درعا... "التسويات" تكتيك حرب والحل في إدارة لا مركزية وعقد اجتماعي يضمن حقوق الجميع

تشهد مدينة درعا - الخاضعة لما تسمى تسويات حكومة دمشق- توترات أمنية وعمليات اغتيال متكررة تستهدف عناصر من قوات الحكومة، عقب التصعيد العسكري للأخيرة الذي تزامن مع الذكرى الـ11 للأزمة السورية، وأكد سياسي سوري أن هذه التسويات لم ولن تفضي إلى إنهاء الأزمة وإنما هي بمثابة تكتيك حرب، وأن الحل يكمن في بناء إدارة لامركزية وعقد اجتماعي يضمن حقوق الجميع.

درعا... "التسويات" تكتيك حرب والحل في إدارة لا مركزية وعقد اجتماعي يضمن حقوق الجميع
الجمعة 25 آذار, 2022   01:12
مركز الأخبار - ليلاف ديواني

اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات حكومة دمشق ومسلحين محليين في مدينة جاسم بريف درعا الشمالي بالتزامن مع دخول الأزمة السورية عامها الـ 12، وذلك بعد أن داهمت دورية أمنية تابعة للأولى المدينة، وطوقت بعض الأبنية السكنية في محاولة منها لاعتقال مجموعة من المسلحين المحليين الرافضين لما يسمى "التسويات" التي أطلقتها حكومة دمشق برعاية روسية في أيلول العام الفائت.

وأسفرت العملية عن مقتل شاب وإصابة 4 آخرين بينهم طفل برصاص عشوائي، وعلى إثر الاشتباكات انعدمت الحركة بشكل شبه تام في المدينة، وفق ما أفاده المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبعد احتدام الاشتباكات، وصلت تعزيزات عسكرية إلى محيط المدينة، حيث كانت الحكومة تحشد جنودها أمام المركز الثقافي بالمدينة، مقر فرع أمن الدولة حالياً، فضلاً عن التعزيزات التي استقدمتها الحكومة قبيل يوم من المداهمة واندلاع الاشتباكات، وتمركزت جميعها في الجمرك القديم والصوامع والملعب البلدي ومناطق من درعا البلد والمحطة، أتت بالتزامن مع الدعوات التي أطلقها نشطاء للخروج بمظاهرات في درعا لإحياء الذكرى الـ11 للأزمة السورية.

"جس نبض أبناء درعا.. ومفاوضات بعد فشل"

وفي تصريح خاص لوكاتنا، بيّن العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب ياسين البلخي، أن مدينة جاسم شهدت أحداث عدة بعد التسويات التي حاولت الحكومة فيها فرض رؤيتها بالشدة والقوة، إلا أن أهالي المدينة تصدوا أحياناً بحزم لهذه السياسات وهذا ما دفع الحكومة لتنفيذ عمليتها العسكرية، وقال: "عانت المدينة من فقدان الأمن إثر الاغتيالات وانتشار السرقات وتفشي طاعون المخدرات وعمليات الخطف والفساد من قبل القائمين على المسؤولية بالمنطقة، فضلاً عن الحالة المعيشية المزرية. كل هذا الصدام حتميٌ بين السكان وما تسمي نفسها بالحكومة، فكما كان يتم اغتيال الأحرار قابله الأمر اغتيال من يمرر سياسة النظام بالمنطقة تحت اسم المجلس المحلي".

وتابع: "هذا ما دفع النظام إلى القيام بعملية عسكرية لجس النبض، ولكن تم الرد عليه بحزم فاستقدم تعزيزات عسكرية ومني بخسائر كبيرة فسارع إلى طلب هدنة ومفاوضات أخرى تحت رعاية اللواء الثامن المدار من قبل روسيا".

وفي أعقاب هذه الاشتباكات، اجتمع وجهاء من مدينة جاسم مع ضباط من قوات حكومة دمشق وأجهزتها الأمنية في الفرقة التاسعة، وحضور قوات من اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من حميميم وقوات من الشرطة العسكرية الروسية، للبدء بتفاوض جديد.

وطلبت الحكومة والشرطة الروسية تسليم 10 أشخاص من أبناء المدينة، أو تهجيرهم إلى شمال سوريا، وهو ما رفضه المجتمعون. في حين حمّلت قيادة الفيلق الخامس، تدهور الأوضاع للجنة المركزية في المدينة في حال عدم تنفيذهم لشروط المجتمعين.

وعلق ياسين البلخي على ذلك قائلاً: "المفاوضات ليس كما يدعي النظام بأنها مساع للعودة إلى الهدوء، وإنما هي في الحقيقة موت بطيء للسكان من خلال التهديد وترسيخ عدم الاستقرار وخلق النزاعات، لتحويل الهدف من السعي للحرية إلى البقاء على قيد الحياة وسط شريعة الغاب".

ردود أفعال ثأرية

وعقب التصعيد العسكري الذي نفذته حكومة دمشق في مدينة جاسم، شهدت مدينة درعا تظاهرات تطالب بإطلاق "سراح المعتقلين وإسقاط النظام"، وعمليات استهداف متكررة لقوات حكومة دمشق أسفرت عن مقتل وإصابة العديد من عناصرها بهجمات مختلفة، آخرها كان اغتيال "رئيس المجلس البلدي" لمدينة الصنمين في ريف درعا الشمالي، من خلال استهدافه بالرصاص من قبل مسلحين مجهولين في المدينة.

