لبنان.. الهروب عبر "قوارب الموت" من العيش في وطن إلى الحلم بجنة خيالية

تشكل الحالة الاقتصادية، وحتى الأمنية، محفّزاً للكثير من اللبنانيين لخوض مغامرة الهجرة عبر "قوارب الموت"، غير أن ثمة عاملاً مهماً لا يمكن تخطيه يتصل بتساهل القضاء، ما يدفع إلى زيادة النشاط بدل قمعه. إذ يفتقد لبنان إلى القوانين الرادعة في مجال تهريب البشر، وقد كان هذا الموضوع في صلب مطلب العديد من الناشطين الحقوقيين كي يتم إدراج موادّ جديدة في أصول المحاكمات الجزائية.

لبنان.. الهروب عبر "قوارب الموت" من العيش في وطن إلى الحلم بجنة خيالية
الجمعة 13 مايو, 2022   03:42
بيروت – زياد أبو غزالة

"مصائب قوم عند قوم فوائد".. هذا هو ما ينطبق على ما تسمى "تجارة الموت"، حيث تنتشر التجارة غير المشروعة بجميع أشكالها في العالم، والتي من أهم روافدها الهجرة عبر "قوارب الموت"، والسلاح، والمخدرات والدعارة.

تتلخص تجارة الموت في جني قلة من الأشخاص أرباحاً طائلة من وراء تدمير حياة الملايين من البشر وموتهم، سواء كان موتاً فورياً من خلال تجارة الأسلحة، أو موتاً بطيئاً من خلال تجارة المخدرات أو قوارب الموت.

وبعد عامين من انهيار اقتصادي غير مسبوق يفاقمه شلل سياسي، لم يعد لبنان نقطة انطلاق للاجئين الفلسطينيين أو السوريين فحسب، بل أيضاً لمواطنيه الذين أرهقتهم الأزمات وبات غالبيتهم تحت خط الفقر.

منذ العام 2019 ولغاية الشهر الرابع من العام 2022، أحصي حصول ما يقارب 78 عملية تهريب غير شرعية لمواطنين لبنانيين ونازحين سوريين ولاجئين فلسطينيين عبر البحر انطلاقاً من الشمال. وتفيد معلومات أمنية بأن هدف غالبية الرحلات كان الوصول إلى الشواطئ القبرصية، بخلاف الرحلة التي غرق مركبُها أخيراً قبالة طرابلس، وكانت اعتمدت إيطاليا وجهة لها.

تساهل القضاء

ليست الهجرة غير القانونية ظاهرة جديدة في لبنان الذي شكّل منصة انطلاق للاجئين، خصوصاً السوريين، باتجاه قبرص خصوصاً، الدولة القريبة والعضو في الاتحاد الأوروبي. لكن يتزايد عدد اللبنانيين الذين يخاطرون بأرواحهم بحثاً عن بدايات جديدة بعيداً عن بلدهم الغارق في الأزمات.

تشكل الحالة الاقتصادية، وحتى الأمنية، محفّزاً للكثيرين لخوض هذه المغامرة، غير أن ثمة عاملاً مهماً لا يمكن تخطيه يتصل بتساهل القضاء، ما يدفع إلى زيادة النشاط بدل قمعه. بحسب مصدر قضائي، يفتقد لبنان إلى القوانين الرادعة في مجال "تهريب البشر"، وقد كان هذا الموضوع في صلب مطلب العديد من الناشطين الحقوقيين كي يتم إدراج موادّ جديدة في "أصول المحاكمات الجزائية".

على الرغم من ذلك، برز إلى الواجهة قضاة يتعاطون مع القضايا المماثلة بصفة جرم، خاصة في حالات اصطحاب قاصرين، أبرزهم قاضي التحقيق الأول في الشمال سمرندا نصار، التي تُحال إليها قضايا تهريب الأشخاص عبر البحر. وقد استندت نصار في غالبية مذكّرات التوقيف أو الادعاءات التي أصدرتها بحق الموقوفين، إلى المادة 586 "الإتجار بالأشخاص" والتي تصل عقوبتها إلى السجن 15 عاماً.

