خلافات شخصية في البيتين الشيعي والكردي تحول دون انفراج الأزمة السياسية في العراق

تسعى القوى السياسية في العراق إلى بناء تحالفات فيما بينها، وتجاوز الخصام بهدف المضي قدماً في حل عقدة انتخاب رئيس الجمهورية لفتح الباب أمام انتخاب رئيس للحكومة، ويرى محلل سياسي عراقي أن الخلافات الشخصية في البيتين الكردي والشيعي تقف عائقاً أمام انفراج الأزمة السياسية في العراق.

خلافات شخصية في البيتين الشيعي والكردي تحول دون انفراج الأزمة السياسية في العراق
الجمعة 18 آذار, 2022   03:14
مركز الأخبار - شيماء علي

عقب فترة من الجمود في ملف انتخاب رئيس الجمهورية في العراق تم تحديد يوم الـ 26 من الشهر الجاري موعداً لانتخاب الرئيس، ولا يزال هذا المنصب يشكل العقدة الأكبر في المشهد السياسي العراقي، إذ بدون الانتهاء منه لا يمكن أن تتسلسل الأحداث السياسية لتصل إلى انتخاب رئيس الحكومة ومن ثم تشكيل الحكومة.

وحدد رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، يوم 26 من شهر آذار الحالي، موعداً لانتخاب الرئيس العراقي. كما أعلن عن قائمة نهائية بأسماء 40 مرشحاً لشغل المنصب الرفيع.

وبحسب بيان لمجلس النواب، فقد "استوفى 40 مرشحاً شروط الترشح لتولي منصب الرئيس، وفقاً للقانون".

ومن أبرز المرشحين كان الرئيس العراقي المنتهية ولايته، برهم صالح، وهو مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، وريبر أحمد، وزير داخلية حكومة جنوب كردستان وهو من عائلة البرزاني وممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسعى للاستيلاء على هذا المنصب أيضاً.

ويلهث الحزب الديمقراطي الكردستاني وراء رئاسة العراق على الرغم من وجود اتفاق التحالف الاستراتيجي بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني، وبحسب هذا الاتفاق فإن منصب رئيس العراق هو من نصيب الاتحاد، بينما منصب رئيس الإقليم من نصيب الديمقراطي.

وكما جرت العادة، فمنذ عام 2006، شغل منصب رئيس العراق، كل من الراحل جلال الطالباني وفؤاد معصوم على التوالي، ومن ثم الرئيس الحالي برهم صالح، فيما شغل منصب رئيس الإقليم كلّ من مسعود برازني ومن بعده ابن أخيه نيجيرفان برزاني.

انتخاب الرئيس العقدة الأكبر

وتعليقاً على ذلك قال محلل سياسي عراقي (فضّل عدم الكشف عن هويته لحساسية الوضع)، في تصريح لوكالتنا: "بلا شك، فإن ملف رئيس الجمهورية في العراق، لا يزال العقدة الأكبر في إطار تشكيل الحكومة الجديدة، كما هو معلوم في الدستور العراقي يتم انتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم الرئيس الجديد يكلف رئيس الكتلة الأكبر عدداً لتشكيل الحكومة".

وأضاف: "هناك إشكاليتان في هذا الملف الآن، تحولان دون إمكانية المضي قدماً في عملية تشكيل الحكومة. الإشكالية الأولى هي الخلاف داخل البيت السياسي الكردي المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية والإشكالية الثانية هي داخل البيت السياسي الشيعي وهي حول عملية تشكيل الحكومة. لا يزال موقف السيد الصدر يراهن على تشكيل حكومة أغلبية سياسية عبر التحالف مع تحالف السيادة الذي يمثل المكون السنّي والحزب الديمقراطي الكردستاني ممثلاً عن البيت الكردي".

وتابع في السياق ذاته: "في الوقت نفسه، لا تزال القوى السياسية الشيعية، لا سيما المرتبطة بإيران أو القريبة من إيران، مصرة على تشكيل حكومة توافقية كما جرت العادة في تشكيل الحكومات السابقة، سواء حكومة السيد عادل عبد المهدي أو حكومة مصطفى الكاظمي".

