من أوكرانيا إلى لبنان.. ارتفاع الأسعار تهدد المواطنين في أسباب معيشتهم

يشهد لبنان ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المحروقات وعودة الطوابير. ويفاقم ارتفاع الأسعار معاناة اللبنانيين ويهدد مناحي الحياة، لا سيما قطاع الاستشفاء، وبخاصة مع التصريحات باحتمال توجه عدد من المستشفيات إلى الإغلاق. فكيف سيتعامل اللبنانيون مع هذه الأزمة، وهل يوجد خطة حكومية للتقليل من مخاطر المرحلة؟

من أوكرانيا إلى لبنان.. ارتفاع الأسعار تهدد المواطنين في أسباب معيشتهم
الخميس 24 آذار, 2022   03:54
بيروت - زياد أبو غزالة

ما يزال اللبنانيون يعيشون آثار صدمة ارتفاع أسعار النفط العالمية على خلفية التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا. وعلى الرغم من تراجع الأسعار العالمية خلال اليومين الماضيين، وانعكاس ذلك بشكل طردي على أسعار المحروقات في لبنان، إلا أن هذا التراجع لم يخلص المواطن اللبناني من عبء سعر الوقود، الذي وثب في أسبوع واحد وثبتين قياسيتين، جراء زيادة الأسعار في سوق النفط العالمية.

ارتفع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 463000 ليرة، والبنزين 98 أوكتان إلى 473000 ليرة، والمازوت إلى 489000 ليرة، وأخيرًا الغاز إلى 311000 ليرة. وقد عاودت أسعار المحروقات في لبنان الانخفاض، بسبب "تخطي المجتمع الدولي فترة الهلع نتيجة اندلاع الحرب في أوروبا التي أدّت إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًّا إلى مستويات لم نشهدها منذ سنة 2008"، وفقًا لعضو نقابة أصحاب المحطات جورج البراكس، وذك طبعًا "بالرغم من ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء الذي حد من نسبة انخفاض الأسعار".

تداعيات التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا لم تغير الإعدادات في بورصة النفط العالمية، وإنما فتحت الباب على خسارات كبرى تلحق بشعوب المنطقة ومنها اللبنانيون. فالأمر لا يقتصر على البنزين والمازوت والغاز، وإنّما يتعداه إلى الأمن الغذائي والحاجة إلى تأمين القمح، الذي تعد أوكرانيا من أبرز مصدريه في العالم. ومع ذلك لا تقف الأخطار عند هذا الحد، فلبنان اليوم يواجه كابوسًا فعليًّا مع ارتفاع أسعار الأعلاف الحيوانيّة، مما سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن ومشتقات الحليب، المنتجات باهظة الثمن أصلًا في لبنان، والتي باتت حكرًا على الأغنياء، بعد أن وصل كيلو اللحم على سبيل المثال لا الحصر إلى أكثر من 10 دولارات، والأزمة الخانقة إلى اتّساع.

المستشفيات.. شبح الإغلاق على الأبواب

وتتسع الأزمة في لبنان، فتقتحم المستشفيات وتهدد بضرب القطاع الحيوي. فتداعيات الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات لم تعد مقصورة فقط على زيادة التعرفة الاستشفائية، وإنَّما أصبحت المستشفيات نفسها في مرمى الاستهداف والإغلاق إلى غير رجعة، وذلك بعدما ثقلت الأحمال جميعها في ظل شح السيولة وتوقف الجهات الضامنة عن تسديد السلفات، التي ما تزال وعلى الرغم من كل شيء تُحتسب على سعر صرف الدولار القديم 1500 ل.ل.

وعلى أعتاب المصيبة الكبرى، حذر نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان سليمان هارون من سيناريو التوجه نحو الإغلاق التام في وجه المرضى، موضحًا أن سعر الألف ليتر من المازوت لامس الـ 1100$، رافعًا الكلفة اليومية للمريض الواحد إلى 45$، مع ترجيحات مؤكدة بألا يحصل مازوت المستشفيات على دعم الدولة. الأمر الذي يرسم مشهدًا قاتمًا تعجز فيه المستشفيات عن شراء المازوت لجهة تكلفته، وتعاني فيه أيضًا من غياب السيولة، في ظل حقيقة مرّة وهي أن المريض لم يعد بمقدوره تحمّل أي كلفة إضافيّة.

