اللبنانيون يستقبلون شهر الخير بغصّة

يستقبل اللبنانيون شهر رمضان بغصّة، وسط صعوبات في تأمين الطعام وشراء السلع، فالوضع المتدهور عكّر فرحتهم بقدوم شهر الخير.

اللبنانيون يستقبلون شهر الخير بغصّة
الأربعاء 6 نيسان, 2022   02:42
بيروت - زياد أبو غزالة

يستقبل اللبنانيون شهر رمضان في ظل أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية غير مسبوقة، تحرمهم فرحة وبهجة الاحتفاء بالشهر الفضيل الذي ينتظرونه سنوياً من عام إلى آخر، من أجل ممارسة العديد من الطقوس الدينية والرمضانية والعادات الاجتماعية، التي كانت تكثر فيها موائد الإفطار والسحور الغنية بأشهى المأكولات والحلويات والتي كانت تجمع الأسر مع بعضها البعض إلى جانب الأصدقاء والأحباء، إما في المنازل أو في المطاعم أو في الساحات العامة التي كانت تزدان بالأضواء المنوعة والزينة الرمضانية في الشوارع والأحياء والبيوت، لا سيما هلال وفانوس رمضان.

اليوم وبسبب تقلص القدرة الشرائية للمواطنين في لبنان، فإن معظم هذه العادات والطقوس الرمضانية ستغيب مظاهرها بشكل ملحوظ عن العديد من المنازل والأسر، وستبقى حكراً على الميسورين، وذلك نظراً للغلاء غير المعقول في أسعار المواد الغذائية والخضار والفواكه واللحوم والدجاج والحلويات، والتي باتت تُعتبر من الكماليات لدى العديد من المواطنين الذين باتوا يرزحون تحت خطّ الفقر.

وعلى عكس السنوات الماضية التي كانت تعجّ فيها الأسواق بحركة المواطنين، فإن حركة الأسواق خجولة، لا بل شبه معدومة هذه الأيام، وحتى الشوارع تفتقد إلى الزوار وإلى الإنارة والزينة والأضواء التي غابت معالمها، وحلّت محلها العتمة بسبب غياب الكهرباء واعتماد التقنين القاسي من قبل أصحاب المولدات الكهربائية، فضلاً عن الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات، حيث بات المواطنون يحسبون ألف حساب في تنقلاتهم التي باتت مقتصرة على ما هو ضروري فقط.

ولهذه الأسباب مجتمعة، فإنّ الموائد الرمضانية ستغيب عن معظم المواطنين، وستغيب معها العديد من أطباق المأكولات، ومنها على سبيل المثال طبق "الفتوش"، وهو الطبق الأساسي الذي يجب أن يكون حاضراً إلى جانب الكبّة والبطاطا المقلية والمشوية والجلاب والتمور وسواها من المأكولات والحلويات ومكوّنات السفرة اللبنانية الرمضانية التي لم يعد بمقدور الكثيرين شراءها.

فطبق الفتوش لنحو أربعة أشخاص على سبيل المثال، بات يكلف ما يقارب 200 إلى 300 ألف ليرة لبنانية، بعد أن لامس سعر كيلو البندورة الأربعين ألف ليرة، والخيار الـ 35 ألفاً، والخس العشرين ألفاً والبصل العشرة آلاف، وباقة البقدونس 8000 ليرة، والفجل بـ 7000 ليرة، ناهيك عن الزيت الذي بات عملة نادرة ومفقودة.

المائدة الرمضانية في خطر

وعلى الرغم من الغلاء، يُحاول بعض اللبنانيين جدولة حساباته في ظل أزمة تفتك بهم، فالكثير من الأطباق التي كانت تُزيّن المائدة الرمضانية مهددة بالغياب، فالفتوش الذي كان يتربع على عرشها، إلى جانب الكبّة والجلاب وغيرهما من مكونات السفرة الرمضانية اللبنانية، أضحت أسعارها خارج قدرة الكثيرين، وبين الطبق الرئيس للإفطار والسحور، ستغيب حكماً عناصر أساسية كاللحوم، مع وصولها إلى مستويات بعيدة عن متناول العديد من الأسر.

"كيف سيتمكن المواطن من تأمين إفطاره؟" هكذا تختصر سامية الندوة، أمٌّ لثلاثة أولاد، قلقها من عدم قدرتها وزوجها على تأمين الإفطار لأولادها، حالها كحال غالبية اللبنانيين، إذ أوضحت لوكالتنا أنها بخلاف الأعوام السابقة، لم تتمكن من الاستعداد والتموين للشهر الكريم، ووجبة الإفطار بالكاد ستتكون من طبخة واحدة.

