​​​​​​​استعمار أخطر يهدد سوريا في ذكرى الجلاء.. كيف عاد؟ وما هي خيارات السوريين؟

تمرّ اليوم على السوريين، ذكرى جلاء المستعمر، إلا أن البلاد ومنذ السنوات الأولى التي أعقبت هذا الجلاء سارت بخطوات ثابتة نحو استعمارات واحتلالات جديدة، فمن الانقلابات وفرض حكم الحزب القومي الواحد وصولاً إلى تحول ما تسمى المعارضة إلى أداة بيد الطامعين، كلها ظروف أدت إلى وقوع سوريا بيد محتلين كثر أخطرهم تركيا، فما هي خيارات السوريين؟

​​​​​​​استعمار أخطر يهدد سوريا في ذكرى الجلاء.. كيف عاد؟ وما هي خيارات السوريين؟
الأحد 17 نيسان, 2022   00:03
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

يصادف اليوم الـ 17 من نيسان ذكرى جلاء الفرنسيين عن سوريا عام 1946 وإعلان قيام الجمهورية السورية، واليوم وبعد مرور أعوام، عادت سوريا لتعيش ليس فقط حالة انتداب، بل احتلالات جديدة وخطر يهدد مستقبل البلاد، بعد أزمة آذار/ مارس،2011.

مرحلة الاستقلال

"بنو وطني...هذا يوم تشرق فيه شمس الحرية الساطعة على وطنكم، فلا يخفق فيه إلّا علمكم، ولا تعلو فيه إلّا رايتكم...هذا يوم الحق؛ تدوي فيه كلمته، ويوم الاستقلال تتجلّى عزته، يوم يرى الباطل فيه كيف تزول دولته، وكيف تضمحل جولته. هذا يوم النصر العظيم والفتح المبين".

بهذه الكلمات، خاطب الرئيس السوري، شكري القوتلي، آنذاك جموع السوريين مهنّئًا إياهم باستقلال سوريا وجلاء القوات الفرنسية عنها، بعد احتلال دام قرابة 26 عامًا.

وساعدت آنذاك الظروف الدولية التي أتت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 السوريون في تحقيق استقلالهم، إذ أيدت منظمة الأمم المتحدة قرار استقلال سوريا ووحدتها، بأغلبية الأعضاء، وهكذا احتفلت سوريا حكومة وشعبًا بعيد الاستقلال لأول مرة في 17 من نيسان 1946 في عهد رئاسة شكري القوتلي.

مرحلة ما بعد الاستقلال.. ربيع لم يدم طويلًا

لكن القوتلي ومعه السوريون، لم يكونوا يعلمون أنّ ما هو قادم للبلاد قد يراه البعض أسوأ من فترة الاستعمار الفرنسي وأخطر.

وتلا مرحلة الاستقلال ربيع سوري، وبدأت الحياة السياسية تظهر في دمشق وباقي المدن السورية، وبدأ الناس في الجمهورية السورية بتداول الأحاديث السياسية فيما بينهم بعبارات مثل الديمقراطية والعدالة وحرية التعبير والنظام البرلماني، وشيئًا فشيئًا بدأت تتشكل الأحزاب السياسية على أنقاض الكتلة الوطنية التي انقسمت على بعضها بعد أن كانت تجمع الشعب السوري وتقود المفاوضات والثورات.

عام 1947 جرت انتخابات نيابية لمجلس نواب جديد يلي المجلس الذي انتهت مدته الدستورية، وخلال الحملة الانتخابية حصلت انقسامات قوية بين التجمعات السياسية، وبرزت إلى السطح نزعات مناطقية محتدة المصالح، فقد تجمّع الدمشقيون وممثلوهم من زعماء دمشق في تحالف ليكون لهم السبق في نيل السلطة، وفي الشمال جرت تحالفات منها ما هو بالمرصاد لتحالف دمشق، وهكذا وبدرجة أخف في بقية المحافظات.

فرض القومية الواحدة يغير مسار الجمهورية السورية

لكن ذلك لم يدم طويلًا، حيث ساهمت "عصبة العمل القومي" في وضع الأسس الفكرية والتنظيمية للعروبة الراديكالية كما وصفها الكثير من الخبراء، التي طور حزب البعث نفسه على أساسها بعد الاستقلال.

وعلى إثر ذلك، بدأت مرحلة الانقلابات في سوريا، وصولًا إلى وضع حزب البعث يده على السلطة. وتحوّلت سوريا فيما بعد تدريجيًّا إلى دولة قومية يحكمها حزب واحد، وغابت عنها أدنى الحقوق والحريات.

التجييش القومي والطائفي الذي مارسه حزب البعث في سوريا، أدّى مع مرور الوقت إلى انقسام المجتمع السوري، وعلى الرغم من القبضة الأمنية والعسكرية المشدّدة، إلّا أن ذلك لم يمنع حدوث مظاهر عصيان وانتفاضات، أبرزها أحداث حماة عام 1982، وسجن تدمر، وانتفاضة قامشلو في 2004.

