تركيا تهدد باحتلالها.. الأهداف والأهمية الاستراتيجية لمنبج

تحظى مدينة منبج بأهمية استراتيجية بين مدن شمال وشرق سوريا، لذلك تتجه إليها أنظار الدول التي تحتفظ لنفسها بأطماع في الأراضي السورية، وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركي التي تهدد مؤخراً باحتلالها لتحقيق جملة من الأهداف السياسية والعسكرية.

تركيا تهدد باحتلالها.. الأهداف والأهمية الاستراتيجية لمنبج
الجمعة 10 حزيران, 2022   22:32
منبج - جمعة محمد

بالنظر إلى خريطة ما يعرف بـ "الميثاق الملّي" الذي يقول المتابعون للشأن التركي إن دولة الاحتلال تريد تطبيقه في شمال سوريا والعراق، يظهر أن مدينة منبج، وهي إحدى المدن السورية الشمالية، تشغل مكاناً مهماً وحيوياً ضمنها.

ومن هذا المنطلق، وبالنظر إلى أطماع تركيا في تجديد وإحياء العثمانية البائدة، يمكن النظر إلى الأسباب الكامنة وراء توجيه دولة الاحتلال التركي تهديداتها إلى هذه المدينة.

الموقع والأهمية

تقع مدينة منبج على الطريق الدولي M4 الذي يربط مدن الشمال والشرق والغرب السوري ببعضها، تبعد عن الضفة الغربية لنهر الفرات 25 كيلو متراً، وعن مدينة حلب 75 كيلو متراً.

كان عدد سكانها وفق إحصاء حكومة دمشق لعام 2004 يبلغ 100 ألف نسمة، لكن هذا العدد تضاعف عقب تحريرها من داعش من قبل قوات مجلس منبج العسكري في آب عام 2016، بعد أن عاد إليها أهلها المهجرون، وأصبحت قبلة للسوريين الفارين من هول الحرب التي عانت منها البلاد.

هذا ويسكن مدينة منبج مكونات من العرب والكرد والشركس والتركمان.

موقع منبج الذي يتوسط مدن الشمال السوري، ومرور الطريق الدولي عبرها، والكثافة السكانية فيها، وعلى اعتبار أنها نقطة وصل بين مدن الشرق والغرب السوري، يجعل من مكانتها على الساحة السورية ذات أهمية بالغة.

بعد اندلاع الأزمة السورية، شهدت منبج أواخر عام 2012 وحتى منتصف عام 2016، تغييراً مستمراً في هوية القوى التي سيطرت على المدينة وريفها.

فالبداية كانت من الجماعات التي أطلقت على نفسها مسمى "الجيش الحر"، ثم جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) وكان آخر هذه القوى مرتزقة داعش الذين احتلوا منبج لأكثر من عامين ونصف.

هزيمة داعش في منبج شكلت نكسة لتركيا

في الـ 15 من آب / أغسطس، حررت قوات مجلس منبج العسكري المدينة من داعش بدعم من قوات سوريا الديمقراطية، وكان لهزيمة داعش في منبج وتحريرها أثر كبير على عمليات محاربة المرتزقة في سوريا والعراق، وذلك لعدة أسباب:

كانت منبج تعرف بـ "عاصمة الأجانب"، وهم المرتزقة القادمون من خارج سوريا والعراق للانتساب إلى داعش عبر الأراضي التركية.

من اسطنبول وصولاً إلى ديلوك (عينتاب) ثم الحدود التركية السورية، كانت مدينة منبج هي نقطة التجمع لكل القادمين من الخارج، ومنها يتم توزيعهم على مناطق احتلال داعش في سوريا ومنها إلى العراق.

كان (ولا يزال) الدعم التركي لداعش لوجستياً ومعنوياً ظاهراً، فكانت "مضافات" داعش تنتشر في المدن التركية وتعمل على استقطاب المنتسبين للمرتزقة علانية وعلى مرأى السلطات والاستخبارات التركية، كما أن الحدود التركية كانت مفتوحة على مصراعيها أمام المقبلين على الانتساب لداعش، وأيضاً أمام شحنات الأسلحة وجرحى المرتزقة، وحتى شحنات النفط المسروقة من آبار الجزيرة السورية.

استخدمت تركيا داعش لهدم البنية السورية من جميع الجوانب، كما وجهت المرتزقة إلى المناطق التي تحررت في خضم ثورة 19 تموز في روج آفا، وأعلنت فيها الإدارة الذاتية، وكان الهدف التركي هو إبادة شعب المنطقة من الكرد خاصة، وتهجير من تبقى منهم، وضرب المشروع الديمقراطي الذي كان يصعد إلى الواجهة.

