زكي بيرسوس.. مسيرة سنوات من الكفاح تستمر عبر طلابه

المسيرة النضالية التي بدأها الشخصية الثورية، زكي بيرسوس لتطوير القطاع الصحي في كردستان وبالأخص ضمن  ثورة 19 تموز بروج آفا، تستمر اليوم عبر طلابه الذين استمدوا إرادتهم الحقيقية من الشهيد لتجاوز جميع المحن وتحقيق ما كان يصبو إليه.

زكي بيرسوس.. مسيرة سنوات من الكفاح تستمر عبر طلابه
الإثنين 4 تموز, 2022   20:36
قامشلو- سولين أحمي

صفحات تاريخ ثورة 19 تموز نقشت بمقاومة العديد من الشخصيات المناضلة والثورية الذين كرسوا حياتهم للعمل من أجل تطويرها وانتصارها في كافة المجالات دون أي مقابل على أساس فكر الأمة الديمقراطية التي طرحها القائد عبدالله أوجلان.

عرفت ثورة روج آفا بمقاومة شخصياتها الوطنية والثورية الذين ناضلوا حتى آخر رمق من أجل تحقيق القيم الإنسانية والأخلاقية لمجتمعهم، ومن بين تلك الشخصيات، الشخصية الوطنية والثورية زكي بيرسوس والذي يعتبر أحد أعمدة القطاع الصحي في كردستان.

واصل زكي بيرسوس على مدار سنوات العمل ضمن القطاع الصحي في كردستان وبالأخص في روج آفا من أجل تطويره وإعادته إلى جوهره الحقيقي، إذ كان من مؤسسي معظم المؤسسات والاتحادات الطبية التي تأسست في روج آفا وشمال وشرق سوريا.

من هو الشهيد زكي بيرسوس

تنحدر الشخصية الوطنية والثورية، زكي بيرسوس الاسم الحقيقي (محمد فايق تشكين) من ناحية سروج التابعة لمدينة رها بباكور (شمال كردستان) مواليد 1958، من عائلة مكونة من 4 أشقاء و7 شقيقات وأم وأب.

درس في المدرسة الابتدائية لمدة عامين في سروج التابعة لمدينة رها بباكور كردستان، من ثم انتقل إلى مدينة اسطنبول التركية، وانهى الابتدائية والاعدادية فيها وأكمل الثانوية في مدينة رها، وانتقل إلى مدينة إسكيشهير التركية ليدرس في كلية الصيدلة (العلوم الطبية) في جامعة الأناضول، وحاز على شهادة الدكتوراه في الكلية، فيما له كتاب عن صنع دواء الفانيلين (المادة الأساسية في الأسبرين) من خلال إعادة تدوير النفايات.

وبين عامي 1965 -1976  تعرف المناضل بيرسوس على القائد عبدالله أوجلان، ليبدأ فيما بعد بالنضال على نهج حرية كردستان، ويواصل عمله لعدة سنوات في الساحة الاجتماعية والطبية بباكور، وانضم إلى حركة حرية كردستان عام 2000.

ناضل زكي بيرسوس لعدة سنوات في جبال كردستان ضمن حركة الحرية، ليعود فيما بعد إلى باكور ويواصل عمله ضمن القطاع الصحي حتى عام 2014.

كيف ساهم الشهيد زكي في تطوير القطاع الصحي

ومع اندلاع ثورة 19 تموز في روج آفا، التحق الشخصية الوطنية والثورية زكي بيرسوس مثله مثل مئات الاشخاص الذين ارتأوا الالتحاق بركب الثورة من أجل تطوير جميع جوانبها، في عام 2015 وبدأ بالعمل بترميم البنية التحتية للقطاع الصحي وتطويره في المنطقة التي افتقرت للأنظمة والقوانين الخاصة بها إلى جانب المستشفيات والمراكز والاكاديميات الطبية، بسبب إهمال وتهميش حكومة دمشق للمنطقة من الناحية الخدمية وبالتحديد الصحية.

يعد المناضل زكي بيرسوس الذي كان له إسهامات كبيرة في مجال الصحة، أحد مؤسسي الاكاديمية الطبية في سري كانيه عام2017، قبل احتلالها من قبل تركيا ومرتزقتها، والتي أصبحت فيما بعد كلية للطب في جامعة روج آفا، إلى جانب تأسيس الاتحادات الطبية والصحية في المنطقة وبالأخص اتحاد الصيادلة، كما ساهم في إعداد المنهاج الدراسي للكلية وإلقاء المحاضرات عن السياسة الصحية في الأمة الديمقراطية والإشراف عليها بشكل عام.

الرئيسة المشتركة لكلية الطب في جامعة روج آفا، عبير حصاف، تحدثت عن الشخصية الوطنية والثورية، زكي بيرسوس الذي كانت قد التقت فيه أول مرة عام 2015، قائلة: "ترك بصمة كبيرة في القطاع الصحي، حيث عمل جاهداً في كتابة النظام الداخلي للصحة بروج آفا، وعقد المؤتمر الأول الخاص بالصحة".

ولأول مرة على مستوى روج آفا افتتح الاكاديمية الطبية في الـ 4 أيار/مارس 2017 في مشفى روج بمدنية سري كانيه المحتلة.

