المرأة في الصحافة الكردية بين البناء ومواجهة الحرب ضدها

تطلب وصول المرأة إلى مكانة مرموقة وحصولها على حقوقها وتحقيق طموحاتها صراعاً طويلاً وجدالاً عميقاً وتوتراً بين الرفض والقبول، فكل واحدة من الصحفيات تود إظهار حقيقة ما تعيشه المرأة من نضال ومقاومة، وخلال مسيرة المرأة في الصحافة الكردية اتخذت مسارين أساسيين، هما مسار مواجهة الحرب ومرحلة البناء.

المرأة في الصحافة الكردية بين البناء ومواجهة الحرب ضدها
الجمعة 22 نيسان, 2022   00:23
قامشلو- سلافا عبد الرحمن

يعد الإعلام أو الصحافة أداة هامة من أدوات المعرفة والثقافة لأي أمة أو شعب في العالم، فمن خلال الصحافة تعرف الشعب الكردي الذي يعيش في وطن مستعمر من قبل أربع دول.

صحيفة كردستان.. تلبي متطلبات الكرد

يصادف الـ 22 من نيسان الذكرى الـ 124 ليوم الصحافة الكردية، نسبةً إلى إصدار جريدة "كردستان" أول جريدة كردية، من قبل الأمير، مقداد مدحت بدرخان، في العاصمة المصرية القاهرة في 22 نيسان عام 1898.

حيث كان للمرأة الكردية آنذاك دوراً هاماً في انطلاقة الصحافة الكردية، إذ شاركت روشن بدرخان في النشر والكتابة منذ نشأة أول صحيفة كردستانية (صحيفة كردستان) والتي كانت تحمل بداخلها خطاباً ثقافياً يراعي متطلبات الشعب الكردي وتعرّف وتشيد بالتراث الكردي وثقافته.

مع تأسيس حركة حرية كردستان فتحت آفاق جديدة للمرأة، ويعود الفضل بذلك إلى فكر وفلسفة القائد أوجلان الذي طرح مشروع حرية المرأة، كما وسعت المرأة بدورها من نطاق عملها ليشمل كافة المجلات، ومن بينهن الإعلامية الشهيدة غربتلي أرسوز التي رسمت نهجاً سارت عليه الكثير من الإعلاميات أمثال الشهيدات "دليشان إيبش ونوجيان أرهان، ودنيز فرات" وأصبحن تاريخاً لإعلام ثورة روج آفا.

وفي ظل ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا (19 تموز2012)، شاركت المرأة في العديد من المجالات ولعبت دوراً بارزاً في المجال الإعلامي بتألق وبشكل لافت بعد تشكل المؤسسات الإعلامية كالإذاعات ووكالات الأنباء والقنوات الفضائية في شمال وشرق سوريا، وتبين أن أعداد النساء الصحفيات تفوق أعداد الرجال، إذ بلغت نسبة النساء العاملات في المؤسسات الإعلامية في المنطقة (70%)، بحسب اتحاد الإعلام الحر في شمال وشرق سوريا.

وحاربت المرأة في مجال الإعلام ثلاث جبهات، الذهنية الذكورية السلطوية السائدة في مجتمع الشرق الأوسط، والهجمات المستمرة من قبل دولة الاحتلال التركي واستهدافها بشكل مباشر، ومرتزقة داعش الذين احتلوا في فترة من الفترات مساحة شاسعة من أراضي شمال وشرق سوريا، ومع اندلاع ثورة 19 تموز تمكنت المرأة بنضالها ومقاومتها محاربة جميع العراقيل التي كانت تواجهها وتم تأسيس عدة منابر إعلامية خاصة بها.

كما خطت الإعلاميات خطوات هامة على الرغم من عقبة العادات والتقاليد في حصر حركة المرأة ضمن إطار ضيق، مما شكل ذلك بالنسبة لهن تحدي آخر لرفض جميع أشكال القمع بحقهن، وخاضت بعضهن نضالاً جسوراً إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية في الحملات العسكرية لتغطية ساحات المعارك ضد مرتزقة داعش والاحتلال التركي.

المراسلة الحربية في وكالة أنباء المرأة سوركل شيخو، باركت يوم الصحافة الكردية على كافة الصحفيات، وقالت "اتخذت المرأة مكاناً لها في نقل أحداث ووقائع ثورة روج آفا وشمال شرق سوريا بجميع تفاصيلها إلى الرأي العام والعالم أجمع".