لكن هزيمة داعش التي تمت على يد قوات سوريا الديمقراطية ومن ضمنها وحدات حماية الشعب والمرأة، أفشلت هذه الخطط التركية، وخاصة في منبج، إذ كانت الهزيمة محورية، فبتحرير منبج وانتزاعها من داعش، جرى فصل مناطق احتلال داعش عن الحدود التركية التي لطالما كانت ملجأ المرتزقة الأول.

اليوم، تركيا تحاول إعادة تحقيق ما خسره داعش، وذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى تحقيق الحلم التركي بالتمدد داخل الأراضي السورية وتوسيع رقعة المناطق المحتلة، وتحقيق "الميثاق الملّي".

بالمقاومة.. منبج تؤكد علو كعبها منذ 6 أعوام

أبناء مدينة منبج وريفها هم من قادوا عمليات تحريرها من داعش، في تلك المعارك قدم المئات من العرب والكرد والتركمان أرواحهم سعياً لتحرير أهلهم، وتمكنوا بعد معارك دامت 73 يوماً من تحقيق ذلك الحلم.

بعد تحرير منبج بأيام، وتحديداً في الـ 24 من آب / أغسطس 2016، في الذكرى الـ 500 لمعركة مرج دابق، تسلّم الاحتلال التركي من مرتزقة داعش السيطرة على مدن جرابلس وإعزاز والباب ومارع والراعي، وبدأ بشن الهجمات منذ ذلك الحين على منبج انطلاقاً من المناطق التي احتلها شمال منبج وغربها.

تتعرض قرى "الهوشرية، والجات، والمحسنلي، وعون الدادات، وأم عدسة، والتوخار، وعرب حسن، والصيادة، والدندنية" شمال منبج، وفي غربها قرى "الكاوكلي، وقرط ويران، والحمرا، والعريمة"، وهي قرى تتبع إدارياً لمدينة الباب المحتلة وتنتشر فيها قوات مجلس الباب العسكري، تتعرض هذه القرى بشكل شبه يومي لعمليات قصف مدفعي وصاروخي، بالإضافة إلى الاستهداف بالرشاشات الثقيلة، كما تقوم المرتزقة بعمليات تسلل تصدها القوات المدافعة عن المنطقة.

كل ذلك التصعيد، واجه صلابة الخط الدفاعي الذي أقامه أبناء منبج حول مدينتهم، إذ يرفض هؤلاء أي تدخل خارجي في شؤونهم.

تركيا تهدد هوية المنطقة

في الـ 3 من أيار/ مايو المنصرم، خرج الرئيس التركي بإعلان خطير، فقال إنهم يحضرون لعودة "طوعية لمليون لاجئ" سوري في تركيا وذلك بدعم من "منظمات تركية ودولية".

وكشف أردوغان أن 500 ألف سوري عادوا قبل الآن إلى المناطق التي تحتلها تركيا، وذكر أن تركيا تحضّر لبناء وحدات استيطانية في 13 منطقة سورية، وأشار إلى "اكتمال إنجاز 57 ألفاً و306 منازل في الشمال السوري حتى اليوم، ضمن الحملة الرامية إلى بناء 77 ألف منزل".

وعاد أردوغان للحديث عن الموضوع في الـ 9 من الشهر ذاته، وقال إنهم يعملون على بناء 200 ألف وحدة سكنية في الشمال السوري، "وأن مليون لاجئ سوري مستعدون للعودة الطوعية إليها".

أعقب ذلك تصريحات تركيا بنوايا شن هجمات جديدة في شمال وشرق سوريا لتوسيع رقعة المناطق التي تحتلها من سوريا، وبدأت تركيا بالترويج لذلك أملاً في الحصول على الموافقة والرضا الدولي.

فيما لا يزال سيناريو المناطق المحتلة ماثلاً للعيان، يبدو أن تركيا تسعى لتكرار ذلك في منبج ومناطق أخرى من شمال سوريا، إذ تقضي الخطط التركية بشن الهجمات وتهجير السكان، ثم بناء وحدات استيطانية لتأوي سوريين جاؤوا من مناطق أخرى ولا يناهضون السياسات التركية في الغالب، وتحقق بذلك هدفها من تغيير التركيبة السكانية في المناطق السورية التي تنوي البقاء فيها.

كما يعمل الاحتلال التركي على فرض عملته ولغته في كل منطقة يحتلها ليهدد بذلك هوية السوريين من مختلف المكونات، ويسير نحو تتريك المنطقة.

هذا المشروع الذي يستهدف الهوية والأرض السورية تخطط تركيا لتطبيقه في كامل سوريا، لكن تبقى قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في خندق الدفاع عن سوريا أرضاً وشعباً وتقاوم أي مشروع الهدف منه تقسيم الأراضي السورية.

فقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تقاوم وتؤكد على الدوام جاهزيتها لصد أي هجوم تركي محتمل.

(د)

ANHA