وأضافت أنه "لم أتمكن من تحضير أي شيء قبل حلول رمضان، فالكهرباء غير موجودة وإن توافرت، فسعر مستلزمات السمبوسك من أجبان ورقاقات مرتفع، وكذلك اللحوم والدجاج، كما أن سعر غالون الزيت بلغ نصف مليون ليرة".

وأكدت أنه "حتى مكونات صحن الفتوش باتت تحتاج لميزانية مع ارتفاع أسعار الخضار، رمضان هذا العام مختلف عن السابق، حتى العصائر من تمر هندي وجلاب، كما الحلويات الرمضانية من قطايف وكلاج وحلاوة الجبن ستكون خارج قائمة رمضان، وتذوقها سيكون لمرتين كحد أقصى خلال الشهر في ظل دخل محدود لا يكفي لأسبوع واحد في الشهر".

رمضان الأصعب

"رمضان هذا العام مختلف عن السابق كثيراً"، هذا ما قاله عدنان قدورة لوكالتنا عن الصعوبات المعيشية، وأضاف: "مثلاً كنا نشتري كيلو السكر بـ 3 آلاف ليرة، أما اليوم يصل سعره إلى 25 ألف ليرة، وكذلك الحال بالنسبة لأسعار كافة المواد الغذائية".

وتساءل قدورة: "كيف سيتمكن المواطن من تأمين إفطاره؟.. مع الأسف، لاحظت أن بعض المواطنين تمنّوا أن يتأخر رمضان قليلاً هذا العام، لأن وضعهم المعيشي تعيس جداً".

وعادة تشهد محال بيع الزينة الرمضانية في بيروت، إقبالاً كثيفاً قبيل حلول شهر رمضان، لكن المشهد هذا العام اختلف عن السابق.

وقال "أبو علي" أحد أصحاب محال بيع الزينة الرمضانية: "سابقاً كان يزدحم محلنا بالزبائن لشراء الزينة استقبالاً للشهر الفضيل، لكن اليوم الإقبال على شراء الزينة أصبح ضئيلاً".

وأضاف أن "الأزمة الاقتصادية أثّرت بشكل كبير على عملنا، حيث لم نعد نستطيع تأمين البضائع كما في السابق، وانخفضت نسبة بيع الزينة، نظراً لارتفاع أسعارها".

لبنان والتحرك العسكري الروسي في أوكرانيا

يشهد لبنان منذ صيف العام 2019 انهياراً اقتصادياً متسارعاً، حيث فقدت "العملة المحلية نحو 82 في المائة من قوتها الشرائية مقابل الدولار، ما بين عامي 2019 و2021" بحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا".

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، أشار تقرير "الإسكوا" إلى أن "الفقر تفاقم في لبنان إلى حد هائل في غضون عام واحد فقط، إذ أصبح يطال 74 في المائة تقريباً من مجموع السكان، وإذا ما تم أخذ أبعاد أوسع من الدخل في الاعتبار، كالصحة والتعليم والخدمات العامة، تصل نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد إلى 82 في المائة".

ومع بدء التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، تأثرت المواد الغذائية الرئيسة كالقمح والحبوب والزيت، فارتفعت أسعارها مع التلويح بفقدانها من الأسواق، وللحد من تأثيرات الحرب المدمرة أعلنت السلطات اللبنانية اتخاذها قراراً لحظر تصدير لائحة من المواد الغذائية المصنعة في لبنان إلا بعد حيازة إجازة تصدير صادرة عن وزارة الصناعة.

وفي هذ السياق، أكد وزير الصناعة جورج بوشكيان أن "قرار الوزارة يأتي في إطار رؤية بعيدة المدى للمحافظة على حد مطلوب من المخزون الاستراتيجي الغذائي تحت سقف سياسة الأمن الغذائي الواجب التمسك بها وعدم التفريط بمكوناته وبحاجات الناس الأساسية والضرورية".

وقال إن "الأزمة العالمية قد تطول ولا أحد يمكنه التوقع بتاريخ انتهائها ولا بالأضرار والانعكاسات التي ستخلفها في الدول والمجتمعات"، قائلاً "لذلك، يصب قرارنا في سياسة حمائية ورادعة ومانعة لحصول نقص أو احتكار أو استغلال، ولا علاقة له بحرية التجارة أو الحد من التصدير الذي ما زلنا نشجّعه وندعمه إلى أقصى الحدود لسلع ومنتجات غير غذائية، حتى جلاء الأمور وعودتها إلى طبيعتها والسماح مجدّداً بتصدير كل السلع".

(ح)

ANHA