​​​​​​​الكومين في العقد الاجتماعي.. شكل التنظيم القاعدي الأساسي للديمقراطية المباشرة

يعرّف العقد الاجتماعي لشمال وشرق سوريا، الكومين على أنه شكل التنظيم القاعدي الأساسي للديمقراطية المباشرة. وهو جهاز صنع القرار والإدارة ضمن المجال الإداري والتنظيمي، في حين يؤكد القائد عبد الله أوجلان أن فرد الأمة الديمقراطية يجد حريته في كومونية المجتمع.

​​​​​​​الكومين في العقد الاجتماعي.. شكل التنظيم القاعدي الأساسي للديمقراطية المباشرة
الأربعاء 8 حزيران, 2022   01:37
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

لطالما عانت شعوب الشرق الأوسط من الأنظمة السلطوية والمركزية التي تكرست عبر نظام الدولة، حيث تعرضت هذه الشعوب طوال العقود الماضية لجميع حالات القمع والإنكار وسرقة ثروات المنطقة وفرض القرارات الجائرة.

السوريون كانوا من أكثر الشعوب التي عانت من هذه الأنظمة، حيث كانت حكومة دمشق وعبر حزب البعث تطبق أعتى أشكال المركزية، إذ تتصرف من العاصمة دمشق بكل جغرافية البلاد دون أخذ آراء سكان المنطقة.

بقي الحال على ما هو عليه، حتى تم تشكيل الإدارة الذاتية بعد ثورة 19 تموز/ يوليو، والتي أخذت من فكر القائد أوجلان طريقاً لها، وتعتبر الكومينات أحد أهم الأعمدة في هذه الإدارة.

ما هو الكومين؟

الكومين كمصطلح يعني تجمّع بشري، ومن الناحية الاجتماعية يعني مجموعة من الناس يعيشون في المكان نفسه ويتجمعون معاً لحماية أنفسهم وإدارة وتسيير أمورهم الحياتية وحل المشاكل التي تحدث في منطقة عيشهم، ويشكلون نسيجاً واحداً على أساس الحياة الجماعية والعمل التشاركي في مختلف نواحي الحياة الثقافية، الصحية، الاجتماعية الصناعية ونواحٍ أخرى عديدة.

ويقول القائد أوجلان في المجلد الخامس: "ينبغي أن يكون الفرد كومونالياً (تشاركياً) في الأمة الديمقراطية بقدر ما يكون حراً. فالفرد الذي يتمتع بحرية زائفة، والذي تستثيره الأنانية الرأسمالية ضد المجتمع، إنما يحيا ضمنياً أعتى أشكال العبودية".

ويضيف القائد أوجلان إن "فرد الأمة الديمقراطية يجد حريته في كومونية المجتمع، أي في العيش على شكل مجموعات صغيرة أكثر فاعلية..... وتعد الكومونات متنوعة إلى أبعد حد، وتسري في ميادين الحياة جمعاء".

القائد أوجلان يشرح الهدف والفائدة من الكومينات، قائلاً: "مقصدنا من الحديث عن الكومونات أو المجموعات هو الجماعات البشرية الفاعلة في كافة ميادين المجتمع. فكيفما أن أي قرية تتسم بشروط الكومونة هي فعلاً كومونة أو مجموعة على سبيل المثال، فبالاستطاعة الارتقاء بهذا التعريف إلى مستوى الضواحي والمدن أيضاً".

ويضيف "كما وبمقدور تعاونية أو مصنع أو رابطة أو منظمة مدنية أيضاً أن تكون كومونة. وبما أنه يتوجب عليها أن تتحلى بالديمقراطية في الوقت ذاته فبإمكانها تسميتها بالنظام الكومونالي الديمقراطية أيضاً، ومثلما أنه بالمقدور الانتقال بالكومونة إلى كافة مجالات الحياة كالميادين التعليمية والثقافية والفنية والعلمية، فبالمقدور أيضاً دمقرطة الحياة الاجتماعية والسياسية وجعلها كومونالية".

/ar/uploads/files/2022/06/07/184312_fsyh-hsyn-28229.webp

فصيح حسين، الإداري في حركة المجتمع الديمقراطي، وهو من أوائل المشاركين في تشكيل الكومينات في شمال وشرق سوريا، قال: "نحن في روج آفا – شمال وشرق سوريا اخترنا الخط الثالث وكان لنا مشروع ديمقراطي يستند إلى أخوة الشعوب والعيش المشترك في الحياة الكومينالية الحرة من نهج الأمة الديمقراطية ومن فلسفة القائد أوجلان، وناضلنا منذ ذلك الوقت وكان هدفنا تنظيم المجتمع من القاعدة في جميع النواحي (سياسياً، وعسكرياً، وثقافياً، واقتصادياً، وخدمياً) بالإضافة إلى العدالة الاجتماعية".