معظم الناشطين في أعمال التهريب محسوبون على شخصيات سياسية. في الإطار القانوني وفي غالبية الأحيان يأتي التبرير بأن القاضي يفتقد إلى عناصر إدانة مسنودة إلى موادّ واضحة، بسبب عيب في المواد التي تحتاج إلى تعديلات، إلى جانب عدم وجود رغبة لدى القضاة في معظم الأحيان بالاجتهاد، خاصة أن معظم الموقوفين ينفون عادة تهمة تهريب الأشخاص، ويتذرّعون بالهرب لأسباب اقتصادية بدليل اصطحابهم قاصرين. والهرب في مطلق الأحوال قضية لا يعاقب عليها القانون مع لفت النظر إلى أنه يُمكن إنزال عقوبات في حالة اصطحاب القاصرين. هذه الجزئية الصغيرة، يتم استغلالها بشكل واضح من قبل المهرّبين للنفاذ من التوقيف والادعاء.

أحلام تكسرت

في 23 نيسان/ أبريل الماضي، غرق قاربٌ حمل عشرات اللبنانيين الآملين بالوصول إلى أوروبا، هربًا من الوضع المعيشي الصعب في لبنان، كان على متنه علي موسى (34 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال.

ويقول علي، لوكالتنا إنه سيحاول مرة أخرى، إذ "لا مستقبل هنا لنا أو لأولادنا" بعدما تخلى قبل ستة أشهر، عن وظيفته في سوبرماركت إذ بات راتبه (55 دولاراً) بالكاد يكفيه لدفع بدل التنقل.

وفي أيلول/ سبتمبر، قرر علي، خوض الرحلة المحفوفة بالمخاطر. باع سيارته واقترض من صديقه مبلغ 1500 دولار كان ينقصه ليدفع أربعة آلاف دولار إلى المهرّب الذي أعلمه بموعد السفر قبل ثلاثة أيام من حصوله.

في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، رتب حقيبة ظهر صغيرة وغادر منزله في منطقة الضنية (شمال) من دون إخبار زوجته حتى. وأعلمه المهرّب أنه سيسافر برفقة 72 شخصاً.

لكن عند وصوله إلى نقطة الاجتماع في طرابلس، تفاجأ بوجود نحو تسعين شخصاً يتسلقون شاحنة أقلتهم إلى منطقة القلمون المجاورة التي انطلقوا منها.

وكان في عداد الرحلة 15 لاجئاً فلسطينياً وعشرة سوريين، بينما البقية من اللبنانيين. وكان هناك 35 طفلاً ونحو عشرين امرأة.

بعد ساعتين من إبحار المركب، طارده زورق تابع للقوات البحرية أمر سائقه بالعودة إلى الشاطئ. لكن الأخير لم يمتثل وتابع طريقه إلى المياه الإقليمية. بعد ساعة من المطاردة، تسرّبت مياه البحر إلى المركب. ثم تعطّل المحرّك، وكان الوقت ليلًا. وبدأت المياه تُثقل المركب تدريجياً، ما دفع الركاب الذين أصابهم الهلع إلى التخلّص من الحقائب وعبوات المازوت. وسارع بعضهم، بينهم علي، إلى الاتصال بأفراد عائلاتهم لإرسال إغاثة.

وعملت سفينة تابعة للجيش اللبناني على سحبهم باتجاه الشاطئ، حيث تم التحقيق معهم قبل الإفراج عنهم.

ويقول علي: "شعرت بخيبة أمل لأنني عدت أدراجي ولم أتمكن من بلوغ وجهتي"، مضيفاً "لكنني أعرف أنني سأغادر لبنان مجدداً.. لا طريق أمامنا إلا البحر".

وفي العام 2020، نجحت القوات البحرية، وفق الجيش، "في ضبط نحو 20 مركباً وتوقيف 596 شخصاً وتسليمهم إلى السلطات المختصة". وكثفت دورياتها مع ارتفاع عدد عمليات التهريب.

ويقول الجيش: إن "عصابات التهريب" تضمّ غالباً أشخاصاً من جنسيات مختلفة، لكنّ رؤساءها "يكونون عادة من اللبنانيين لمعرفتهم بتفاصيل الشواطئ والمناطق اللبنانية".

ويبدو لبنان الذي يقطنه حالياً قرابة ستة ملايين شخص بمثابة سفينة غارقة تصارع تبعات انهيار اقتصادي صنّفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن الماضي.

وأدّت الأزمة إلى خسارة الليرة أكثر من 95 في المائة من قيمتها أمام الدولار. وانعكس ذلك تدهوراً غير مسبوق في قدرة السكان الشرائية بعدما بات الحدّ الأدنى للأجور يعادل أقل من 23 دولاراً، في بلد يعتمد على الاستيراد إلى حدّ كبير. وجراء ذلك، تراجعت قدرة السلطات على توفير الخدمات الأساسية ودعم سلع حيوية خصوصاً المحروقات والأدوية.

(ي ح)

ANHA