مضيفة "لقد سلب النظام البعثي هوية الكرد وحقوقهم، لكن بعد ثورة روج آفا تمكنت من أن تكون صوت الشعب والمرأة وتمكنت بالفعل من إطلاق ثورة حقيقية، وخير مثال على ذلك هو العدد الهائل للعاملات في مجال الصحافة، ممن اتخذن مكاناً لهن في الوكالات، الصحف، المجلات، الإذاعات والفضائيات".

'صورة واحدة كفيلة بتغيير مصير شعب بأكمله '

كل واحدة من الصحفيات العاملات في شمال وشرق سوريا تود إظهار حقيقة ما تعيشه المرأة من نضال ومقاومة وتطورات حاصلة في شمال وشرق سوريا من خلال التقارير ومقاطع الفيديو والصور لنقل صورة واضحة لما تمر به المنطقة، في محاولة منهن لجذب انتباه عديد التنظيمات النسائية والشخصيات المستقلة من الخارج إلى ثورة المرأة.

نوهت سوركل إلى الدور الذي لعبته الصحفيات الحربيات في نقل وقائع ما كان يدور في ساحات الحرب ضد الاحتلال التركي ومرتزقة داعش، والجرائم التي كانت ترتكب بحق المرأة في كل منطقة كانت تطالها أقدامهم، ونقل تلك الوقائع بكل شفافية إلى المحيط الخارجي.

وترى سوركل أنه بإمكان صورة فوتوغرافية أن تغير مصير الآلاف من الأشخاص، في إشارة لها إلى أهمية متابعة الوضع الميداني وإظهار الصورة الحقيقة لما يجري في المضامير والساحات.

'لن تشعر بالمرأة سوى المرأة '

 

تطرقت المراسلة الحربية إلى الصعوبات التي واجهتها في بداية مسيرتها "واجهنا معوقات جمة في البداية، لاسيما أننا وكالة تعنى بقضايا المرأة فقط، فكان لدينا صعوبة في إقناع النساء للتحدث عما يجري معهن، كما أننا عانينا ولا زلنا نعاني من عدم تقبل أغلب النساء في الظهور على وسائل الإعلام، نظراً لأن حاجز الخوف لا يزال قائماً لدى بعضهن، ولا سيما في المناطق العربية التي عانت من سيطرة مرتزقة داعش".

تؤكد سوركل أن كل شخص بإمكانه أن يمتهن فن الصحافة؛ لكن عندما تكون المراسلة امرأة تستطيع أن تشعر بالمرأة نفسها وما تعرضت له ونقل ما عانته بحس المرأة وصوتها. وتضيف "صوت الحق يتم استهدافه دائماً، لكننا لن نتخلى عن نضالنا ومقاومتنا، هدفنا إظهار الحقائق فقد استشهد العديد من زملائنا في سبيل نقل ما يدور في الساحات والميادين إلى شعبهم".

'إما مولود أو مفقود في سجون تركيا '

بينما تصنف تركيا كأكثر دولة تتعرض فيها الصحفيات للاعتداءات والتهديدات خلال الربع الأول من العام الجاري، وفي حالة تدهور مستمر حيث تمنع فيه حرية التعبير عن الرأي ويعتقل من يخرج عن سيطرة السلطات الحاكمة، واقتيادهم إلى السجون، وبشكل خاص إذا كانت كردية فذنبها يكون مضاعف فقد تكون مولود أو مفقود في السجون، وذلك بحسب تقرير أصدرته المنظمة العالمية لدعم الصحفيات.

مراسلة فضائية جن تي في (JIN TV) بريتان أيرلان، تقول عن أسباب الاستهداف المباشر للصحفيات الكرديات في باكور (شمال كردستان) إنه نابع من استمرار مقاومة الشعب الكردي في وجه الدول ذات الذهنية الذكورية والدول القومية ذات الإيديولوجية الأحادية، أي لا يعترفون سوى بلغة واحدة ودين واحد، دولة الاحتلال التركي تتغذى على إبادة ثقافات الشعوب وصهرها.