وأضاف "تمكنا من ذلك في القرى والمدن والأحياء الشعبية المملؤة بالسكان ضمن الكومينات وكان الإقبال الشعبي على الانضمام إلى الكومين بشكل ممتاز وقدمنا تضحيات عظيمة في سبيل ترسيخ هذا المشروع الديمقراطي. كونه بإمكان الشعب إدارة نفسه بنفسه ضمن اللجان في الكومين ويكونون أصحاب القرار في الجغرافية المخصصة للكومين ونجحنا في ذلك".

الكومين في العقد الاجتماعي.. دور في كل مجلس

وفي مسوّدة العقد الاجتماعي الجديد لشمال وشرق سوريا والذي اقتربت الإدارة الذاتية من صياغتها، يأخذ الكومين حيزاً مهماً وكبيراً فيها.

وتقول المادة /٤١/ من العقد بأنه "لكل وحدة إدارية (قرية، حي، بلدة، مدينة ومقاطعة) الحق في البتّ في الأمور والشؤون التي تعنيها على ألا يتعارض ذلك مع جوهر هذا العقد".

كما تقول المادة /٦٧/ والتي تندرج تحت باب "النظام المجتمعي": "تقوم الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا بتنظيم حياتها المجتمعية الديمقراطية والحرة بناءً على تشكيل الكومونات، والمجالس، والأكاديميات، والتعاونيات، والوحدات الاقتصادية والمجتمعية، والمؤسسات التي تتمم النظام المجتمعي، والتي تنظم نفسها بشكل كونفدرالي ويتطور ويترسخ النظام الديمقراطي للمجتمع اعتماداً على هذه المؤسسات".

ويعرف العقد الاجتماعي الجديد الكومين في المادة /٦٨/ منه، بالقول: "هو شكل التنظيم القاعدي الأساسي للديمقراطية المباشرة. وهو المكان الذي يتطور فيه المجتمع الأخلاقي السياسي، والذي ينتج الحياة الاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، ويشكل قوة الحل للقضايا الاجتماعية. هو جهاز صنع القرار والإدارة ضمن المجال الاداري والتنظيمي. ويعمل الكومين كمجلس قائم بذاته في كافة مراحل صنع القرار".

ويكون الكومين بحسب العقد الاجتماعي مطلعاً على عمل مختلف المجالس والمؤسسات، حيث يذكر في المادة /٧٠/ ما يلي "تقوم مجالس البلديات والبيئة بإجراء الانتخابات كل سنتين مرة. تقوم بانتخاب الرئاسة المشتركة والهيئة التنفيذية. تشارك الرئاسة المشتركة للبلديات والبيئة في المجالس الشعبية، وفي الوقت نفسه تشارك في المجالس التنفيذية، يقومون بتقديم تقاريرهم للكومين، ولمجلس الحي، والبلدة، والمدينة ومجلس المقاطعة ويقوم بتطبيق القرارات الصادرة عن المجالس".

وبحسب العقد، يكون الرؤساء المشتركون للكومينات أعضاء في مجالس الأحياء والبلدات والمدن وتكون هذه المجالس مطالبة بالتنسيق الكامل مع الكومينات.

فصيح حسين، قال حول ذلك: "سوف تساهم بنود العقد الاجتماعي في تقوية الكومين، وخاصة في جانب تطبيق العدالة الاجتماعية والتطوير الاقتصادي".

الكومين.. نقطة البداية في نظام العدالة

ويدخل الكومين بحسب العقد الاجتماعي في صلب عمل نظام العدالة، حيث تنص مبادئ هذا النظام في العقد على ما يلي "يتشكل نظام العدالة الاجتماعية وفق تنظيم المجتمع، يقوم بحل القضايا الاجتماعية في كومونات القرى والأحياء والبلدات والمدن والمقاطعات بشكل عادل. ويتخذ مبدأ الصلح والوفاق أساساً في حل المشاكل".

وتبدأ أجهزة نظام العدالة من لجنة الصلح في الكومين، وذكر في العقد الاجتماعي أن "لجان الصلح: تعمل على حل الخلافات وفض النزاعات وتحقيق السلم والوفاق الاجتماعي. وتنظم نفسها في كل مكان وعلى كافة المستويات حسب الحاجة بانتخابات مباشرة أو بشكل توافقي، بدءاً من الكومونات وحتى المقاطعات ويكون أعضاؤها من المتطوعين المقبولين اجتماعياً".

فصيح حسين أكد على أهمية لجان الصلح في تطبيق العدالة، قائلاً: "إذا تم تفعيل لجان الصلح في الكومين بحسب المطلوب سوف تنتهي المشاكل الاجتماعية".

