​​​​​​​عمالة الأطفال في لبنان.. قانون معطل وأرقام في تزايد

أكثر من مائة ألف طفل دون سن الـ 18 عاماً يعملون على الأراضي اللبنانية. رقم يُظهر حجم الجريمة التي تُرتكب بحقّ الطفولة، فعلى الرغم من القوانين اللبنانية والاتفاقات والمواثيق الدولية المعنيّة بحقوق الطفل، لا سيّما اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها لبنان عام 1991، لا يزال مشهد الأطفال حاضراً بقوّة عند تقاطع الطُرق والمُستديرات والمحال التجارية، ولم يعد أمراً خارجاً عن المألوف.

​​​​​​​عمالة الأطفال في لبنان.. قانون معطل وأرقام في تزايد
السبت 12 آذار, 2022   04:05
بيروت - زياد أبو غزالة

عمالة الأطفال في لبنان ظاهرة قديمة تتفاقم مع اشتداد أزمة اقتصادية ومالية خانقة لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة، وزاد من وطأتها موجات النزوح السوري التي يشكل الأطفال جزءاً كبيراً منها.

وتقول الأرقام إن أكثر من 100 ألف طفل تحت سن الـ 18 عاماً، يعملون على الأراضي اللبنانية، 35 ألفاً منهم لبنانيون يعملون في قطاعات مختلفة، وخصوصاً القطاعين الصناعي والزراعي، على الرغم من أن قانون العمل الحالي يحظّر عمل الأطفال في الأعمال الصناعية تحت سن الخمسة عشرة، وهو ما يجعل لبنان من الدول التي تسجل النسبة الأعلى في العالم للأطفال العاملين بين 10 و17 عاماً.

وتتعدد أسباب الظاهرة، لكن أبرزها الوضع الاقتصادي المتدهور جراء الأزمة المالية والواقع الاقتصادي، ما جعل من 28 في المائة من اللبنانيين يرزحون تحت خط الفقر، و8 في المائة منهم يعيشون في فقر مدقع، ما يدفع الأطفال إلى معونة أهلهم، فضلاً عن التسرب المدرسي وغياب القوانين وضعف التوجه نحو التعليم المهني.

مآسي الأطفال

هشام، (اسم مستعار) أحد أفراد أسرة لاجئة من سوريا، تتكوّن من ثلاثة أخوة مع والدتهم. يعمل مع والدته - بعدما أن فقد والدهم بالحرب ـ من أجل تأمين معيشتهم، وذلك بعدما دفعته الظروف الماديّة والاجتماعيّة إلى ترك دراسته، بسبب سوء الخدمات التعليميّة المقدّمة للاجئين، وغياب المساعدات الاجتماعية والماديّة والصحيّة.

هشام واحد من آلاف الأطفال الذين دفعت بهم ظروفهم الصعبة إلى مواجهة الحياة، فوقعوا أسرى ظروف أصعب وأخطر.

ظروف تزداد تفاقماً نظراً لما يعيشه لبنان من واقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وصحي متأزّم. هذا البلد الصغير الذي لا تتعدّى مساحته 10452 كيلومتراً مربّعاً، والذي تضاعفت أزماته بسبب ازدياد عدد سكّانه بمئات الآلاف مع تدفق اللاجئين السوريين إثر الحرب الدائرة في سوريا منذ العام 2011.

أزمات تهدّد مستقبل الأطفال، في ظلّ عدم وجود سياسات واضحة تتعلّق بهم، والتي يتقاسم مسؤولية رسمها عدد من الوزارات، لا سيّما وزارات الداخلية والعدل والعمل والشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحليّة ذات الصلة.

دور وزارة العمل

ويتضارب عمل الأطفال مع القوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية الراعية لحقوق الطفل التي وقّعتها السلطات. وهنا يتساءل كثيرون عن دور وزارة العمل اللبنانية، بالتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، لأنها تؤدي دوراً رئيساً في المجال، عبر التفتيش واللجنة الوطنية ووحدة مكافحة عمل الأطفال.

وتقرّ رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال بوزارة العمل، نزهة شليطة، أنّ "عدد الأطفال العاملين مرجّح للازدياد بوتيرة سريعة بسبب غياب التدابير الحمائيّة والمساعدات والخدمات الصحيّة والاجتماعية والتربوية، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي، وعدم توفّر التعليم المجاني والإلزامي للجميع، وازدياد نسب التسرّب المدرسي". كما تقرّ بأنّ نقص عدد المفتّشين في قسم التفتيش في الوزارة يرتّب على هذا القسم، بشكل أو بآخر، مسؤولية زيادة عدد الأطفال العاملين.

وتؤكد نزهة شليطة لوكالتنا أنّ "الخطة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، لم تحصل على التمويل اللازم لها. فالمراكز التي أُنشِئت من موازنة الوزارة المتواضعة في البقاع وطرابلس والنبطية والأوزاعي، أُقفِلَت بسبب وقف التمويل، إذ لا موازنة مُخصّصة في وزارة العمل، ولا في أي وزارة أخرى، لمكافحة عمل الأطفال، وإنما نعتمد على الدول المانحة والجمعيات الأهليّة والمؤسسات الرعائية".

وحول سياسة الوزارة، تكشف نزهة شليطة عن اتّجاه الوزير لتفعيل عمل اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال، والتنسيق مع الوزارات الأخرى ودعوة المنظمات المحليّة والدولية لوضع خطة طوارئ واتخاذ إجراءات عاجلة وبدائل سريعة.

مسؤولية الأسرة

وتعمل منظمة اليونيسف في لبنان جاهدةً لمعالجة قضايا حماية الطفل ضمن أكبر أزمة للاجئين في العالم. وبهدف توفير الحماية للأطفال الأكثر عرضة لمخاطر العنف وسوء المعاملة، أسّست علاقة وثيقة مع الحكومة اللبنانية وعدد من الشركاء الوطنيين الرئيسيين.

كما أطلقت برنامج "حماية الطفل" لضمان نمو جميع الأطفال والنساء المعرّضين للخطر أو الناجين من العنف والاستغلال وإساءة التعامل في مجتمعات ومؤسسات آمنة، ولتأمين وصولهم الى الخدمات الجيدة.

وكانت المنظمة، في تشرين الأوّل/ أكتوبر من العام الماضي، قد أجرت استطلاعاً جاء فيه أنّ "12 في المائة من الأسر المشمولة بالاستطلاع أرسلت طفلاً واحداً على الأقل إلى العمل، بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز 9 في المائة قبل ستة أشهر، حيث يعمل أطفال لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات، في المزارع والشوارع وبيع الوقود بصورة غير قانونية، مما يعرّضهم لخطر الحروق الخطيرة وحتى للموت".

مخاطر عمالة الأطفال

ويتفاقم عمل الأطفال، ويشكل ظاهرة في فصل الصيف خلال العطلة المدرسية، وتتعدد المخاطر التي يواجهها الأطفال العاملون، منها إهدار الحقوق لمجرد النزول لسوق العمل والخروج من فئة جيل الأطفال، وهذه أول خسارة.

ومن المخاطر يصبح الطفل عرضة لشتى أشكال التنمر على شكله وبنيته وسلوكه، وللانتهاك؛ كالتحرش الجنسي واستغلاله مادياً، وتشغيله ساعات طويلة من دون أعطال، وهدر طاقاته، بينما هو في مرحلة إعداد وتربية.

(ح)

ANHA