وتضيف المراسلة بيريتان أيرلان، أن من يسعى إلى حماية الشعب وثقافته من الإبادة والصهر هم النساء أنفسهن، "إذا ما عدنا بالتاريخ إلى الوراء، سنجد أن المرأة هي التي كانت تحمي أسرتها وقبيلتها، والمجتمع، ولكن من أراد فرض إرادته عليها هو الذكر، وهذا ليس بعيداً عما يجري الآن، فدولة الاحتلال التركي أسست ذاتها على إبادة الثقافات، ومثال على ذلك توغل الاحتلال التركي في الشرق الأوسط بعد أعوام الـ 71 إذ أسس نفسه من خلال إبادة الثقافات وطمس الهويات، لتصل بذلك إلى نهج اللغة الواحدة".

'شربنا من نفس النبع الذي شربته الشهيدة المناضلة العتيدة غربتلي آرسوز '

فالأنظمة ذات الذهنية الذكورية التي تفتعل حروباً مستمرة في العالم تعلم جيداً أن المرأة إذا ما وقفت في وجه سياسات تلك الأنظمة فإنها قادرة على تعطيلها، فلو أتينا إلى الأسرة البذرة الصغيرة للدولة فالمرأة حين تطالب بحقوقها تتعرض للاضطهاد والاستهداف، تحت مسمى العشائرية والعقائد الدينية والشرف، وذات الشيء بالنسبة للدولة فحين تقف في وجه انتهاكاتها التي ترتكب بحقها فإنها تتعرض للاستهداف والقمع"، تضيف بيريتان إيرلاند.

وتتابع في السياق ذاته، "النساء في شمال كردستان يتعرضن لاستهداف وقمع بشكل شبه يومي، فالعديد من المعتقلات السياسيات اللاتي يعانين من وعكة صحية لا يتم الإفراج عنهن، مثال على ذلك آيلسار تولغ الشخصية الأولى التي اقتدت بفكر القائد عبدالله أوجلان، وفي شخصها يستهدفون تنظيم المرأة ومقاومتها، وبنفس الشكل يضطهدون الإعلاميات".

ذكرت المراسلة بيريتان إيرلان تكميم الأفواه المفروض على الصحفيات في شمال كردستان، إذ تشير إلى تعرض الصحفيات للاعتقال والتهديد عند تغطية حدث ما، أنهن يضعن كافة الاحتمالات أمام أنظارهن، النبع الذي شربنا منه الماء هو نفسه الذي شربت منه الشهيدة الصحفية الأولى غربتلي آرسوز.

أكثر من 70 % من الطاقم الإعلامي في شمال وشرق سوريا إناث

وللمرأة حضور قوي داخل المؤسسات الإعلامية في شمال وشرق سوريا، حيث تعمل أكثر من 70% من الإناث في تلك الجهات الإعلامية المرئية منها والمسموعة، في تأكيد للمجتمع أن المرأة ناجحة في كل المجالات ولها تأثير كبير في الحراك السياسي والاجتماعي من خلال توصيفها للأوضاع وطرحها لها عبر وسائل الإعلام المتوفرة.

كما يسعى الأعلام الحر إلى تطوير مجال الإعلام وتوسيع العلاقات ومشاركة التجربة مع الإعلام خارج شمال وشرق سوريا، الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر في شمال وشرق سوريا، أفين يوسف توضح لعب المرأة دوراً بارزاً في صحفية "كردستان"، حيث طورت روشن بدرخان هذا الجانب في الصحيفة، من خلال تسليط الضوء على قضايا المرأة.

تشير الرئيسة المشتركة أفين يوسف إلى امتلاك الإعلام الكردي لمقومات قوية والحضور اللافت للمرأة فيها، بحسبها يفوق عدد المراسلات والمذيعات والإداريات في الوسائل الإعلامية في شمال وشرق سوريا أكثر من 70%.

لافتة الانتباه إلى فضائية جن تي في (JIN TV)، التي تتناول في نشراتها قضايا المرأة، وعدت افتتاحه "انتصاراً لثورة المرأة".

وعلى صعيد تطوير العلاقات الدبلوماسية، نوهت أفين يوسف إلى مواجهتهم بعض الصعوبات في التواصل مع الصحفيات في باكور (شمال كردستان)، بسبب عرقلة السلطات لعملهم، أما على الصعيد العالمي فقد تم التواصل بحسب أفين، مع العديد من الوسائل الإعلامية، كذلك تنظيمات المرأة.

وتوضح الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر، أفين يوسف في التزامهم بالقوانين الصادرة عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

 (ي م)

ANHA