خلاف شخصي بين برزاني وصالح

فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه اختيار رئيس الجمهورية، قال المحلل السياسي العراقي: "شهدت المرحلة الماضية توافقات سياسية وتقسيم المواقع بين الطرفين الكرديين. ومن الواضح أن منصب رئيس الجمهورية من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني ورئاسة الإقليم من حصة الديمقراطي الكردستاني، ولكن أنا أعتقد أنه منذ عام 2017، أي منذ أن تم إجراء محاولة استفتاء إقليم كردستان العراق، حدث تغيّر في معظم القواعد السياسية، لا سيما في الإقليم. بالإضافة إلى أن تغيير القيادات السياسية بالنسبة للاتحاد الوطني ووفاة الرئيس جلال الطالباني وخروج الدكتور برهم صالح من الاتحاد الوطني وعودته مرة أخرى، كل هذه العوامل أدت إلى تغيير قواعد اللعبة والتفاهمات بين الحزبين الكرديين".

و "فيما يتعلق برئيس الجمهورية هناك شأن شخصي في إطار العلاقة، وهناك خلاف شخصي بين البرزاني وبرهم صالح، لذا نرى كل هذا الإصرار من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني على رفض ترشح السيد برهم صالح"، بحسب المحلل السياسي العراقي.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة لمنصب رئاسة الجمهورية، قال: "لغاية الوقت الحاضر لا تبدو ثمة مؤشرات باتجاه حسم القضية إذا مضت حكومة الأغلبية في مشروعها باتجاه اختيار رئيس الجمهورية. أنا أعتقد أنها تمتلك الأهلية لانتخاب رئيس الجمهورية، ولكن النقطة الفارقة في هذا الإطار أن السيد برهم صالح أيضاً يعمل على شق الصف فيما يتعلق بالتحالف الثلاثي. هناك محاولات في استمالة بعض النواب وهناك أيضاً وسائل ترغيب تقدم لبعض النواب من أجل عدم التصويت لمرشح الديمقراطي والتصويت لصالح السيد برهم".

وكانت المحكمة الاتحادية في العراق، قد اشترطت تحقق أغلبية الثلثين من عدد أعضاء البرلمان الكلي لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد، وبذلك يتحقق النصاب في الجلسة بحضور ثلثي مجموع عدد أعضاء البرلمان الكلي، وهذا ما يدفع القوى السياسية في العراق إلى بناء تحالفات بهدف كسب أكبر عدد من أعضاء البرلمان لصالح مرشحهم.

لا رسائل إيجابية من تقارب الصدر والمالكي

وبعد قطيعة طويلة بين زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، ورئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، حدث اتصال بين الطرفين في ظل حالة من الانسداد السياسي تشهده البلاد.

وأعلن مكتب الصدر في بيان، الخميس، أن زعيم التيار أجرى اتصالات هاتفية مع كل من مسعود البرزاني ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس تحالف السيادة خميس الخنجر، للتباحث حول بعض القضايا المهمة المتعلقة بالوضع العراقي الراهن.

وأثار هذا تساؤلات حول دوافع اتصال الصدر بالمالكي، وما إذا كان الأول قد رفع "الفيتو" عن الثاني للمشاركة في الحكومة، بالإضافة إلى مصير الإصلاح الذي طالما تحدث عنه زعيم التيار، واتهامه للمالكي بتأسيس الفساد في البلد وسقوط ثلث العراق بيد داعش عام 2014، بحسب مراقبين.

وحول ذلك، يقول المحلل السياسي العراقي: "لا تبدو ثمة رسائل إيجابية انبثقت عن الاتصال الذي جرى بين السيد مقتدى الصدر والسيد نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق. ظهرت أخبار بأن هناك انفراجة في الأزمة، وأن هناك قبول من السيد مقتدى الصدر بالحكومة التوافقية التي يراد تأسيسها وفق مشاركة جميع القوى السياسية الشيعية، وظهرت تصريحات أيضاً لقائد فيلق القدس قاسم قاآني الذي زار الحنانة، والتقى السيد الصدر وضغط على التيار الصدري من أجل القبول بمشاركة جميع القوى الشيعية. لكن طبعاً السيد الصدر لديه مشكلة شخصية مع السيد نوري المالكي، وهذا ربما يفسر طبيعة الخلاف الحاد الذي وصل بين الجانبين".

وتابع في هذا الإطار: "لغاية الوقت الحاضر، لا تبدو ثمة انفراجة لأي أزمة وحصل اجتماع مع السيد الصدر كان يحضره كل من محمد الحلبوسي وخميس الخنجر، وحضر أيضاً هادي العامري وفالح الفياض كممثلين عن الإطار التنسيقي ولم يخرج الاجتماع بأي نتائج. وخرجت تغريدة السيد مقتدى الصدر بحكومة أغلبية وطنية لا شرقية ولا غربية في دلالة واضحة على عدم الاستجابة للضغوط الإيرانية التي تمارس في هذا الصدد. وبالتالي لا توجد أي مخرجات لأي عملية اتصال بين السيدين المالكي والصدر".

