصدد، يقول المعارض السوري والمنسق العام لتيار اليسار الثوري السوري، الدكتور غياث نعيسة، لوكالتنا: "مسألة المنطقة العازلة أو كما يسمونها الآمنة في الجنوب السوري ليست جديدة، بل سبق طرحها مرات عديدة، من الدول المحاذية للحدود كالأردن وأيضاً اسرائيل، اللتان سعتا إلى منع وصول النزاع إلى أراضيها، وتعاونتا في تشجيع بعض الفصائل المسلحة إلا أنهما فشلتا لأن الفصائل المسلحة تنافست وتقاتلت فيما بينها على الفتات والارتزاق، واستطاع النظام بدعم روسي وإيراني، إنهاء وجودها الفاعل، كما أن روسيا سوقت هذه الفكرة لطمأنة إسرائيل والأردن، بأنها بذلك تبعد التواجد الإيراني عنهما إلا أنها فشلت في ذلك إلى حد كبير".

وتابع: "لذا طرح الفكرة مجدداً لا معنى له سوى إعلامياً، فالفصائل المذكورة في الاجتماع الأخير، لا تمتلك لوحدها قدرات أن تقوم بفرض منطقة عازلة، كما أن تقبلها أن تقوم بذلك يجعل منها ميليشيات حرس حدود لدول أخرى بعضها معادي لسوريا، أي أنهم لن يكونوا سوى مرتزقة لحساب دول أخرى. وأخيراً، فإن موقف الدول المعنية من الحرب الأوكرانية، يجعل الموقف الروسي والإيراني، دون أن نتحدث عن موقف النظام نفسه، رافض لهذه الفكرة الفارغة والخطرة لإنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري. لا أجد أي معطى إيجابي لصالح هذه الطرح البائس".

في حين، رأى الباحث السوري، الدكتور أحمد الدرزي، أن "مصطلح المنطقة الآمنة يجب أن يفكك ويعاد إلى معناه الحقيقي، العنوان الأساس هو منطقة نفوذ كاملة خارج إطار سيطرة الدولة السورية، في إطار المواجهة الكبيرة الحاصلة ما بين محور الدول المناهضة في آسيا وما بين الولايات المتحدة الأميركية ومن تقودهم على مستوى الاتحاد الأوروبي والدول العربية التي تصطف منذ زمن طويل مع المشروع الأميركي".

ونوه أحمد الدرزي إلى أن "التركيز على المنطقة الجنوبية يأتي من خلال أهميتها الكبرى على مستوى المنطقة فهي محاذية للكيان الاسرائيلي ويمكن أن تشكل تهديداً لهذا الكيان بالإضافة إلى محاذاتها إلى الأردن الذي يشكل رأس الحربة إن كان في طلبات الجنوب على مستوى الـ11 عاماً الماضية، بالإضافة إلى أنها بعيدة عن دمشق فقط على حدود ١١٠ كيلومترات، وبالتالي فأنها تشكل تهديداً مستمراً دائماً للعاصمة السورية وإمكانية إسقاطها في إطار الصراع الدولي الكبير بين الدول الأسيوية المناهضة وما بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية بشكل عام وبقية الدول العربية التي تصطف منذ زمن طويل مع المشروع الغربي بشقيه البريطاني ومن ثم الأميركي فيما بعد".

من المخطط؟

وأشار الدرزي إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل بالإضافة إلى بعض الدول العربية يقفان وراء إنشاء "منطقة آمنة" في الجنوب السوري، مبيناً أن "الغاية الأساسية من إحداث هذه المنطقة وفق المنظور الأميركي هو مدخل جديد لتشكيل النظام الإقليمي المزمع الإعلان عنه في زيارة بايدن منتصف هذا الشهر إلى السعودية وتل أبيب ورام الله، أما الغاية الحقيقية منه وفق التصور الأميركي هي مدخل لاستقرار المنطقة بما يحفظ أمن إسرائيل وتسيدها على المنطقة بشكل كامل، وأن تكون كل الملفات الإقليمية تحت الإدارة الإسرائيلية بما يؤمن لها الحالة الأمنية، بعد القلق المتزايد من التطورات التي حصلت قبل الحرب الأوكرانية وبعد الحرب التي أثارت قلقها أكثر، بحكم الاصطفافات الكبيرة التي حصلت ما بين موسكو وطهران بالدرجة الأولى ليس على مستوى المنطقة فقط وإنما على مستوى العالم".

وأوضح مسؤولون أميركيون أن زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى الشرق الأوسط في 13 من الشهر الجاري، "تهدف إلى الضغط من أجل شراكات أمنية أعمق وأكثر علنية بين إسرائيل ودول عربية من أجل احتواء الأخطار التي تشكلها إيران على أمن واستقرار المنطقة"، وذلك وفق ما ذكرته صحيفة "وول ستريت جورنال".