وضع مفهوم الصحة على المسار الصحيح

ولتطوير هذا المجال بشكل أوسع، كتب المناضل زكي بيرسوس العديد من الكتب المتعلقة بالصحة، وبالأخص من ناحية كيفية تطويرها والتعريف بمفهومها الصحيح ضمن فكر الأمة الديمقراطية، ومن إحدى أبرز تلك الكتب (كتاب السياسة الصحية للأمة الديمقراطية) باللغة التركية وترجمت إلى اللغتين الكردية والعربية.

وفي إشارة إلى العمل الذي قدمه المناضل بيرسوس لإعادة الصحة إلى جوهرها الحقيقي، تؤكد الدكتورة عبير حصاف أنه "سعى دائماً إلى طرح مقاييس جديدة ومتطورة تخدم الصحة في منطقتنا ليس له مثيل في سوريا والشرق الاوسط".

نصائح المناضل بقيت عالقة في أذهان طلابه

وتتفق طالبة السنة الخامسة في كلية الطب بجامعة روج آفا، ديلبر حمدو، مع الدكتورة عبير حصاف، عن المفهوم المميز الذي كان يتبعه المناضل بيرسوس مع طلابه في عمله، وتقول: "أسس نظام المشافي والاكاديمية على أساس الكومين، أي أن الطالب يحمل صفة الإداري ايضاً".

وتضيف ديلبر حمدو: "كان يشدد دائماً على تقوية العلاقات بين الطلاب أنفسهم، من خلال تقديم الدعم والنصح لبعضهم البعض فيما يتعلق بجميع المجالات، فكان يردد دائماً على مسامع الطلاب شيء من هذا القبيل "نجاحك وتفوقك مرتبط بنجاح زميلك".

المناضل زكي بيرسوس ترك بصمة في قلب كل شخص التقى به داخل وخارج العمل في روج آفا وشمال وشرق سوريا، في بناء إرادة قوية لتجاوز الصعوبات التي قد تعترض طريقهم كما عبر طلابه. وتبيّن الدكتورة عبير حصاف في هذا السياق، بأنه: "كان شخصاً مفعماً بالحيوية والنشاط من أجل تطوير طلابه، وكان ينشر العلم في جميع جلساته".

موضحة: "بالرغم من أنه كان يعاني العديد من الامراض القلبية، إلا أنه لم يتردد ولو للحظة في العمل من أجل إيصال طلابه إلى أعلى المراتب وتطوير القطاع الصحي بالمستوى المطلوب".

مواصلة العمل في ظروف صعبة

وواجه القطاع الصحي في شمال وشرق سوريا مخاطر كبيرة نتيجة الهجمات المتواصلة لدولة الاحتلال التركي التي تؤدي إلى استشهاد العديد من المواطنين وإصابة آخرين بجروح بليغة، بالإضافة إلى نقص المواد الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة الأزمة التي تطال سوريا عامة.

في سياق ذلك، توضح الدكتورة عبير حصاف أن المناضل زكي بيروسوس عمل دائماً على تلبية الاحتياجات الصحية والطبية للمجتمع في الظروف الصعبة التي واجهوها، وتقول: "ضمن هذه الظروف كانت المنطقة بحاجة ملحة إلى أعداد كبيرة من الممرضين لمعالجة المصابين ومداواتهم، لذلك وفي وقت قصير تمكن الشهيد بيرسوس من تخريج خمسة دفعات من الممرضين".

قوة الإرادة والثقة لمواصلة مسيرته

لطالما هناك العشرات من الطلاب الذين يواصلون التدريب وفق الأسس والمبادئ التي وضعها الشخصية الوطنية والثورية، زكي بيرسوس أمامهم، فإن جهوده لن يذهب هدراً، وتبيّن الدكتورة عبير حصاف في ختام حديثها أنه هناك "العشرات من طلابه يواصلون التدريب وفق نهجه".

والطالبة ديلبر حمدو تؤكد على حديث الدكتورة عبير حصاف، بأن المناضل بيرسوس صقل في شخصية طلابه الثقة والقوة لتحقيق أهدافهم، وتقول: "ولّد الثقة في النفس والإرادة لتطوير الصحة في شمال وشرق سوريا على مبادئ الأمة الديمقراطية داخل قلوبنا جميعاً، ومنحنا قوة لمواصلة مسيرة عمله".

استشهاد رمز الصحة الديمقراطية

بعد مسيرة طويلة من الكفاح لخدمة شعوب كردستان وفي يوم 28 حزيران/ يونيو المنصرم وصل الشخصية الوطنية والثورية زكي بيرسوس إلى مرتبة الشهادة بعد معاناته مع المرض. وعزت هيئة الصحة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أنفسهم وعائلة الشهيد برحيل المناضل بيرسوس وجددت عهدها بمواصلة مسيرة البناء والتقدم "وحماية مكتسباتنا بالمزيد من الإصرار على العمل في القطاع الصحي وتطويره ليكون نموذجاً كما أراده الشهيد زكي بيرسوس".

وبمراسم مهيبة شارك فيه الآلاف من أهالي إقليم الجزيرة شيع جثمان الشهيد زكي بيرسوس إلى مثواه الأخير في مزار الشهيد دليل صاروخان بمدينة قامشلو.

(آ)

ANHA