أردوغان يستخدم اللاجئين لابتزاز الغرب وتكريس الاحتلال في سوريا

يشكل مشروع توطين مليون لاجئ سوري في المناطق المحتلة من الشمال السوري إحدى أخطر المشاريع التي تقودها تركيا ضد شعوب المنطقة. هذا المشروع إذا تم تنفيذه سيكون تكريساً للتغيير الديمغرافي وتقسيماً فعلياً لسوريا.

أردوغان يستخدم اللاجئين لابتزاز الغرب وتكريس الاحتلال في سوريا
الأحد 15 مايو, 2022   00:03
كوباني - جمعة محمد

وظفت تركيا ملف اللاجئين السوريين في تركيا لتحقيق أهدافها السياسية في سوريا والمنطقة.

وعلى الرغم من استخدام أردوغان السوريين في أكثر من مناسبة، وعلى مر أعوام الأزمة السورية، كورقة سياسية ربح منها الكثير، إلا أن إعلانه الأخير فيما يخص توطين أكثر من مليون لاجئ سوري في المناطق السورية التي تحتلها تركيا شمال البلاد، يعتبر من أكثر السياسات التركية خطورة، ويرى الكثيرون أن ارتداداتها ستمتد لأعوام طويلة.

ابتزاز الأوروبيين

تستضيف تركيا أكثر من 3 ملايين ونصف المليون من اللاجئين على أراضيها، وهم ليسوا من السوريين وحسب، وتحصل الحكومة التركية على الأموال من الأوروبيين مقابل رعاية هؤلاء وإغلاق الطريق أمام الراغبين بالذهاب إلى القارة العجوز.

أدركت تركيا سريعاً أن الأوربيين لا يرغبون برؤية قوافل اللاجئين وهي تدخل الدول الأوروبية واحدة تلو الأخرى، فعقدت اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي عام 2016، ينص على إعادة اللاجئين الجدد الذين وصلوا الجزر اليونانية، وعدم السماح لموجات هجرة إلى أوروبا، مقابل أن تمنح هذه الأخيرة الدعم المالي لأنقرة.

وفي كانون الأول/ ديسمبر عام 2020، أعلن الاتحاد الأوروبي اكتمال سداد 6 مليارات يورو لتركيا.

لكن القضية بالنسبة لتركيا لا تتعلق بالمال فقط، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان استخدم اللاجئين كورقة ضغط في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد، كما هدد أكثر من مرة، ورغم وجود الاتفاق، بالسماح للاجئين بالتدفق إلى أوروبا، ما لم تدعم بروكسل خطط تركيا بإنشاء ما تسمى بـ "المنطقة الآمنة" شمال سوريا.

ففي أعقاب انتقاد الاتحاد الأوروبي الهجوم العسكري التركي الذي احتلت تركيا بموجبه مدن سري كانيه / رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، خرج أردوغان يهدد الاتحاد بفتح الحدود التركية أمام اللاجئين في تشرين الثاني عام 2019، وطالب بمزيد من الدعم الدولي لتنفيذ رؤيته بخصوص اللاجئين.

ويدرك الأوروبيون أن سماح تركيا للاجئين بالعبور إلى أراضي القارة سيصحب معه الكثير من الأزمات على صعد عدة، وأكثر ما يخشاه قادة الاتحاد الأوروبي هو تصاعد التطرف والعمليات الإرهابية داخل المدن الأوروبية، وتمكين قبضة المتشددين، وذلك بعد أن شهدت دول الاتحاد عشرات العمليات الإرهابية.

ومع انعدام أي فرص للحل في سوريا، واحتجاز أردوغان للسوريين في تركيا كرهائن مع عدم السماح لهم بالعودة إلى غير المناطق التي تحتلها تركيا، يبقى اللاجئون في تركيا من السوريين وغيرهم خنجراً في خاصرة الأوروبيين.

التغيير الديمغرافي شمال سوريا

/ar/uploads/files/2022/05/14/154212_mstwtnat-fy-alshmal-alswry.webp

في سوريا لا تختلف خطط تركيا من حيث الخطر، فحكومة أردوغان تستخدم أموال الأوروبيين وبعض العرب كالقطريين، في بناء وحدات استيطانية داخل الأراضي السورية التي تحتلها تركيا.