هكذا إذًا، بات الحديث عن عجز تام أمام أرقام خيالية لا تستطيع المستشفيات تأمينها، فوفقًا للنقيب، تحتاج المستشفيات شهريًّا إلى تأمين المازوت إلى نحو 90 مليون دولار، تعادل 3 مليار ليرة. مبلغ ضخم جدًّا لا يمكن معه بأي حال من الأحوال مواصلة تقديم الخدمات الاستشفائية للبنانيين، الذين خسروا أيضًا دعم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بعد توقفه عن تسديد السلفات الشهرية للمستشفيات.

خطة التعافي شرط مُلحّ للدعم

لم يعش لبنان في العصر الحديث أزمة كالتي يعيشها الآن. فالأوضاع الاقتصادية المزرية أحكمت الطوق على أعناق اللبنانيين وضاقوا ذرعًا بها، في ظل تدهور حاد في سعر صرف العملة الوطنية مقابل تحليق جنوني للدولار، لتأتي بعدها تداعيات التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا وتعصف بما بقي.

ومع معاناة اللبنانيين المالية والإنسانية والاجتماعية غير المسبوقة، تكبر الحاجة إلى تدخل دولي لتقديم الدعم اللازم وانتشال البلاد من الوحل المتحرك قبل فوات الأوان. لكن خطوة الإنقاذ هذه تتطلب مسؤولية كبيرة على الحكومة اللبنانية أن تبديها وتترجمها في وضع خطة للتفاوض.

وقد عبّر مدير دائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار عن ذلك، عبر دعوته الحكومة اللبنانية إلى إطلاق الخطة الاقتصادية الشاملة بشكل عاجل، منبهًا إلى أن الوقت بدأ بالنّفاد فعلًا. وأكد كومار في تصريح له في الـ 14 من آذار الجاري، وجود حاجة ملحة إلى إطلاق خطة للتعافي الاقتصادي، واعتماد خطة لإصلاح القطاع الكهربائي، في أسرع وقت ممكن ودونما أي تأخير، تمهيدًا لعملية الحصول على الدعم المنشود من المجتمع الدولي.

وكذلك طلب البنك الدولي من الحكومة اللبنانية التّصرّف وفقًا للأولوية، موضحًا أن نحو 800 مليون دولار أميركي يتم استخدامها لصالح مشاريع عدة في لبنان، ولكن مع حلول الأزمة الاقتصادية لم تعد تلك المشاريع أولوية في البلاد، مما يستدعي من الحكومة تحويل مخصصاتها لمشاريع أكثر أهمية عند الشعب اللبناني.

وأكد كومار أن الأزمات المستجدة في العالم تساهم في مفاقمة معاناة اللبنانيين، مشيرًا إلى أن البرنامج الطارئ لشبكة الأمان الاجتماعية "أمان" الممول من البنك الدولي يتضمن تقديم المساعدة النقدية للأسر الأكثر فقراً، والمساعدات لنحو87 ألف طفل تراوح أعمارهم بين 13 و18، كل ذلك بهدف بناء نظام شبكة أمان اجتماعية وطنية يسمح للبنان بمواجهة جميع الصدمات المستقبلية التي قد يتعرض لها.

وأوضح المدير في البنك الدولي أن الوضع اللبناني مؤلم للغاية، وأن الأزمة الراهنة تصنف من بين أسوأ ثلاث أزمات في العالم، إذ إن نصف الشعب اللبناني أصبح يقبع تحت خط الفقر، فيما بلغ التضخم المالي مستويات تبعث على القلق وتضرب خاصرة الفقراء، والتضخم الغذائي زاد بمعدل 400 في المئة، مسجلًا أكبر نفقات الأسرة اللبنانية، ليعيش اللبناني بذلك مرحلة لا إنسانية، أصعب صعابها تأمين لقمة العيش.

(ح)

ANHA