وتراكمت هذه المشاكل وصولًا إلى العام 2011، حيث بدأت الأزمة السورية و استغلتها الدول الطامعة في الأراضي السورية، واستغلت روسيا وإيران ضعف حكومة دمشق، بينما استخدمت تركيا ما تسمّى المعارضة السورية لاحتلال العديد من الأراضي السورية.

في ذكرى الجلاء.. غصة وألم كبير

/ar/uploads/files/2022/04/16/170913_talyq-twdhyhy-2022-04-16-200904.webp

رئيس حزب سوريا أولًا، سلمان شبيب، تحدث حول ذلك، قائلًا: "مع الأسف تأتي هذه المناسبة الوطنية وسوريا ليست بأفضل أحوالها وكان يفترض أن يشارك الشعب السوري كله بمختلف مكوناته وأطيافه السياسية والمجتمعية بالاحتفال فيها، ولكن واقع الحال ووقوع أجزاء عزيزة من أرضنا السورية تحت الاحتلال من جديد يجعل هذه المناسبة الغالية، مناسبة استقلال سوريا، تمر وفي قلوبنا غصة وألم كبير".

وأضاف شبيب "بالتأكيد تتحمّل السلطة السياسية القائمة مسؤولية كبيرة عن وصولنا إلى هذه المرحلة المؤسفة ولا يعفيها تكالب بعض الدول علينا واشتراكها في التآمر على بلدنا وهو ما كشف البعض منه رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم في لقائه المطول مع صحيفة القبس".

الاستبداد السياسي مهد الطريق لعودة الاستعمار

السياسي السوري، وضع عدة أسباب لعودة الاحتلال، قائلًا: "إن الاستبداد المزمن لعقود وتصحر الحياة السياسية، والاستئثار بالحكم وقمع القوى الوطنية والتقدمية وحتى الليبرالية، والفساد الذي تغول وأصبح هو القاعدة التي تحكم حياتنا الاقتصادية وغياب الحريات والديمقراطية، كله مهد الطريق للأحداث التي عصفت بسوريا منذ العام ٢٠١١ والتي بدأت باحتجاجات شعبية رفعت شعارات مطلبية مشروعة، اعتُمد الحل الأمني لمواجهتها وسرعان ما ركبت موجتها القوى المتطرفة، وفتح الباب واسعاً أمام المؤامرات الخارجية والدول الطامعة بأرضنا كتركيا وغيرها مما أوقع أجزاء غالية من سوريا تحت الاحتلال".

وأوضح في هذا السياق "بالتأكيد يتحمّل الحزب الذي حكم سوريا أكثر من نصف قرن بشكل منفرد وإقصائي وبعقلية قومية تعسفية لا تتناسب مع تعددية المجتمع السوري الذي يضم مكونات دينية وطائفية وقومية متنوعة، المسؤولية الأكبر عن التوترات الاجتماعية والعرقية التي سبقت اندلاع الأحداث وأوجدت الأرضية المناسبة لها".

وأضاف "لقد فشلت تجربة الحزب الواحد في العالم وانهار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، ولكن ذلك كله لم تأخذ منه السلطة السياسية القائمة والتي تحكم سوريا منذ عقود باسم حزب البعث الدروس التي كان من الممكن أن تجنب بلدنا الويلات التي يعيشها وأخطرها بالتأكيد عدة احتلالات تجثم بوحشية على أرضنا".

ما تسمى بالمعارضة السورية فاقمت المأساة السورية

رئيس حزب سوريا أولًا، وضع اللوم الأكبر على ما تسمى المعارضة، قائلًا: "إن ما فاقم المأساة السورية هو عدم وجود معارضة وطنية حقيقية تقدم الخيار الأفضل للشعب السوري من خلال برامج عمل وطنية تنسجم مع مصالح السوريين وتعبر عن أمالهم وطموحاتهم".

وأردف "لكن ما حدث هو أن من تصدر مشهد المعارضة وتم التعامل معه من قبل المجتمع الدولي وتلقى كل أشكال الدعم من بعض الدول العربية هو مجموعات من اللصوص والمرتزقة والهامشيين والوصوليين الذين تم تجميعهم مع بعض الشخصيات المعارضة من قبل الدول الخليجية وتركيا بمباركة من الغرب ضمن ما سمي مؤسسات تمثل السوريين وتم استبعاد القوى والشخصيات الوطنية المعارضة".

وأضاف "إن هذه المعارضة المصنعة وضعت نفسها في خدمة من أنتجها وتبناها ورعاها ضاربة عرض الحائط بالمصالح العليا للشعب السوري، ومارست فعل الخيانة العلنية عندما ساعدت الطامع التركي على احتلال أراضي ومدن وبلدات من وطنها، ورفعت علم الاحتلال وقتلت واغتصبت وشردت ونهبت من يفترض أنهم شعبها الذي تمثله، وأكثر من ذلك ارتضت لنفسها أن تحول الشباب السوري إلى مرتزقة يقاتلون لخدمة الأهداف التركية التوسعية في ليبيا وأذربيجان وغيرها". 

