​​​​​​​المستوطنات التركية: الرواية المُضللة

تمضي تركيا في مشاريعها الاستيطانية في مقاطعة عفرين وغيرها من المناطق التي تحتلها، دون أن يجري ردعها أو محاسبتها، متخذة ملف "اللاجئين السوريين"، كعنوان إنساني وستاراً لمشاريع التوطين والاستيطان وتغيير ملامح وهوية المناطق المحتلة.

​​​​​​​المستوطنات التركية: الرواية المُضللة
الجمعة 27 مايو, 2022   03:32
غزة

تستمر تركيا في بناء مستوطنات ضمن مساعيها لتغيير هوية المناطق المحتلة. وبدا أن كل الآذان قد تحولت إلى آذان من طين أمام احتجاج أهالي عفرين والمناطق المحتلة على المشاريع التي تسلب حقوقهم، والمستمرة منذ أربع سنوات دون موقف دولي وأممي حازم منها، بل على العكس، تتسع المشاريع الاستيطانية وتحصد تمويلاً مستمراً، إثر ستار الإنسانية التي تلف تركيا مشاريعها به.

يشترك في تمويل النشاطات الاستيطانية التركية، منظمات وجمعيات دولية وعربية، وكلها تحصد تبرعات، بزعمِ نشاطات إنسانية موجهة للاجئين.

جمعيات فلسطينية تدعم بناء المستوطنات.. من هي؟

تتركز الجمعيات الفلسطينية التي تشترك في دعم وتمويل النشاطات الاستيطانية التركية في المناطق المحتلة، داخل إسرائيل. بينها ما عُرف بـ (جمعية "العيش بكرامة"، وجمعية الإغاثة 48 وجمعية "القلوب الرحيمة") وغالبيتها كما يتضح من نشاطاتها، لها خلفية إسلامية تنتمي بشكلٍ أو بآخر إلى الأحزاب الإسلامية في إسرائيل وهي أحزاب ذات أيدلوجية إخوانية.

تسهل إسرائيل عملية جمع الأموال الضخمة ونقلها إلى جهات تركية عبر بنوكها. وهو الأمر الذي يوضح قدر الانخراط الإسرائيلي في المسألة.

لكن، كيف تتعاطى هذه الجمعيات مع الشأن الفلسطيني الداخلي؟ أمام معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية وغزة، بالكاد يمكن ملاحظة نشاطات دعم من الجمعيات التي تمول بناء المستوطنات في المناطق المحتلة. يمكن فهم ذلك أيضاً، عبر النظر إلى آلية تعامل إسرائيل مع الحوالات المالية أو النشاطات المالية التي تخرج من إسرائيل.

إذ تفرض إسرائيل قيوداً مشددة على آلية التحويلات المالية من إسرائيل إلى المناطق الفلسطينية. على سبيل المثال، يحظر إرسال الأموال إلى غزة. وتتعرض عمليات التحويل إلى الضفة الغربية إلى عراقيل مختلفة تحول في النهاية دون تمكين استمرارية أي نشاط مالي من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية.

لكن في مسألة التحويل إلى البنوك التركية، نرى تسهيلاً كبيراً، إذ تحول هذه الجمعيات مبالغاً طائلة إلى جهات تركية لتمويل بناء المشاريع الاستيطانية. أمام ذلك، يبدو من الضروري القول إن "الجمعيات الفلسطينية الإسلامية" التي ترسل تبرعات ضمن تمويل المشاريع الاستيطانية هي جمعيات تتواجد داخل إسرائيل ويحرك نشطاها، ارتباطها السياسي بالمشروع التركي إلى جانب أنها تعمل بتسهيلات إسرائيلية.

لماذا يجب تفكيك الرواية التركية؟

تروج تركيا باستمرار لمشاريعها الاستيطانية على أنها مشاريع إنسانية لدعم اللاجئين السوريين. هكذا، حولت تركيا مأساة اللاجئين إلى ملفٍ للخداع. إذ، شكلت مأساة اللاجئين محرك تركيا الأساس في خداع عامة الناس في حملات جمع التبرعات. يبين ذلك كيف راكمت تركيا دعايتها الإنسانية الزائفة لشرعنة عمليات التوطين وبناء المستوطنات في الأراضي المحتلة، مستغلة ملف اللاجئين.

في الغضون، من الصعب أن يجري فصل الجمعيات والمنظمات المشاركة في جمع التبرعات عن تركيا، والقول إن تركيا وحدها من يقود مشروع الاستيطان.

 إذ تشارك الجمعيات في صناعة الدعاية، والمساهمة في تحقيق المشروع التركي. بالتالي وبمشاركتها الواضحة، تعد (الجمعيات والمنظمات الخيرية) شريكة في مشروع الاستيطان الذي تديره تركيا.

يعيد ذلك التذكير، بضرورة تفكيك الرواية التركية بشأن عمليات الاستيطان والتغيير الديموغرافي والهوياتي في المناطق المحتلة. والعمل على توضيح خطورة السياسة التركية التي تعمل على هضم حقوق الشعوب بغية تحقيق أهدافها في الهيمنة. وأنها عبر سياستها، لا تبتغي سوى تحقيق مصالحها في الهيمنة.

ما الذي يجب أن يعرفه الجميع؟

يُعَرّف الاستيطان بأنه مشروع إنشاء بؤرٍ سكنية كاملة: بدءاً من البيت، وصولاً إلى المدرسة. وضمن ذلك، شق الطرق وتغيير هوية المنطقة. لماذا؟ من أجل إحلال جماعات من الناس محل السكان الأصليين والاستيلاء على مقدرات السكان الأصليين ومحو هويتهم.

بأي وسيلة يجري ذلك؟ لا يمكن استعراض مشاريع الاستيطان دون الإضاءة على قدر الجرائم التي تحدث في سبيل تحقيق المشروع. ففي وقت سابق، ذكرت منظمة العفو الدولية أن هناك أدلة دامغة على ارتكاب تركيا جرائم حرب في المناطق المحتلة، بغية طرد السكان من مناطقهم، وهو ما يخالف المواثيق الدولية والقانون الدولي. توضح التقارير الصادرة عن السكان في شمال سوريا، حجم الجرائم التي تعرضوا لها.

أمام ذلك، تطرح شهادات سكان عفرين وغيرهم من المدن المحتلة الذين طردوا من منازلهم وأراضيهم، تساؤلاً مشروعاً: هل يبدو أن المشاريع التي تقودها تركيا، مشاريع إنسانية؟ كيف يمكن فهم طرد مجموعة من الناس من مكانهم وإسكان آخرين محلهم، ثم تسمية ذلك عملاً إنسانياً؟

إذاً، ما الذي تريده تركيا فعلاً؟ ليس هناك ما هو أكثر وضوحاً مما تريده تركيا: ببساطة، ودون تعقيد، تريد تركيا بشكل واضحِ تغيير معالم وهوية المنطقة وخلق تغيير ديمغرافي وإنشاء مدن وحدود جديدة، لضمان هيمنتها على المناطق ومقدراتها.

(ي ح)

ANHA