التدخلات الخارجية تحول دون تشكيل حكومة الأغلبية

وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد وضعت نظام "المحاصصة الطائفية" في العراق عقب غزوها للعراق عام 2003، بحيث تتوزع المناصب الرئاسية في البلاد بين المكونات والأطياف على أسس طائفية، ولا يزال الحكم السياسي في هذا البلد مبنياً وفق هذا النظام الذي يرى فيه كثيرون مشكلة وليس حلاً لأزمات العراق.

وبموجب هذه المحاصصة يتولى رئاسة الجمهورية كردي، ويتولى رئاسة الوزراء شيعي، وتكون رئاسة البرلمان من نصيب السُنّة، وقد أبرز ذلك ظاهرة الفساد في البلاد.

وحول مخاطر هذا النظام، قال المحلل السياسي العراقي: "المسألة مختلفة الآن، السيد الصدر يبحث عن حكومة غير حكومة المحاصصة، إذ يبحث عن حكومة أغلبية سياسية سماها الأغلبية الوطنية على اعتبار أنه يريد إشراك الكرد والسنة فيها بعكس الحكومات التي تشكلت سابقاً والتي كانت حكومات محاصصة".

ويعتقد المحلل السياسي في هذا الصدد "أن هناك فرصة لإمكانية إنجاح حكومة الأغلبية إذا جرى التوافق على مجموعة من المحددات الرئيسة، ولكن تعقيد المشهد السياسي وتدخلات القوى الخارجية، لا سيما الإيرانية والأميركية منها، يحول دون تشكيل حكومة وفق توقيتاتها الدستورية".

كما تطرق المحلل السياسي العراقي إلى التدخلات التركية في الشأن العراقي، وقال: "قبل عملية إجراء الانتخابات كان هناك دور تركي من خلال التنسيق الذي جرى مع قادة المكون السني فيما يتعلق في محاولات جمع الحلبوسي والخنجر".

وأشار إلى أن لتركيا دور فيما يجري بالعراق منذ ما بعد عام 2003، وظهر دورها بشكل فعلي وحقيقي ابتداء من عام 2011، لافتاً إلى أن الدور التركي يتفوق على دور كثير من القوى الإقليمية ويتفوق ربما على دور عدد كبير من الدول العربية في العراق.

وأضاف: "نحن نعلم جيداً أن انبثاق تحالف السيادة الذي جمع الحلبوسي والخنجر كان بمباركة ورعاية تركية إماراتية وبالتالي كانت واحدة من دلالات انفراج العلاقات الإماراتية التركية وإنشاء تحالف السيادة كمكون للبيت السني".

وأكد أن هناك أيضاً تنسيق عالي المستوى مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأشار إلى زيارة نيجيرفان البرزاني الأخيرة إلى تركيا ولقائه أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك هناك، وقال إن هذا يوضح الدور التركي في المشهد السياسي العراقي.

الواقع الاقتصادي المنهار سيؤزم الواقع السياسي

إلى جانب الأزمة السياسية في العراق ظهرت أزمة اقتصادية شديدة على وقع تدهور الاقتصاد العالمي نتيجة التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، إذ خرج المئات من العراقيين الأسبوع الماضي في العاصمة بغداد ومدينة الناصرية جنوب البلاد احتجاجاً على ارتفاع الأسعار، ويخشى مراقبون بأن تفجر هذه الأزمة اضطرابات جديدة في البلاد، وتؤثر على العملية السياسية.

ولا يستبعد المحلل السياسي العراقي بأن الأزمة الاقتصادية يمكن لها أن تعكس سلباً على العملية السياسية، إذ قال: "بلا شك أن أي أزمة اقتصادية تواجه الدولة سوف تنعكس بشكل كبير على الواقع السياسي، ونحن نتذكر أن انتفاضة تشرين من عام 2019 كانت أسبابها الأساسية هي الأسباب الاقتصادية. إذ انطلقت الجماهير إلى الشوارع بسبب حالة البؤس وحالة الفقر التي يعانيها".

وقال المحلل السياسي العراقي في ختام حديثه: "بالتأكيد إذا ما طالت فترة الأزمة السياسية، ولم تتشكل حكومة سريعة ولم تباشر هذه الحكومة في حل الواقع الاقتصادي؛ فإننا مقبلون على أزمات سياسية كبيرة، ربما تعصف بالنظام السياسي كما عصفت به انتفاضة 2019".

(ح)

ANHA