​​​​​​​بين قرارات ارتجالية ومصالح المتنفذين.. مناطق حكومة دمشق أمام شلل اقتصادي أشد

اشتدت أزمة المواصلات، ضمن مناطق حكومة دمشق عقب قرار الحكومة الأخير القاضي بتخفيض مخصصات وسائل النقل من الوقود، إذ حذر باحث في الاقتصاد السياسي، من أن يؤدي ذلك إلى شلل اقتصادي أكثر حدة في الفترة المقبلة في ظل إدارة ارتجالية من قبل الحكومة وعجزها عن ضبط المتنفذين وأمراء الحرب في مناطقها.

​​​​​​​بين قرارات ارتجالية ومصالح المتنفذين.. مناطق حكومة دمشق أمام شلل اقتصادي أشد
الإثنين 9 مايو, 2022   01:30
مركز الأخبار – ليلاف ديواني

عادت إلى الواجهة مؤخراً أزمة الوقود القديمة والمتجددة ضمن مناطق سيطرة حكومة دمشق، بسبب قرار الحكومة الأخير القاضي بتخفيض مخصصات وسائل النقل العامة والخاصة من الوقود، إلى جانب تداعيات التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا على إمدادات النفط العالمية، والتي لم تسلم سوريا المنهكة اقتصادياً منها.

 وأعلنت "الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية" التابعة لحكومة دمشق، في 5 نيسان الماضي، عن تعديل المدة المحددة لاستلام رسالة مادة البنزين عبر البطاقة الذكية سيئة السمعة، وذلك لكل من السيارات العامة والخاصة بالإضافة إلى الدراجات النارية.

التعديل الذي أجرته الشركة، أدى إلى إطالة مدة استلام رسالة مخصصات مادة البنزين، ليصبح 10 أيام للسيارات الخاصة بدلاً عن 7 أيام، وللسيارات العمومية 6 أيام بدلاً عن 4 أيام، أما للدراجات النارية فقد أصبحت مدة الاستلام 10 أيام، هذا التعديل طال مدة الاستلام فقط مع الحفاظ على كمية البنزين المخصصة دونما تعديل، أي أن كل سيارة مخصصة خسرت 25 ليتر بنزين شهرياً على الأقل، بقيمة 27,500 ليرة بحسب السعر المدعوم البالغ 1100 ليرة لليتر، وبهذا فإن الإعلان أعلاه هو بحقيقة الأمر تخفيض مباشر إضافي على دعم مادة البنزين.

وخلال العام الماضي رفعت حكومة دمشق سعر لتر البنزين، للشرائح المدعومة، ليقفز سعر الليتر "وفق البطاقة الذكية" من 450 إلى 1100 ل.س، كما تم رفع سعر البنزين غير المدعوم، ثلاث مرات ليصل سعر الليتر اليوم إلى 3 آلاف ل.س.

استياء وشلل اقتصادي أشد

وأثار قرار الحكومة الأخير القاضي بتخفيض مخصصات النقل استياء المواطنين، وبشكل خاص أصحاب النقل العام فهم الفئة الأكثر تضرراً، ما أدى إلى غياب وسائل النقل العامة نتيجة عدم توفر الوقود بالسعر المقبول ليتناسب مع تعرفة مقبولة على الراكب في ظل الواقع المعيشي المتأزم للمنطقة إثر عدم تناسب دخل الفرد مع مستوى الاستهلاك.

وعقب غياب وسائل النقل العامة، وفي ظل ارتفاع أجور وسائل النقل الخاصة، بدا مشهد "طوابير" الأهالي ملحوظاً على المواقف وفي الطرقات الرئيسية، كما التجأ آخرون إلى وسائل نقل بديلة كالدراجات النارية التي تقف في الساحة العامة للنقل، حيث يتقاضى صاحب الدراجة أجر أقل من أجر سائق "التاكسي".

وفي هذا السياق، قال الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى عمر، لوكالتنا: "تعد قضية توافر المشتقات النفطية قضية بالغة التذبذب في مناطق سيطرة النظام، فبشكل متكرر يتم تقليص الإمدادات، والتي وبالحالة الطبيعية لا تغطي أكثر من 50% من الحاجة الفعلية لقطاع النقل وغيره من القطاعات، وحالياً التخفيض الجديد والحاد من شأنه زيادة معدل الشلل الاقتصادي، وشلل قطاع النقل والذي يؤثر بشكل غير مباشر على اقتصاد النظام المتداعي، ويفاقم من معاناة السوريين، وتظهر حدة الأزمة من خلال تصريحات بعض مسؤولي النظام، فمؤخراً صرح معاون وزير النقل بأن السيارات الخاصة المملوكة للمواطنين السوريين تعد عبء على المواطن وعلى الحكومة ونصح باستغناء المواطن عن السيارة".