وأتى ذلك بعد أسبوع من حادثة اغتيال "رئيس المجلس المحلي" لمدينة جاسم، من قبل مسلحين مجهولين، سبقه استهداف عنصر في "شعبة الاستخبارات العسكرية" التابعة لحكومة دمشق، برصاص مجهولين في قرية محجة شمال درعا، ووقوع انفجارين متتاليين بعبوتين ناسفتين نجما عن استهداف دوريتين منفصلتين لـ "شعبة الأمن السياسي" التابعة لحكومة دمشق على الأوتوستراد الدولي "دمشق – درعا"، مما أسفر عن سقوط جرحى.

فوضى واغتيالات

ولا تزال مدينة درعا تشهد توترات أمنية بين الفينة والأخرى وفوضى رغم ما تسمى "التسويات والمصالحات" التي أجرتها حكومة دمشق في المدينة ولمرتين الأولى بعد عام 2018 والثانية عام 2021، إذ تزايد معدل الاستهدافات بشكل كبير مع بداية العام الحالي، بعضها يطال عناصر من قوات دمشق والأجهزة الأمنية التابعة لها وبعضها يطال المدنيين أو المسلحين المحليين السابقين ممن أجروا التسويات.

وبلغت حصيلة الاستهدافات في درعا، منذ مطلع شهر كانون الثاني/ يناير (أي ما بعد التسويات) وفقاً لتوثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان، 101 استهداف جرت جميعها بطرق وأساليب مختلفة، وتسببت بمقتل 82 شخصاً، هم: 42 من المدنيين، و30 عسكري تابعين لحكومة دمشق والمتعاونين مع الأجهزة الأمنية وعناصر ما تسمى "التسويات"، و5 من المسلحين السابقين ممن أجروا "تسويات" ولم ينضموا لأي جهة عسكرية بعدها، ومرتزق سابق من داعش و3 مجهولي الهوية وعنصر من المسلحين الموالين لروسيا.

"إخضاع الشعب.. وتعنت"

وأكد ياسين البلخي أن ما تسمى التسويات "لم تكن يوماً حلاً للأزمة بل كانت بمثابة تكتيك حرب ونقل معركة من حالة إلى أخرى بالنسبة للنظام، أما للمعارضين فكانت بمثابة فرض أمر واقع يحدد خياراتهم إما الموت تحت بطش السلاح الروسي والإيراني أو القذف بالوقت إلى وقت آخر لحين بروز حالة أخرى تسمح لهم بالمتابعة من جديد".

ويرى مراقبون وسياسيون أن حكومة دمشق تؤدي دوراً سلبياً بإصرارها على حل الأزمة السورية وفقاً لذهنيتها وسلوكها المستغل للوضع المتردي لأبناء سوريا، في سبيل توسعة نفوذها واتباع إجراءات "مصالحة" خالية من المعايير الوطنية، بدلاً من الحوار مع الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية لإنهاء الأزمة التي دخلت عامها الـ12 محملة بعشرات آلاف المعتقلين وملايين المشردين والمهجرين، ونحو 610 آلاف قتيل.

ومنذ أعوام، تدعو الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا حكومة دمشق للجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإيجاد حل جذري للأزمة، بينما الأخيرة لم تصدر أي تصريح بقبول الحوار.

ويقول البلخي في هذا السياق، "النظام متمسك بالحل الوحيد الذي يعرفه ولا يعرف بديلاً عنه، الحل الذي يكمن باتباع أسلوب القوة الغاشمة أو قوة الموت البطيء، وهذا دمار للنسيج الاجتماعي بالمنطقة وقتل للاقتصاد، وحالة كما عبر عنها مرات عديدة إما بقاؤه كما هو أو الموت للجميع".

ويضيف: "هذه السياسة متبعة على مدار سنوات الثورة وقيام الاحتجاجات الجهرية، ولكنها اتبعت بأسلوب خفي ناعم، وحالة النظام هي اليوم كحالة أي استعمار خارجي للبلد، وهذا حقيقي رغم أنها تظهر أن الحكم لنظام يقال أنه ينتمي لهذا الوطن"، مؤكداً أن الشعب السوري لن يحكمه الاحتلال للأبد لأن هدف الحرية ينتقل من جيل إلى جيل إلى أن تتحقق إرادته.

إدارة لامركزية وعقد اجتماعي

ويرى العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب ياسين البلخي، أن حل الأزمة السورية يكمن في بناء إدارة لامركزية، وإعطاء الشعب حقه من خلال إجراء انتخابات عادلة يرشح فيها الشعب من يريد لإدارة كل منطقة وفق مقدراتها وتنميتها لإعادة الإعمار على أسس سليمة، وكذلك إيجاد عقد اجتماعي يجمع بين كل مكونات الشعب السوري ويلغي مبدأ تسليط فئة على حساب حقوق أخرى، وتكوين وساطة جامعة ودستور حقيقي يحترمه الجميع.

(ح)

ANHA