وقبيل بدء جو بايدن بجولته التي من المقرر أن تستمر أربعة أيام لتشمل كل من إسرائيل وفلسطين والسعودية، كانت إسرائيل بشكل وثيق أكثر من أي وقت مضى تتعاون مع الدول العربية (الإمارات والبحرين والمغرب والسودان) في جهد مشترك لاحتواء "تهديدات إيران".

"المنطقة الآمنة" في الشمال والجنوب.. ما مدى الارتباط؟

وعن مدى ارتباط إنشاء "منطقة آمنة" في الجنوب السوري بما يعتزم به الاحتلال التركي بشن هجمات جديدة تستهدف مناطق شمال شرق سوريا استكمالاً لمشروعه الاحتلالي تحت مسمى "المنطقة الآمنة"، يقول المعارض السوري غياث نعيسة: "لا أرى اي ارتباط مباشر في التوقيت لطرح منطقة عازلة في الجنوب والشمال السوري، ولكن هنالك دافع مشترك في طرح الموضوع، تركيا تدعو لذلك لأنها ترغب باحتلال المزيد من الأراضي السورية، ومحاولة القضاء على مشروع الإدارة الذاتية، في حين أن إسرائيل والأردن، همهما خلق مساحة إضافية داخل الأراضي السورية لنفوذهما، ولحراسة أمنهما على حساب الأرض والشعب السوري".

وأضاف "الدوافع متشابهة وهي محاولات الدول تقسيم أراضي سورية، وخلق ميليشيات تابعة لها تساعدها في تحقيق أهدافها على حساب مصالح ومستقبل السوريين". مشدداً على أنه "يجب رفض كلا المشروعين ومقاومتهما وإدانة المرتزقة السوريين المنخرطين فيهما".

كما رأى الباحث السوري أحمد الدرزي، أيضاً أن دوافع المخططين للمشروعين في الجنوب السوري والشمال السوري واحدة ولا تصب في مصلحة السوريين، ويوضح "التزامن الحاصل ما بين الإعلان عن المنطقة الشمالية والمنطقة الجنوبية يأتي ضمن نفس سياق الهدف الحقيقي، أي لابد من مكافئة تركيا بعد حسمها لخياراتها الأساسية واصطفافها مع حلف الناتو والعودة بقوة إلى كل سياساتها بما يخدم هذا الحلف في مواجهة روسيا والصين".

"فالمخطط الحقيقي هي الولايات المتحدة الأميركية، ويأتي ذلك ضمن إطار هذا النظام الإقليمي الذي تحدثنا عنه ليشمل كل من تركيا ومصر والأردن والبحرين والسعودية والإمارات وكل هذه الدول على علاقة جيدة ومميزة أيضاً مع الكيان الإسرائيلي، فالمخطط واحد والمنفذ هي الأدوات الأساسية لهذه الدول على مستوى المنطقة"، بحسب الدرزي.

تعنت يودي بالبلاد إلى الخراب

وحمل الدكتور غياث نعيسة، حكومة دمشق مسؤولية التقسيم والخراب والدمار الذي جرى ويجري في البلاد، وقال: "رغم المخاطر العظيمة والكارثة التي تعيشها بلادنا، ما يزال النظام الحاكم في دمشق متعنتاً في سياساته دون تغيير، على كل الصعد، يرفض الانتقال الديمقراطي، يستهتر بالمصالح الوطنية لحماية الوطن السوري من الاعتداءات، ويمارس سياسات اجتماعية تعمق إفقار الغالبية لصالح أقلية من أثرياء الحرب، ويرفض تفاوضاً جدياً مع أهم القوى السياسية الديمقراطية ممثلة في الإدارة الذاتية".

ويضيف "هذا التعنت واستمراره، يجعل طبول الحرب مستمرة، وتقسيم سوريا قائم على قدم وساق، وازدياد إفقار السوريين. النظام الحاكم في دمشق يكون بذلك المسؤول الأول عن الخراب والدمار الذي جرى ويجري في بلادنا".

تعقيد الأزمة أكثر.. والحل بالارتكاز على مشروع الإدارة الذاتية

وحذر نعيسة، قائلاً: "إن إنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري، سيعقد الوضع السوري المعقد أكثر. ويضيف إلى قائمة الدول المحتلة من الأراضي سورية دول أخرى. ما يصعب الحل السياسي أكثر، ويدفع إلى ترسيخ التقسيم الحاصل جغرافياً. وتكون المنطقة العازلة في الجنوب حالها كحال جيش أنطوان لحد العميل لإسرائيل في جنوب لبنان، والذي انتهى الأمر بالقضاء عليه. لا نريد ونرفض أشباه جيش أنطوان لحد العميلة في بلادنا".

ودعا المعارض السوري والمنسق العام لتيار اليسار الثوري السوري، الدكتور غياث نعيسة الشخصيات الوطنية والديمقراطية واليسارية لإنقاذ البلاد من المأزق والكارثة التي هي فيه عبر النهوض بالوعي والعمل السياسي، مؤكداً بأنه "لا يمكن القيام بذلك، من وجهة نظري، إلا بالارتكاز على مشروع الادارة الذاتية في شمال وشرق سوريا".

(ي ح)

ANHA