تعزيز نشاط السوق السوداء والتضخم

ونوه يحيى عمر إلى أن "قرار تقليص المخصصات النفطية سيعزز من واقع السوق السوداء كما سيعزز من أعباء العملية الزراعية، كون الزراعة تعتمد على الوقود من السوق السوداء في ظل عدم تأمين وقود من قبل الحكومة، فارتفاع أسعار السوق السوداء سيعني ارتفاع كلفة الزراعة وبالتالي ارتفاع الأسعار وضغط إضافي على محدودي الدخل وتعزيز التضخم في البلاد".

وبالتناسب مع الحاجة الماسة للمواطنين لمادتي المازوت والبنزين وبشكل خاص لمادة البنزين في تيسير الأعمال والتنقلات، ازداد نهم المتاجرين في السوق السوداء ليطرأ على المشهد بيئة نهبوية دون وجود رقيب أو حسيب، حيث ارتفع تلقائياً سعر الليتر الواحد من البنزين إلى ما يقارب الـ 6500 ل.س، في حين تجاوز سعره لليتر الواحد في مدينة حلب حاجز الـ 9 آلاف ل.س، فيما كسر سعر الليتر الواحد لمادة المازوت ضمن السوق السوداء حاجز الـ 4 آلاف ل.س.

تعتيم وبدائل محدودة

وحول السؤال، فيما إذا كان ما كشفته مصادر لوسائل إعلام بأن مخزون حكومة دمشق من المشتقات النفطية والغاز على شارف النفاذ، يوضح يحيى عمر "لا يمكن الجزم بكمية مخزون حكومة النظام من المحروقات نتيجة التعتيم الحكومي وغياب الشفافية وقلة المعلومات، ولكن بالتأكيد هناك شح واضح يظهر من خلال قرارات تقليص المخصصات".

ولفت عمر إلى أن "بدائل النظام وخياراته محدودة في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً والعقوبات المفروضة عليه وقلة إيراداته من القطع الأجنبي".

وكشفت وسائل إعلام محلية نقلاً عن مصادر مطلعة في العاصمة دمشق، تأكيدها "طلب الحكومة من دول عربية (كالإمارات والعراق والجزائر) لمد سوريا بالنفط وذلك بعد تراجع الشحنات الروسية وزيادة شروط إيران ومنها الدفع بالكاش".

واعترف عضو القيادة المركزية لـ "حزب البعث"، مهدي دخل الله، أن حكومة دمشق تحصل على بعض بواخر النفط عبر دفع "الرشوة"، من أجل وصول البواخر إلى السواحل السورية.

وقال دخل الله في لقاء مع إذاعة محلية في دمشق، إن: "بواخر النفط المتوجهة إلى سوريا، يتم السماح لها بالمرور من قناة السويس، بعد دفع رشوة"، وذلك في ظل منع مرور البواخر الى سوريا بسبب العقوبات الدولية المفروضة على حكومة دمشق وأبرزها قانون "قيصر".

تداعيات الصراعات العالمية

ويرى مراقبون أن أزمة المحروقات في سوريا مرتبطة أيضاً بتراجع الإمدادات النفطية الروسية إلى سوريا بعد تحرك الأولى عسكرياً في أوكرانيا.

ويبيّن الباحث يحيى عمر "تؤثر الحرب الروسية - الأوكرانية على كل دول العالم، وهذا ينسحب على حكومة النظام بشكل غير مباشر، فروسيا لا تورد المحروقات إلى النظام، لكن ارتفاع أسعار المحروقات يقلل قدرة النظام على الاستيراد إضافة لضعف سلاسل التوريد ومحاولة الغرب الضغط على النظام لاستخدام الضغط ضد روسيا مستقبلاً".

'إدارة الحكومة ارتجالية ولن تنجح'

وتعيش سورية واقع اقتصادي متأزم وبشكل خاص ضمن مناطق سيطرة حكومة دمشق، إثر اتخاذ الحكومة منذ مطلع العام الماضي قرارات لا تمت للواقع المعيشي لأبناء المنطقة بصلة، والتي شملت رفع أسعار المحروقات لمرات عدة وصولاً إلى الكهرباء والخبز والدواء بالإضافة إلى قرار رفع الدعم الحكومي عن بعض الشرائح السورية.

ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى عمر، أن "إدارة حكومة النظام للأزمات الاقتصادية إدارة ارتجالية لا يمكن أن تنجح، فلا تعتمد على منهج واضح، كما أن مصالح أمراء الحرب تتعارض مع مصالح السوريين مما يعزز من تفاقم الأزمات وعلى ما يبدو لا تستطيع حكومة النظام فرض أي قرارات على أمراء الحرب".

(ي ح)

ANHA