إذ تحتل تركيا مدن جرابلس، واعزاز، والراعي والباب منذ آب / أغسطس عام 2016، ومدينة عفرين منذ آذار/ مارس عام 2018، ومدن سري كانيه / رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، منذ تشرين الأول / أكتوبر عام 2019.

ولا تزال تركيا تهدد باحتلال المزيد من الأراضي السورية، وتستخدم حجج "الحفاظ على الأمن القومي التركي" لتهجير السوريين وسلب أراضيهم وممتلكاتهم وتحويل ديارهم إلى أرض تركية.

في الـ 3 من أيار/ مايو الجاري، خرج الرئيس التركي بإعلان خطير، فقال إنهم يحضرون لعودة طوعية لمليون لاجئ سوري تستضيفهم تركيا، وذلك بدعم من "منظمات تركية ودولية".

وكشف أردوغان أن 500 ألف سوري عادوا قبل الآن إلى المناطق التي تحتلها تركيا، وذكر أن تركيا تحضّر لبناء وحدات استيطانية في 13 منطقة سورية، وأشار إلى "اكتمال إنجاز 57 ألفاً و306 منازل في الشمال السوري حتى اليوم، ضمن الحملة الرامية إلى بناء 77 ألف منزل".

وعاد أردوغان إلى الحديث عن الموضوع في الـ 9 من الشهر الجاري، وقال إنهم يعملون على بناء 200 ألف وحدة سكنية في الشمال السوري، وأن مليون لاجئ سوري مستعدون للعودة الطوعية إليها.

وأثارت الخطة التركية ردود فعل رافضة في صفوف السوريين، الذين رأى معظمهم أنها لا تخدمهم بل تعود بالفائدة على تركيا وتدعم خطط التغيير الديمغرافي والتفرقة بين السوريين.

ودعا حزب الاتحاد الديمقراطي في بيان أصدره الإثنين 9 أيار/ مايو، السوريين للعودة إلى مناطقهم الأصلية، وليس إلى المستوطنات التي أقامها الاحتلال التركي أو تلك التي أقيمت برعاية الجمعيات الإخوانية، الهادفة إلى تحقيق أغراض سياسية معينة؛ خدمة لأجندات ومطامع الدولة التركية الطورانية في إحداث تغييرات في البنية المجتمعية للشعب السوري.

وتأتي مساعي توطين اللاجئين في المناطق المحتلة بعد تهجير سكانها الأصليين على يد الاحتلال التركي ومرتزقته، لا سيما في مدن عفرين وسري كانيه وكري سبي، ولا يزال السكان المتبقون في تلك المناطق يعانون من شبح الجرائم والانتهاكات التركية التي تدفع من تبقى للخروج، ما يتيح لتركيا المضي في سياسات التغيير الديمغرافي من خلال منح ممتلكات السكان الأصليين للاجئين المستوطنين.

استغلال السوريين في الداخل

بعد أن فتحت تركيا حدودها أمام عمليات السرقة التي طالت المدينة الصناعية في حي الشيخ نجار بحلب، واشترت من السارقين المعامل والمعدات الصناعية، عملت تركيا على استغلال السوريين كيد عاملة في الداخل التركي، إذ عمل السوريين بأجور زهيدة، وتعرض الكثير منهم إلى عمليات خداع، فلم تدفع أجورهم وكثيراً ما كانوا يعملون في ظروف عمل شاقة.

ومؤخراً، تزايدت المشاعر السلبية من الأتراك تجاه السوريين، إذ وقعت مشاجرات وجرى الاعتداء في أكثر من مناسبة على المحال التجارية ومنازل السوريين والتسبب بأضرار داخلها، وشهدت تركيا خروج احتجاجات ومظاهرات تطالب بترحيل السوريين حتى أصبحت الأمر قضية رأي عام.