/ar/uploads/files/2022/06/07/184326_fth-allh-hsw.webp

عضو اللجنة الموسعة للعقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا، الحقوقي، فتح الله حسو، تحدث عن نظام العدالة في العقد الاجتماعي ودور الكومين فيه، قائلاً: "نظام العدالة المجتمعية هو جهاز مستقل يعتمد على المبادئ الاخلاقية والسياسية والثقافية للمجتمع. نظام العدالة منبثق من الشعب وحرية المرأة أساساً. يقوم بحماية حقوق الفرد ضمن الحياة المجتمعية، عن طريق مشاركة الشعب عبر تنظيم الوحدات المحلية".

وأوضح "تم وضع مواد نظام العدالة من قبل المختصين والحقوقيين، من كافة المكونات والأحزاب السياسية والكفاءات، لرسم نظام عدالة ينسجم مع طبيعة وواقع المجتمع لشمال وشرق سوريا؛ لأن نظام العدالة يعتبر جوهر العقد الاجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية وهو في الوقت نفس منبثق من الشعب، والشعب هو الأساس في تطبيق بنود ومواد نظام العدالة. طبعاً لا يوجد شيء كامل أكيد، سوف يكون هناك بعض الثغرات في بعد المواد، لكن عبر التطبيق العملي سوف تعالج تلك الثغرات الموجودة".

وحول دور الكومين، قال حسو: "الكومين أخد الحيز الأكبر من مسوّدة العقد الاجتماعي؛ لأن الكومين يعتبر الأساس والخلية الأهم لتطبيق مواد العقد الاجتماعي وهو القاعدة الأساسية التي تنتج الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو صنع القرار من الأسفل إلى الأعلى، ضمن المجال الإداري والتنظيمي، وهو أساس لنجاح نظام العدالة الاجتماعية لشمال وشرق سوريا".

الكومين وتنمية الاقتصاد المجتمعي

كما أن للكومين قبل وما بعد العقد الاجتماعي، دور كبير في تنمية الاقتصاد المجتمعي، ويذكر العقد في أحد مواده حول ذلك "تعتمد الإدارة الذاتية مبدأ الاقتصاد المجتمعي الذي يؤسس للاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة والمتوازنة".

والاقتصاد المجتمعي هو اقتصاد كومينالي جماعي؛ يعتمد على المنتوجات المحلية دون الاستيراد، ويحقق الاكتفاء الذاتي ويعود بالفائدة على المجتمع سواء عبر الجمعيات التعاونية أو المشاريع الخاصة.

ودعا الإداري في حركة المجتمع الديمقراطي، فصيح حسين إلى "تشكيل جمعيات شعبية (كوبراتيف) حسب النظام الديمقراطي، للوصول إلى الاقتصاد المجتمعي المطلوب".

الكومين بين الأسس النظرية والتطبيق الواقعي

ولاقى عمل الكومين خلال فترة ما قبل العقد الاجتماعي معوقات عديدة، وخاصة من جانب الفهم غير الدقيق لعمل الكومين وحصره في تأمين الغاز والمحروقات، بالإضافة إلى الخلط بين الكومين ودور المختار سابقاً.

كما أن عمل الجمعيات التعاونية أو ما يعرف بـ "كوبراتيف" كان نجاحها متفاوتاً بسبب غياب الدراسة الدقيقة لعملها وعدم إكمال الخطوات التي تتخذها.

 وحول ذلك، قال فصيح: "هذا المشروع الديمقراطي هو التجربة الأولى من نوعها في إدارة المجتمع في العالم، بالتأكيد سوف يلاقي صعوبات في تنفيذه؛ لأن الشعب تعوّد على نظام الحكم والسلطة على أيدي الأنظمة الإمبريالية الجديدة منذ عشرات السنين وبين ليلة وضحاها ينقلب إلى نظام ديمقراطي يستند إلى الإدارة الحرة والخدمة الذاتية. بالطبع سيكون هناك نقص". 

وأضاف "لأن المشروع كان ناجحاً؛ فقد تعرض للحرب من قبل الأعداء، سواء في المجال العسكري وأساليب الحرب الخاصة التي يتبعها العدو ضمن المجتمع لمحاربة الكومين من أجل إفشاله".

ووضع فصيح حسين عدة خطوات يجب اتباعها في المرحلة المقبلة لتفعيل عمل الكومينات، وهي:

- الابتعاد عن أساليب الحرب الخاصة من قبل العدو وعدم تقبلها أو حتى سماعها.

-الابتعاد عن القرار الفردي والسلطة، ويجب أن يكون القرار حراً وجماعياً وبمشاركة العنصر النسائي بنسبة 50 بالمائة، بحيث لا يخالف بنود العقد الاجتماعي لشمال شرق سوريا.

- الاستناد إلى الحماية الذاتية المتمثلة بالحماية الجوهرية.

- بناء جمعيات شعبية في الكومينات.

(م)

ANHA