الاحتلال التركي هو الأخطر على وحدة سوريا وسيادتها

وحول أي الاحتلالات هو الأخطر على سوريا، قال السياسي السوري: "بالتأكيد أن الاحتلال التركي والأطماع التركية الواضحة والمعلنة بالأرض السورية تشكل التهديد الأخطر لوحدة سوريا وسيادتها، وهذا ما أكدنا عليه بحزب سوريا أولًا، بشكل دائم ومستمر من خلال وسائل التواصل أو عبر وسائل الإعلام المحلية والخارجية، فماذا يفيدنا كسوريين إذا وقعت تركيا على عشرات البيانات التي تؤكد على وحدة الأرض السورية وأصدرت مئات التصريحات التي تعلن فيها تمسكها بسيادة سوريا، وهي تقوم كل يوم بل كل ساعة بممارسات على الأرض تتناقض مع هذه البيانات وتقوض وحدة سوريا وتنتهك سيادتها".

وأَضاف "إن الممارسات التركية من تغيير ديمغرافي وإلحاق المناطق السورية التي تحتلها بالبنية الإدارية التركية، وإقامة الجامعات والمدارس التركية وفرض الهويات واللغة التركية والتعامل بالليرة التركية وغيرها، تؤكد أطماعها ونواياها بترسيخ احتلالها وتحويله إلى حالة دائمة، وأنها لن تنسحب إلا مكرهة، وقد قلت يوم احتلال عفرين وكنت على التلفزيون الرسمي السوري إننا سنواجه مشكلة لواء اسكندرون جديد".

دمشق و"المعارضة" جعلا سوريا تواجه لأول مرة في تاريخها تهديدًا وجوديًّا

وأعاد رئيس حزب سوريا أولًا، التذكير بمسؤولية كل من حكومة دمشق وما تسمى بالمعارضة السورية عن ذلك، قائلًا: "السلطة القائمة بممارساتها القمعية التي واجهت بها المطالب المشروعة للشعب بالحريات والديمقراطية، وأقصت كل القوى السياسية الأخرى وعملت على تفتيتها وشرذمتها وتنكرت لتعددية المجتمع السوري، ولم تحترمها أو تراعيها وحاربت بشراسة التيارات التنويرية المعتدلة، مما أفسح المجال للتطرف بكل أشكاله ليصادر عقول الشباب السوري، ويوجهه إلى خيارات تدميرية والمعارضة التي تصدرت المشهد بكل انحرافاتها الوطنية والأخلاقية، وقبولها أن تكون ألعوبة بيد الدول الإقليمية تعمل لخدمة مشاريعها وأجنداتها في سوريا وغيرها بعيداً عن أهداف الشعب السوري ومصالحه".

وأضاف "هذان الطرفان أسهما بوصول سوريا إلى هذه الحالة الكارثية التي تمر بها وجعلاها تواجه لأول مرة في تاريخها هذا التهديد الوجودي الذي يتعلق بحاضرها ومستقبلها وحتى بقائها كدولة موحدة ذات سيادة".  

وحدة مكونات سوريا كفيلة بإنهاء الاحتلالات

وحول سبل مواجهة هذه التحديات والمخاطر، قال السياسي السوري: "المخاطر الكبيرة التي تهدد سوريا تفرض على جميع القوى الوطنية تغليب لغة الحوار والانطلاق من الحسابات الوطنية السورية بعيداً عن أي حسابات أو مصالح فئوية ضيقة".

وأضاف "إن وحدة الشعب السوري بكل مكوناته وقواه ضمن شراكة وطنية حقيقية هي وحدها الكفيلة بتحرير أراضينا المحتلة وصياغة مشروعنا لسوريا المستقبل، سوريا دولة المواطنة والقانون، دولة الحريات والديمقراطية، سوريا التعددية المزدهرة بجميع ولجميع مكوناتها بحقوق وواجبات متساوية بعيدًا عن أي إقصاء أو تهميش".

ووجه السياسي السوري رسالة إلى السوريين، قائلًا: "نحن نعيش مناسبة الجلاء علينا أن نتذكر التاريخ الذي علمنا إن الاستقواء بالأجنبي، وخاصة المحتل ليس هو الخيار السليم أو المفيد وإنه تحت سقف الوطن وبلغة الحوار الجاد المخلص بين أبناء الوطن يمكن الوصول إلى حلول متوازنة لكل القضايا مهما كانت شائكة".

وفي ختام حديثه، قال رئيس حزب سوريا أولًا، سلمان شبيب: "لقد قلت مرارًا على وسائل الإعلام وأعيده هنا إن نجاح الحوار بين الدولة السورية والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية يمكن أن يؤسس لقيامة سوريا الجديدة وهذا ما ينتظره ويتطلع إليه كل سوري وطني شريف ونتمنى الوصول إليه سريعًا".

(ش ع)

ANHA