وبعد أن وجد أردوغان نفسه تحت الضغط في الداخل، خرج بخطة توطين السوريين في الشمال، ليعمل على "ضرب عصفورين بحجر واحد"، إذ سيخفف من الضغوط في الداخل وينزع من بين أيدي المعارضة التركية ورقة رابحة كانت تستخدمها المعارضة لشحن الأتراك ضد حكومة أردوغان، كما سيعمل هذا الأخير على تطبيق خططه في التغيير الديمغرافي.

تكريس الاحتلال وتشجيع التطرف

كانت الخطة التركية منذ البداية هي ضمان ولاء كل من يسكن في المناطق السورية التي تحتلها تركيا، فعملت على تهجير كل من أبدى ولو قليلاً من الرفض لتركيا ومرتزقتها، واستقدم الاحتلال التركي الأسر من مناطق سورية أخرى، لا سيما من درعا وريف دمشق وحمص وحماة وأسكنهم في منازل من هجرهم.

وبالتوازي مع ذلك، نشر الاحتلال التركي اللغة التركية وشجع تعلمها، مع أفضلية التوظيف للذين يتقنون اللغة التركية، وجعلها الأساسية إلى جانب العربية في المناهج المدرسية، كما عمل على تغيير أسماء الأحياء والشوارع والمرافق العامة لأسماء إما تركية أو أشخاص كانوا تابعين لدولة الاحتلال.

واعتمدت تركيا على الخطاب الديني في التعامل مع مرتزقتها، وقد أطلق في بعض الأوساط لقب "الجيش المحمدي" على جيش الاحتلال التركي، ومارس المرتزقة تحت شعارات إسلامية دينية القتل والسرقة والتهجير التخريب.

ومع تصاعد الخطاب الديني، ظهرت شخصيات متطرفة وامتد تأثيرها ليشمل مجموعات وفصائل بأكملها، وعاد عناصر داعش الذين فروا إلى تركيا عقب تحرير شمال وشرق سوريا من داعش، وباتت نسبة الشبه بين مجموعات تركيا المرتزقة وداعش كبيرة إلى حد أن الاختلاف اقتصر على الرايات والمسميات.

وأقام الاحتلال حدود فصل بين المناطق التي يحتلها والمناطق السورية الأخرى، كما في الجدار الذي بناه في ريف عفرين، والخندق الذي يفصل مناطق سري كانيه وكري سبي عن الجسد السوري، إلى جانب إقامة عشرات القواعد العسكرية داخل الأراضي السورية.

خيارات السوريين

في التاسع من أيار/ مايو الجاري، وجهت 45 منظمة حقوقية وصحفية نداءً للأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تحذر خلاله من خطورة المشروع التركي حول التغيير الديمغرافي شمال سوريا.

وطالبت المنظمات بالامتناع عن تمويل مشروع أردوغان المسماة بالعودة الطوعية مادياً وعدم منحه الشرعية والغطاء القانون، وذلك منعاً لحدوث حرب أهلية مستقبلاً وكونه يساهم في تكريس واقع التغيير الديمغرافي القومي الممنهج.

فيما قال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، خلال كلمة ألقاها في الملتقى الحواري الدولي الذي عقد تحت شعار "عفرين ما بين الاحتلال التركي والمصالح الدولية" في مخيم برخدان بمقاطعة الشهباء، بأن قوات قسد ستقوم بما يقع على عاتقها سياسياً وحقوقياً وعسكرياً لإفشال مشاريع الاحتلال، في إشارة منه إلى مشروع التغيير الديمغرافي.

ويرى المتابعون لهذه القضية أن على السوريين في تركيا عدم الانصياع للرغبات التركية، والمطالبة بالعودة إلى مناطقهم الأصلية وعدم القبول بالعيش في أراضٍ ليست لهم.

كما أن هناك آراء تطالب حكومة دمشق بالتحرك قانونياً في أروقة المجتمع الدولي؛ لمنع تركيا وسحب الدعم الدولي من مشروعها والحيلولة دون شرعنته.

إلى جانب الأصوات التي تطالب بتصعيد النضال ضد الاحتلال ووجوب إخراجه من الأراضي السورية، مع الضغط باتجاه إيجاد حلول سياسية للأزمة السورية بما ينهي معاناة السوريين ويفتح لهم المجال أمام عودة آمنة إلى مناطقهم الأصلية.

(د)

ANHA